; الإنسان.. في القرآن والاصطلاح المعاصر | مجلة المجتمع

العنوان الإنسان.. في القرآن والاصطلاح المعاصر

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 28-أغسطس-2010

مشاهدات 88

نشر في العدد 1917

نشر في الصفحة 66

السبت 28-أغسطس-2010

أفاض القرآن الكريم في الحديث عن الإنسان أهم مخلوقات الله، وخصص جزءًا كبيرًا منه لمخاطبة الإنسان وبني آدم مطلقًا دون تحديد للدين أو المكان، ومن السهل أن نلحظ أن القرآن الكريم تعامل مع الإنسان من مداخل محددة، وأهمها ثلاثة:

 المدخل الأول : هو أن الله خالقه؛ وهو أدرى بخلقه ويعلم سره وجهره، بل يعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد. معنى ذلك أنه لا مفر من الله إلا إليه، ولا سبيل إلى مخادعة الله

سبحانه بعد أن رصد القرآن كل وسائل المصداقية في الحساب.

المدخل الثاني: تحديد مهمة الإنسان وهي الخلافة في الأرض، وهي مهمة مرتبطة ارتباطًا مطلقًا بأمرين أشد خطورة، وهما قواعد الثواب والعقاب؛ أي مفهوم العدل ومراتب الحساب والمسؤولية، والأمر الثاني المتعلق بحرية الإيمان والكفر وهو عقد ابتدائي بين الإنسان وخالقه لا معقب عليه ومحله القلب لا يجوز فض سره أو هتك أستاره، ولذلك تم التركيز على القلب ونقائه وما يحتويه دون نظر إلى الشكل والمظهر فلا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر أو حسد، كما لا يدخلها إلا كل من أتى الله بقلب سليم على تفصيل في معنى سلامة القلب، وأخطار التفسير السطحي لهذه الأركان الأساسية في الإسلام، ومادام الإنسان قد تطوع دون دعوة لحمل أمانة الحرية؛ فقد وهبه الله العقل ليكون العقل والحرية هما مدار المسؤولية بغيرهما أو بغير أحدهما لا تقوم المسؤولية ولا يقوم الحساب.

أما المدخل الثالث: التناقض المطلق بين تكريم الإنسان المرادف دائمًا لبني آدم وجعله سيد مخلوقاته، وبين الصفات التي ذكرها القرآن الكريم في أكثر من موضع والأصل الوضيع الذي خرج منه الإنسان، فإذا كانت تلك صفاته وهذا أصله، فلماذا خصه الله بالتكريم؟ ولم يجعل التكريم مكافأة لصفات إيجابية، ولكنه تكريم من طرف الله سبحانه لهذا الإنسان، وكيف يستقيم تكليف هذا الإنسان بهذه المهمة الخطيرة والخلافة الثقيلة التي ينوء بحملها حتى من تمتع بكل الصفات النبيلة؟

فقد خلق الإنسان من طين، وخرج من سلالة من ماء مهين يخرج من بين الصلب والترائب، كما وصف الإنسان بأنه ما أكفره، إنه كان كفورًا، هلوعًا، مغرورًا ومستخفًا بمن خلقه وصوره ورزقه، وكان ظلومًا جهولًا،

وغيرها من الأوصاف السلبية الأخرى.

فالتكريم ليس لذات الإنسان وصفاته، ولكن التكريم إحسان من خالقه ومرتبة تليق بمهمته الخطيرة، وقرن الله سبحانه تكريم الإنسان ورفعته بتسخير المخلوقات الأخرى له وخضوعها لتوجيهاته وخدماته، فالتكريم منة من الله على الإنسان، كما من عليه بالخلق والرزق والهداية والحرية وهداه إلى الطريقين، وإذا كان الإنسان حرًا في تحديد طريقه بعقله

وبالفطرة التي فطره الله عليها، وبالكتب التي أنزلها الله عبر رسله الكرام وأنبيائه البررة، فهو في النهاية يتحمل المسؤولية عن أعماله.

ولما كان الخير والشر هداية مع بيان مآل الطريقين بوضوح؛ فقد احتارت الدراسات الاجتماعية فيما إذا كان الإنسان بطبعه شريرًا، وأن الخير طارئ عليه أم أن الخير هو الأصل وأن الشر هو الطارئ؟ ولا تزال القضية غير محسومة حتى الآن، ولكن الإنسان في المصطلح المعاصر هو بطل قضية الحياة، وحوله نشأت العلوم الإنسانية والطبيعية، وبلغت أهميته عند بعض المفكرين فاعتبروه البداية والنهاية وأنكروا قضية الخلق تمامًا، ولكن الأغلبية الساحقة من العلماء في الدراسات الحديثة يعترفون بقدرة الخالق الواهب، وبأن عقل الإنسان وما بلغه هو إضافة إلى نعم الله على هذا الإنسان، وقد فصل العالم العربي المسلم د. أحمد زويل في أحاديثه الكثير حول هذه الحقيقة.

من الناحية السياسية، اعتبر البعض الإنسان حيوانًا سياسيًا، كما اعتبره البعض الآخر حيوانًا مفكرًا وعاقلًا، أو حيوانًا ناطقًا، وهو وصف يحتمل أمرين، إما أن الإنسان أصلًا حيوان وهذا يناقض ما جاء في القرآن الكريم وسائر الكتب المقدسة الأخرى، الأمر الثاني: أنه بفطرته البدائية يحب السياسة، وأنه يختلف عن الحيوان بالعقل والنطق، فإذا علمنا أن الحيوان أمم أمثالنا ولكننا لا نعرف لغتهم، وأن العقل وحكره على الإنسان يحتاج إلى تدقيق ولا يكفي فيه الإطلاق، لا تضح أن هذه الأوصاف تجانب الحقيقة، ويبقى الإنسان سيد الكون بلا منازع، وبطل

ملحمة الحياة والموت والبعث والحساب.

وأخيرًا، فقد نشطت حركة دولية لحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية، وصدرت عشرات الوثائق الدولية المؤكدة لهذه الحقوق، كما استخدمت حركة حقوق الإنسان أداة لتصفية الاستعمار، ولكنها استخدمت من ناحية أخرى من جانب الدول الاستعمارية للهيمنة على الدول الصغيرة بحجة حماية حقوق الإنسان داخل هذه الدول، وهي

حق أريد به باطل، ولا تزال هذه الدول التي لها سجل في انتهاك حقوق الإنسان العربي والمسلم خاصة في فلسطين، ومع ذلك تتباكي على حقوق الإنسان في بعض المناسبات لابتزاز حكومات هذه الدول لصالح الدول الأوروبية.

وقد ظهرت في الدول الإسلامية موجة ردًا على موجة حقوق الإنسان في الغرب، تؤكد أن الإسلام أسبق من الفكر الوضعي بتأكيد حقوق الإنسان، ولكن المشكلة هي أن المقارنة بين حقوق الإنسان في القرآن والسنة تختلف عن واقع حقوق الإنسان في الدول الإسلامية، وأعتقد أن الوازع الديني لم يفلح في تطوير سلوك الحكام في احترام حقوق الإنسان، ولذلك فإن الضمانة الحقيقية لاحترام كرامة الإنسان هي إتاحة الديمقراطية، وكذلك الثقافة الدينية التي تحث على الرحمة والكرامة الإنسانية والمساواة، والتذكير بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إذا مارس الزبانية التعذيب لبني البشر في بلادنا بحجة أنها التزام وظيفي، ولكن ذلك خطيئة تحسب على الفاعل، وتكتب في سجله ولا يشفع له أنه مأمور بذلك، فأمر الله أولى من الوالي أو ولي الأمر الذي يحفظ ملكه بقهر عباد الله، فإذا ساد القهر والطوارئ والاستبداد والفساد واختفى الوازع الديني عاني الإنسان ظلم أهل الأرض رغم أن الخالق كرمه ورفعه فوق

مخلوقاته، وحذره من قواعد العمران والوكالة والحرية والقيم التي وضعها لضبط الحياة بين بني البشر.

الرابط المختصر :