العنوان الإنسان بين التكريم الإسلامي والإهدار الجاهلي من خلال رؤية الأدب الإسلامي
الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1985
مشاهدات 84
نشر في العدد 743
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 26-نوفمبر-1985
صور من إهدار الجاهلية كرامة الإنسان
الحلقة الرابعة
الحلقة الأخيرة من موضوع الإنسان
* الإنسان في التصور الإسلامي أعز وأكرم من كل شيء مادي فلا يجوز أن يعتدي على أي مقوم من مقومات إنسانيته الكريمة.
* تتضح مهانة الإنسان على يد الجاهلية الحديثة في إهدارها كرامة الإنسان الأسود.
* دور الإنسان في الأرض هو الدور الأول بمقتضى استخلافه فهو الذي يغير ويبدل في أشكالها.
بعد أن عرضنا في الحلقات الثلاث السابقة إلى صور من تكريم الإنسان في الأدب الإسلامي كانت من خلال العرض الأدبي لحرية الإنسان وتأكيد ذاته. وحماية الإنسان وكفالته، وإرساء دعائم الأخوة الإنسانية - نعرض هنا إلى الصورة المقابلة التي نراها في عصرنا الحاضر متمثلة في إهدار الجاهلية كرامة الإنسان؛ ليتضح لنا ارتقاء النظرة الإسلامية للإنسان، وإعلاء الأدب الإسلامي قيمة الإنسان.
تتضح مهانة الإنسان على يد الجاهلية الحديثة في إهدارها كرامة الإنسان الأسود، وحديثنا عن الأنظمة الجاهلية الحديثة، وذلك في صنيع الاستعمار الأمريكي الأوروبي الذي ما كان يكتفي من أفريقية السوداء بنهب خيراتها، وإنما كان يسترق البشر فيها ويسوقهم كالمتاع أو كالحيوانات إلى بلاده، وطبع بلادها بطابع العبودية للبشر، حين أسماها ساحل العبيد، من حديث «عثمان أمينو» في رواية عمالقة الشمال لنجيب الكيلاني:
«وفي القديم كان الأوروبيون يطلقون على شواطئنا «ساحل العبيد» وكانوا يسوقون أسرًا بكاملها أمامهم كما تساق الأغنام، ويحشرونهم في السفن القذرة أطفالًا ونساءً وشيبًا وشبابًا، ويلقون بهم على شواطئ الدنيا الجديدة «أمريكا» عشرون مليونًا صدرتها أفريقيا لأمريكا على أيدي التجار والقراصنة الأوروبيين.. أي عذاب كان يقاسي منه هؤلاء التعساء.. واليوم حلت البضائع والمواد الخام مكان العبيد، بالأمس يصدرون البشر، واليوم يصدرون جهود البشر، الأفريقي هنا أو في أمريكا يعمل ويعمل دائمًا من أجلهم ومن أجل سماسرتهم، ولا يجني الأفريقي سوى القليل» (1).
ويعبر محيي الدين فارس عن مظلمة الإنسان الأسود في القرن العشرين حيث ينظر الناس، من خلال جاهليتهم - إلى الإنسان في شكله وهيئته:
ورأيت الناس إليك يشيرون وينادون العبد الأسود..
هل يومًا ذقت الجوع مع الغربة
والنوم على الأرض الرطبة
الأرض العارية الصلبة
تتوسد ثني الساعد في البرد الملعون
أنَّى طرقت تثير شكوك عيون
تتسمع همس القوم ترى غمز النسوان ويمد بنان
يتغور جرحك في القلب المطعون
تتحمل لون إهاب ناب كالسبية
تتلوى في جنبيك أحاسيس الإنسان
وتصيح بقلب مختنق غصان
وأذل الأسود في الغربة.
في بلد مقياس الناس به الألوان (2).
ويتجاوز الأمر الإنسان الأسود إلى كل الإنسان الذي قهرته حضارة الغرب عسكريًّا، فهو مهدر الكرامة والقيمة الإنسانية.
ففي «طلائع الفجر» لنجيب الكيلاني، اختطف الجنود الإنجليز المحاصرون لرشيد «محسن» وخطيبته «وداد» وأذاقوهما مر التعذيب ومنعوا عنهما الطعام والشراب ليجبروهما على الإفضاء بأسرار الجيش المصري ودار الحوار بين «محسن» والكابتن «برسي» البريطاني:
قال محسن في تحد ظاهر:
- ليس لدي ما أقول.
- أنت جلف بربري لا تفهم إلا لغة السياط.
- بل أنتم وحوش لا تحترمون آدمية الإنسان.
فاقترب منه «برسي» وصفعه صفعة قوية، بينما نظر إليه «محسن» كالأسد الحبيس، ثم ثار وزمجر وحاول النهوض، ولكنه لم يستطع، فقال في نبرات حادة عميقة:
- أنت نذل.. ليس من الرجولة أن تصفع أسيرًا موثقًا بالحبال..
ولم يكد «برسي» يخرج حتى أطبق ثلاثة جنود على «محسن» وفي أيديهم السياط ومعهم كلب مدرب لم يكن «محسن» يصرخ أو يستعطف، بل كان يتأوه تأوهات مكتومة كلما فرقعت السياط على جسده، أو أنشب الكلب أنيابه في مكان حساس أسفل ظهره، أو ركله أحدهم بحذائه الغليظ. كانت كل ضربة تزيده غيظًا وعنادًا. وتملأ نفسه بغضًا وكراهية لهم.. واتضحت له أخلاقهم عارية من كل زيف، خالية من كل طلاء، فإذا بهم وحوش ضارية، وإذا بمدينتهم تبرز على حقيقتها جشعة متجردة، وإذا أطماعهم ليست كما يزعمون بريئة منزهة، ولكنها سطو واستغلال، وأخيرًا غاب «محسن» عن نفسه وتاه عن كل ما حوله، ولم يعد يحس بتعذيبهم العنيف وقسوتهم المطردة فقد أغمي عليه(3).
وفي النظم الجاهلية على اختلافها، نجد الإنسان الذي كرمه الله طاقة مضيعة مهلهلة، طالما لا تمتلك الفرص أو المال، وهذا نموذج من ذلة الإنسان وهوانه، ورخص قيمته، عمال التراحيل:
«ونزل عمال التراحيل، المنطقة في ثيابهم المهلهلة الرثة وأقدامهم الحافية المتشققة، وعلى وجوههم الشاحبة المغبرة آلام الغربة التعسة وسمات الذل والضياع، وساقوهم كقطعان الأغنام إلى حظائر الماشية والخيول وأكواخ القش الهزيلة وعلى ضفاف الترعة الصغيرة، وبعض المساجد والزوايا، وكأنهم مخلفات أو بقايا بشرية، ليس لهم سوق أو كرامة، وكل منهم يحمل «جوالًا» به أرغفة جافة وقليل من الملح.
ولمح عمال الترحيلة حضرة الناظر سلطان وهو يتخطر نحو بيته ويطرح بعصاه الخيزران في الهواء.. ومن خلفه شبح أسود يتبعه مطأطئ الرأس، وتناقلت الأفواه المنحنية اسم نجية عبد السلام، بنت كفر العرب بلد الغوازي، ولم يحاول واحد أو واحدة منهم أن ترفع رأسها، فقد كانت أيديهم تتسابق إلى جميع لوزات القطن المتفتح مخافة أن تهوي الكرابيج والحبال المجدولة فوق ظهورهم المنحنية..» (4).
صور من هوان كرامة الإنسان، لا يستطيع دفعًا ولا اعتراضًا على انتهاك كرامته وشرفه، تأكله الحاجة والخوف، ويهده التأجير والتهديد..
وأخيرًا ربما كان هناك من بلغ الغاية في تصوير انحدار قيمة الإنسان، يقول البياتي:
وريث هذا العالم الإنسان
يحوم حول سوره عريان..
وريث هذا العالم المدفون في الأعماق
يلهث مهزومًا على قارعة الطريق
يحمل وجه هالك غريق
ينام في المقهى، ككلب جائع، أفاق
تأكله الحمى، تدير رأسه الأرقام
يجوب مهجورًا بلا أحلام
شوارع المدينة الخلفية الصماء
يفرغ في حدائق المساء
حياته الجوفاء
وريث هذا العالم، المهان
يبحث عن مكان
يموت فيه صاغرًا، كالكلب، بالمجان (5).
ونخلص من هذا العرض للنظرة الأدبية الموازنة بين تكريم الله للإنسان وإهدار الجاهليات لقيمته وشأنه، إلى الاعتبارات الآتية التي تميز النظرة الإسلامية للإنسان عن التصورات الأخرى التي كنا عرضنا لها، فمن هذه الاعتبارات المميزة:
- إن الإنسان في التصور الإسلامي سيد هذه الأرض، ومن أجله خلق كل شيء فيها، فهو إذن أعز وأكرم من كل شيء مادي ومن كل قيمة مادية في هذه الأرض جميعًا، لا يجوز أن يعتدي على أي مقوم من مقومات إنسانيته الكريمة، ولا أن تهدر أية قيمة من قيمه لقاء تحقيق كسب مادي.. فهذه الماديات كلها مخلوقة أو مصنوعة من أجله، من أجل تحقيق إنسانيته وتقرير وجوده الإنساني..
- إن دور الإنسان في الأرض هو الدور الأول، بمقتضى استخلافه، فهو الذي يغير ويبدل في أشكالها وفي ارتباطاتها، وهو الذي يقود تجاهاتها ورحلاتها، على هدى من ربه، وليست وسائل الإنتاج ولا توزيع الإنتاج، وليس ما نراه في العالم المادي من إهدار حريات الإنسان وحرمته ومقوماته في سبيل توفير الإنتاج المادي وتكثيره إلا أثرًا من آثار النظرة المادية للإنسان التي لا ترعى حقيقة دوره في هذه الأرض(6).
(1 ) عمالة الشمال: 36 - 37.
(2 ) تيارات الشعر العربي المعاصر في السودان: دكتور محمد مصطفى هدارة، دار الثقافة، بيروت ص 433 - 434.
(3 ) طلائع الفجر: 95 - 97.
(4 ) رأس الشيطان: 170، 177.
(5 ) ديوان عبد الوهاب البياتي: 2/ 25 - 251.
(6 ) انظر في ظلال القرآن: 1 - 60.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل