العنوان الإيمان والتوحيد.. معركة النبوة الكبرى
الكاتب عدنان النحوي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1408
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 11-يوليو-2000
الأنبياء والمرسلون قادوا أهم عمليات التغيير في الحياة البشرية بالدعوة إلى الإيمان والتوحيد
• واقعنا مؤسف فالمسلم لا يستحي من الجهل بدينه والمجتمع لا يطالبه برفع الجهل والدين أصبح ثقافة بدون عمل
• ضغوط المعاش صرفت الناس عن الانشغال بالهدف الرباني الأول للدعاة في جميع العصور.
الأنبياء والمرسلون رسالتهم ممتدة مع الزمن منذ نوح عليه السلام أول رسول بعثه الله إلى قومه، فقد بعث الله الأنبياء والمرسلين- جميعًا- بقضية واحدة، ودين واحد، أما القضية فهي التوحيد، وأما الدين فهو الإسلام:
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة الأعراف آية 59).
وفي الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة- رضي الله عنه- جاء فيه: «اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض» (رواه البخاري) (1).
ثم توالى الرسل والأنبياء بعد نوح عليه السلام، إذ كان يبعث الله كل رسول إلى قومة خاصة قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (سورة النحل آية 36).
وكذلك قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِير﴾ (20) (سورة فاطر آية 24). وكان كل نبي يرسل إلى قومه خاصة، كما جاء في القرآن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (سورة الأعراف آية 22)، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ (سورة الأعراف آية 65) ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (سورة الأعراف آية 73) ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ (سورة الأعراف: آية 54)، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ (سورة الأعراف آية 85) ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة الأعراف آية 103).
وفي الحديث الشريف الذي يرويه جابر- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «أعطيت خمسًا لميعطهن أحد من الأنبياء قبلي.. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (رواه الشيخان والنسائي) (2)، وتوالى الأنبياء والمرسلون منهم من قص الله علينا نبأهم ومنهم من لميقصصهم مبشرين للمؤمنين منذرين للكافرين، لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل:
قال سبحانه: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (سورة النساء آيات 164- 165)، وكذلك قال سبحانه ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة المؤمنون آية 44 ).
ومهما تعددت الرسل والرسالات فإن الدين واحد وهو الإسلام، والله واحد لا شريك له هو الله الذي لا إله إلا هو، ومن هذه الحقيقة الكبرى في الكون والحياة ينبثق الدين والشرع، ويمضي مع الدهر كله يبشر وينذر ويعالج النفس البشرية ويغير ما فيها من خلل واضطراب، وكفر وضلال، حتى جاء النبي الخاتم برسالة الله الخاتمة الجامعة المهيمنة على الرسالات كلها بالقرآن الكريم والسنة المطهرة والدعوة الحقة إلى صراط مستقيم يقول: جل في علاه: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (سورة الأحزاب آية 40).
وجاءت النبوة الخاتمة بالرسالة الجامعة مهيمنة على ما سبقها من الرسالات وجامعة لها، ومصدقة لها قال سبحانه ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ ﴾ (سورة المائدة آية 48)، وكذلك قال ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (سورة الأعراف آية 158).
جاءت هذه الرسالة الخاتمة لتعالج النفس البشرية وتغير ما فيها من فساد وفتنة.
قضية واحدة
إن امتداد الرسل هذا الامتداد المتواصل مع الزمن يشير إلى أن هناك قضية عظيمة بعثوا جميعًا من أجلها وهذه القضية هي قضية الإيمان والتوحيد.
الحقيقة الكبرى في الكون والحياة، الهدف الرباني الأول الثابت للدعاة في جميع العصور والميادين، ويشير هذا الامتداد إلى أن الله سبحانه وتعالى اختار أفضل خلقه في كل مرحلة ليحمل مسؤولية هذه الدعوة العظيمة، لقد بعث من أجلها الأنبياء، ولم يبعث المهندسين، ولا الأطباء ولا الفلاسفة، ولا غيرهم.
لقد اصطفى الأنبياء الذين يرتفعون برحمة الله وفضله إلى مستوى هذه القضية العظيمة والحقيقة الكبرى.. إنهم عباد الله المصطفون لهذه القضية العظيمة مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (سورة الحج آية 75)، وقوله ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (سورة ص آيات 45- 46) وقوله في ﴿قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰٓ ۗ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سورة النمل آية 59)، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (سورة آل عمران آية 33).
فالأنبياء والمرسلون هم عباد الله المصطفون، وهم خيرة خلقه ويحملون للناس الدين الذي اصطفاه الله لعباده، دين الإسلام، قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة البقرة آية 132).
واليوم عندما يدرس العلماء عظماء العالم ويضعونهم في مراتب ودرجات عبر عصور مختلفة، فإنهم ينسون الأنبياء أو يتناسونهم، ذلك لأن الميزان اختلف وتغير، فشتان بين ميزان الله الحق میزان الإيمان والإسلام وميزان العلمانية ومذاهبها المادية.
لقد بعث الله هؤلاء الرسل والأنبياء ليقوموا بأعظم معركة في تاريخ البشرية من أجل أعظم قضية، إنها المعركة مع النفس البشرية التي انحرفت عن الصراط المستقيم، وعن دين الله الواحد- الإسلام - إنها معركة تغيير النفس وتحويلها من الفتنة والفساد والوثنية والضلال إلى الهدى والحق والخير، وإخراجها من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد وإشراقة الإيمان على سنى لله ماضية، وقدر غالب، وقضاء نافذ، وحكمة لله بالغة.
جميع هؤلاء الأنبياء أوذوا في الله وابتلوا ابتلاءً شديدًا، وصبروا على ذلك.
ويعرض كتاب الله قصص الأنبياء وما وجدوا من الإيذاء والابتلاء الذي صبروا عليه، ولا تجد مع هؤلاء الأنبياء الحشد الكبير، فنوح عليه السلام ما آمن معه إلا قليل، وهود عليه السلام تصدى له . الذين كفروا من قومه، وصالح عليه السلام آمن معه المستضعفون من قومه وتصدى لهم الذين استكبروا، حتى أخذ الله الذين استكبروا بالرجفة والعذاب الأليم، ولوط وإبراهيم لم يجتمع لهما الحشد الكبير فهاجرا إلى فلسطين بدينهما،يدعوان فيها إلى الإسلام، وكذلك سائر الأنبياء والمرسلين حتى موسى عليه السلام، ما امن معه إلا ذرية من قومه، وقالوا له: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (سورة المائدة آية 24).
خصائص الرسالة الخاتمة: امتدت رسالة الأنبياء والمرسلين لتخوض هذه المعركة العظيمة مع النفس البشرية لتغيرها من الضلال إلى الرشاد، وتنقذها من عذاب الآخرة ونار جهنم حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، ليمضي في هذه الرسالة العظيمة، يبلغها للعالمين كافة، وليتابع معالجة النفس البشرية، تغيير ما بها إلى الحق فلا بد من أن يكون للنبي الخاتم خصائص فريدة اصطفاه الله بها لحمل هذه رسالة للناس جميعًا بلاغًا، وتعليمًا، وتدريبًا، وإعدادًا.
أول خصائص النبوة الخاتمة أن يكون النبي خاتم خير بني آدم وسيدهم، إذ لا نبي بعده، ليصطفي الله خير خلقه لهذه المهمة الجليلة، ويكشف لنا هذا الأمر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديث طويل نقتبس منه فقرات: «أنا سيدناس يوم القيامة..»، ثم يصف الحديث الشريف ما يصيب الناس يوم القيامة من غم وكرب فيبحثون عمن يشفع لهم، فيذهبون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم، ثم إلى ثم إلى عيسى عليهم جميعًا السلام، ويعتذر كل نبي عن الشفاعة ويقول: «نفسى نفسي نفسي» إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيأتي تحت العرش، ويقع ساجدًا لربه، فيفتح الله عليه من الثناء على ربه ما لم يفتحه على أحد قبله، ثم يقال" يا محمد ارفع رأسك، سل تعط، واشفع تشفع» (رواه أحمد والشيخان والترمذي) (3).
وفي حديث آخر عن أبي هريرة- رضي الله عنه -: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول شافع وأول مشفع لا فخر» (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه) (4).
وفي حديث عن المطلب بن أبي وداعة- رضي الله عنه: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، وأنا خيركم بينًا وأنا خيركم نفسًا» (رواه أحمد والترمذي) (5).
وقد وصف الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم في كتابة الكريم بخصائص نأخذ منها قبسات فقال ﴿إِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونࣲ إِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونࣲ وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (سورة القلم آيات 3 -4). ﴿يا آيها النبى إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (سورة الفتح آيات 8- 9- 10).
ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم الله أحمد والمقفى والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة فقد اصطفاه الله على خلقه كما اصطفى سبحانه وتعالى سائر الأنبياء كلا في زمنه إلى الناس، وقد أوذي صلى الله عليه وسلم في الله إيذاء شديدًا، ومضت سنه الله كما مضت مع الأنبياء والمرسلين من قبله، إلا أن الله سبحانه وتعالى خصه بأمور لم تتوافر للأنبياء قبله، فجعل له من أصحابه صفًا كالبنيان المرصوص، وجعل منهم جواهر تشع وأئمة يقتدى بهم، وجيشًا حمل السلاح يدافع عن دين الله ويصد المجرمين الكافرين، ويجاهد في سبيل الله لينشر دعوة الله في الأرض كلها.
هذه الكوكبة العظيمة من الصحابة- رضي الله عنهم- لا أعتقد أنه توافر مثلها لنبي قبله، إنهم تلامذة مدرسة الرسالة الخاتمة المدرسة الممتدة مع الزمن كله، تظل تدعو وتتعهد وتبني أجيالًا وأجيالًا تتدافع مع الزمن.
بذلك أصبحت الأمة المسلمة الواحدة الممتدة في الأرض والزمن: حاملة الدعوة إلى الله ورسوله، إلى الإيمان والتوحيد إلى الحقيقة الكبرى في الكون والحياة أمانة في عنقها، تحاسب عليها يوم القيامة.
واقعنا اليوم
إذا نظرنا إلى واقعنا اليوم، وقارناه مع هذا التاريخ العظيم الذي يعرضه لنا القرآن الكريم، فسوف نجد أن جهود الأنبياء والمرسلين كانت كلها منصبة على قضية التوحيد وأننا- نحن اليوم- مقصرون تقصيرًا كبيرًا فيما يبذل من جهود لهذه القضية الخطيرة في حياة البشرية.
لقد ظهر في واقعنا اليوم ثلاث مشكلات أو ثلاثة أخطاء إزاء هذه القضية موجزها ما يلي:
1- اضطراب التصور لقضية الإيمان والتوحيد والخلل في جوانب منها.
2- عدم إنزالها منزلتها العادلة الأمينة في واقع المسلمين، وعزل قضايا الدنيا عن هذه الحقيقة الكبرى ورفعها إلى المنزلة الأعلى، ومن ثم الانصراف إليها كلية والانشغال بها وهي معزولة عن القضية الكبرى.
3- التقصير في الجهود المبذولة لها في ميدان الدعوة والبلاغ والنهج والتخطيط والعلاج والتقويم، ثم أخذت القضايا الآنية الثائرة في الواقع تزيد من ضغطها، حتى انعزلت عن قضية الإيمان والتوحيد، سواء في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو غيرها.. ثم انصرفت الجهود للبحث عن حلول للمشكلات الآنية وقضاياها من خلال ما يحمله الواقع من ضغوط متزايدة تزيد الابتعاد عن قضية الإيمان والتوحيد حتى تكاد تصبح هذه القضية الكبرى، والحقيقة العظمى أقرب إلى الشعار منها إلى التصور القرآني المترابط والممارسة والتطبيق في مختلف شؤون الحياة.
إن هذه المشكلات الثلاث بالنسبة لقضية الإيمان والتوحيد، دفعت في الوقت ذاته كثيرًا من المسلمين إلى هجر كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلموالإقبال على علوم الدنيا معزولة عن العلم الحق فيالكتاب والسنة، فقد ترى الرجل المبدع في الطب جاهلًا دينه واهيًا في تصوره للإيمان والتوحيد، منحرفًا في ممارسته، ولم يعد المسلم أو بعض المسلمين يستحي من الجهل بالدين، بل لم يعد المجتمع يطالب برفع الجهل، وأصبح الدين ثقافة بعد أن كان علمًا.
الحل يبدأ من هنا
ونحن نبحث عن حلول لمشكلاتنا الدنيوية لا بد من أن نعود إلى جذور تلك المشكلات ليبدأ الحل كله من القضية الكبرى القضية التي بعث الله من أجلها الأنبياء والمرسلين وختمهم بالنبي المصطفي محمد، وشرع للناس دينًا قيمًا جامعًا شاملًا، منهجًا متكاملًا مترابطًا ينهض كله على هذه الحقيقة الكبرى.
لقد بعث الله النبيين والمرسلين ليخوضوا معركتهم مع النفس البشرية، ليعينوا الناس على أن يغيروا ما بأنفسهم من خلال وجهل إلى ما يجب أن يكون في نفوسهم من هدى وإيمان وتوحيد فكانوا أعظم الناس أثرًا في التاريخ البشري.
إن الأنبياء والمرسلين الذين ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم قادوا أهم عمليات التغيير في الواقع البشري ماضين على نهج جلي، وسنن ربانية جلية، وكان النهج والتغيير يبتدئ دائمًا مع النفس البشرية وبقضية الإيمان والتوحيد في جهد منهجيواضح، وغني.
فإذا لم نعد اليوم هذه العودة الكريمة إلى قضية الإيمان والتوحيد، تصورًا، وعلمًا، ونهجًا، وتخطيطًا، ليدفع هذا كله الناس إلى الكتاب والسنة وليفهم الواقع من خلالهما، لتكون هذه القضية الكبرى المنطلق الحقيقي لتغييرها في نفوسنا، فإني أعتقد أن جهودنا ستتيه في محاولات تتخبط بين العلمانية، ومذاهبها السياسية والاقتصادية والأدبية والاجتماعية، وبين الديمقراطية والاشتراكية وغيرهما تحت شعارات متعددة من وطنية وقومية وإقليمية، وقد يظهر بينها شعار الإسلام أو شعار التوفيق بينها وبين الإسلام، ولكن هل هذا هو الإسلام الحقيقي؟
من هذه البداية والمنطلق، تبدأ عملية تغيير ما في النفس، عسى الله أن يغير ما في واقعنا من هوان وفواجع وهزائم تتزايد مع تزايد الانحراف، وتزايد محاولات التوفيق قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد آية 11).
إنها ليست عملية لحظة ثم تنتهي، إنها عملية تمتد مع العمر كله، في مراقبة ومجاهدة للنفس، إنها مسؤولية الإنسان نفسه تمضي على سنن لله نافذة، وحكمة غالبة، فإنه سبحانه وتعالى هو الذي يعلم ما في الصدور.
والواقع إنه إذا لم يتحقق النصر في هذه المعركة مع النفس، فلن يتحقق النصر في أي معركة أخرى.
الهوامش
1- البخاري: 60/3/3340.
2- صحيح الجامع الصغير وزيادته ط – 3 رقم 1056.
3- صحيح الجامع الصغير وزيادته ط – 3 رقم 1466.
4- المصدر السابق: رقم 1468 .
5- المصدر السابق رقم 1472.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل