العنوان الإنجليز على مسرح الشرق الأوسط والخليج
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981
مشاهدات 59
نشر في العدد 514
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 03-فبراير-1981
لماذا عودة الإنجليز وبهذه الكثافة بعد غياب يصل إلى عشرة سنوات بالنسبة لمنطقة الخليج؟
الأوروبيون وفي مقدمتهم بريطانيا و فرنسا بَيَّنُوا أن مدينة القدس يجب أن تكون دولية.
التحرك الأوروبي و إن بدا مختلفًا عن الدور الأمريكي إلا أنه يلتقي معه.
مع أن فاعلية السياسة البريطانية في الشرق الأوسط قد ذبلت منذ عام ١٩٥٦ و انتهت إلى الضمور و التلاشي منذ انسحابها من الخليج عام ١٩٧١، إلا أن هذه السياسة بدأت مؤخرا تنشط للعودة إلى مسرح الشرق الأوسط و الخليج و ثمَّة دلائل و مؤشرات تؤكد هذه العودة ولكن لماذا يعود الإنجليز وهل ستكون صورتهم الجديدة أجمل من صورتهم الاستعمارية؟!
دلالات ومؤشرات:
وعودة الإنجليز لمسرح الشرق الأوسط والخليج عليها أكثر من مؤشر ودليل، فقد لوحظ منذ عام ۱۹۷۹ أن الزيارات الوزارية الرسمية لدول الشرق الأوسط عمومًا و لدول الخليج خصوصًا قد تكثفت، وقد كانت هذه الزيارات على مستوى الخارجية والطاقة والتجارة، والمُلاحَظ أيضًا أن برنامج الزيارات البريطانية لم يقتصر على المسؤولين بل شاركت فيه شخصيات سياسية سابقة.
فمنذ بداية العام الحالي قام كل من اللورد کارنغتون وزير الخارجية وإدوارد هيث رئيس الوزراء الأسبق وديفيد هاول وزير الطاقة بزيارة رسمية لبعض دول الخليج العربي. وكان اللورد كارنغتون قد قام بجولة مُمَاثِلَة في بداية العام الماضي.
أما وزير الدولة للشئون الخارجية دوغلاس هيرد فقد قام هو الآخَر بزيارتين للمنطقة رديفتين لزيارة رئيسه كار ينغون. ويوم 1981/۱/18 ارتفع صوت اللورد کارادون وزير الدولة للشئون الخارجية السابق و واضع القرار رقم ٢٤٣ ليبشر في مقابلة له مع مجلة منداي مورننغ اللبنانية:
«فإن المبادرة الاوربية أفضل أمل في الوقت الحاضر، وحقًا أعتقد أنها الأمل الوحيد في الوقت الحاضر» و يُلاحَظ أن كثافة الزيارات الرسمية البريطانية لدِول المنطقة قد تتابعت منذ جولة الملكة اليزابيث الخليجية في أوائل عام ١٩٧٩ وبعد مَجيء حكومة حزب المحافظين بزعامة المسز تاتشر.
والسؤال الذي يطرح نفسه تلقائيًا لماذا عودة الإنجليز و بهذه الكثافة بعد غياب طويل يصل إلى عشر سنوات على الأقل بالنسبة لمنطقة الخليج؟
يُجيب على هذا السؤال وزير الطاقة البريطاني في معرض بيان أهداف زيارته التي شملت الإمارات و قَطَر والبحرين في النصف الأول من هذا الشهر فيقول «إنه بعد انسحاب بريطانيا من المنطقة في عام ١٩٧١ نشأ شعور في بعض دولها بأن بريطانيا لم تَعُد مهتمة بها كما في السابق لذا فإنها مصممة على تصحيح وجهة النظر هذه».
وأضاف في مقالة له مع كونا أن بلاده تسعى من خلال جهود عملية و تعاون بَنَّاء و تكثيف الزيارات الوزارية إلى توضيح رغبتها «في كتابة فصل جديد في التعاون مع دول الخليج».
ملء الفراغات والحلف الأمني الجماعي:
و مع أن وزير الطاقة البريطاني قد نفى أن بلاده لن تتحدث بلغة ملء الفراغات السياسية، إلا أن مصادر صحفية عربية في الكويت و الشارقة كانت قد ذَكرت بأن بريطانيا تسعى من خلال تحركاتها الدبلوماسية الأخيرة في دول الخليج إلى محاولة ربط هذه الدول من خَلف حِلف أمني جماعي يستهدف فيما يستهدف مقاومة سياسة الاتحاد السوفياتي في الخليج و المحيط الهندي، و الحفاظ على أمن وسلامة واستقلال الأنظمة الحاكمة!
وكان الصحفي البريطاني باتريك سيل قد كشف في صحيفة الأويزيرفر في بداية شهر كانون الأول الماضي عن أن اللورد كارينغتون وزير الخارجية البريطاني قد عمل على إقامة حِلف أمني يأخذ طريقه الآن إلى حَيّز الوجود في منطقة الخليج بزعامة المملكة العربية السعودية.
والجدير بالذكر أن دوغلاس هيرد كان قد ذكر لصحيفة الشرق الأوسط يوم 1980/١/25 إن زيارته لثلاثة من بلدان الخليج آنذاك قد هدفت إلى «البحث في قضايا الأمن الإقليمي» وأوضح قائلًا إن مهمته في جولته هي السعي لتأمين دعم جماعي للتحركات الغربية و استطلاع إمکانات مشروع جماعي لأمن دول الخليج العربي.
تقرير المصير للفلسطينيين
ويبدو أن البريطانيين يُدركون طبيعة الترابط بين قضية فلسطين وأمن الخليج؛ فانطلقوا في مساعيهم الدبلوماسية لعمل حِلف أمني خليجي من قاعدة مفادها أنه لا يمكن التوَصُّل لذلك ما لم تُسَوَّى أزمة الشرق الأوسط. ومن هنا تسعى الدبلوماسية البريطانية إلى تحقيق سياستها الرامية إلى تأمين حصتها من كعكة الشرق الأوسط من خلال تَحَرُّك أوروبي عام يشمل مجموعة دول السوق الأوروبية المشتركة و يركز على التوصل إلى حل سِلمي شامل برعاية دولية.
ولكي تأتي المساعي البريطانية بجديد جذاب فيما تعرضه من حلول لأزمة الشرق الأوسط؛ تبنَّى البريطانيون الدعوة لحق الفلسطينيين في تقرير المصير. وبرأي اللورد كارادون فإن التصور الذي تتبناه بريطانيا والذي سيعمل على دفعه اللورد كارينغتون من خلال رئاسته لمجلس السوق الأوروبية في شهر تموز القادم يتلخص فيما يلي:
- تعديل قرار مجلس الأمن ٢٤٢ ليَتَضَمَّن مبادئ إعلان التبعية، وهي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والأهمية الخاصة للقدس، و حق الفلسطينيين في تقرير المصير.
- إصدار قرار دولي مُتمم لقرار ٢٤٣ بشأن القدس بحيث تُقْسَم القدس إلى قسمين عربي وإسرائيلي مُجردين من السلاح وليس بينهما حواجز، مع حرية المرور إلى جميع الأماكن المقدسة.
- فرض وصاية دولية «للأمم المتحدة» لمدة عامين على القدس الشرقية و الضفة الغربية وقطاع غزة يمكن للفلسطينيين خلالها ممارسة حقهم في تقرير المصير و انتخاب زعماتهم و وَضْع دستورهم.
- إضافة شريط يتعلق بإقامة لجنة حدود دولية لتعديل خطوط ما بعد حرب الشرق الأوسط عام١٩٦٧.
- عَقْد مؤتمر سلام في جنيف تحت الرئاسة المشتركة للولايات المتحدة و الاتحاد السوفياتي.
- المبادرة الأوروبية يجب ألا تُعتبر بديلًا عن اتفاقات كامب ديفيد بل مُكملة لها باعتبار أن الكامب عالج المسائل بين إسرائيل ومصر ومن الضروري الآن معالجة المسألة الجوهرية وهي مستقبل الفلسطينيين.
- ستعترف بريطانيا و حكومات أوروبا- في رأي کارادون - بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية في المستقبل المنظور.
وهذا الذي قال به كارادون يتطابق مع ما سبق الصحيفة «لوسوار» البلجيكية الذي نشرته عن قائمة الخيارات السرية التي وافقت عليها قمة اللوكسمبورغ في أوائل شهر ديسمبر الماضي والتي تستند إليها المبادرة الأوربية. ويُلَاحَظ أن «تقرير المصير» للفلسطينيين ليس محددًا بل قد يكون دولة مستقلة أو متحدة كونفدراليًا مع الأردن أو مع إسرائيل كما ذكرت بعض المصادر المُطلعة نقلًا عن غاستون ثورن رئيس مجلس وزراء مجموعة دِوَل السوق الأوروبية السابق.
لماذا الدور الإنجليزي؟
وملامح الحل الأوروبي المُرتقب لم يعد سرًّا حتى بالنسبة لوضع مدينة القدس الأكثر حساسية؛ فالأوروبيون وفي مقدمتهم بريطانيا وفرنسا على لسان كثير من كبار مسؤوليهم بَيَّنُوا أن مدينة القدس يجب أن تكون دولية!
ولكن السؤال الذي طرحناه في المقدمة يظل قائمًا وهو/ لماذا الدور الإنجليزي وفي هذا الوقت بالذات؟! ولئن كنا أجبنا عن هذا السؤال في أعداد سابقة من المجتمع فإننا نترك الإجابة هذه المرة ليس للدراسة والتحليل بل إلى رأي بعض المراقبين والمطلعين الأوروبيين.
يقول تقرير صَدَر في بداية العام الماضي عن المعهد المَلَكِي للشئون الدولية بعنوان «الخليج في الثمانينات» «وقد شجع الزعماء العرب أوروبا الغربية لتصعيد سياستها في الشرق الأوسط تلك المنطقة التي كانت مكرا على الدبلوماسية الأميركية في الماضي، والتصدع بين واشنطن و معظم الدول العربية بعد معاهدة الصلح المصرائيلية، يُضاف إليه عجز أميركا عن إقناع مناحيم بيغن يتقديم أية تنازلات على مائدة المفاوضات يُهدد بدفع الأمور بين الطرفين إلى قمة التَأَزُّم.. وعدم إحراز أي تَقَدُّم تجاه حل النزاع العربي الإسرائيلي و القضية الفلسطينية، يمكن أن يؤدي إلى المزيد من التوتر وتهديدات واردات النفط وعلاقاته التجارية مع الخليج»
ويمضي التقرير قائلًا «وليس هنالك من خِلاف داخل دول المجموعة الأوروبية، أو بين هذه الدول وبين الولايات المتحدة، حول الحاجة إلى السلام ومَنْع التغلغل السوفياتي في المنطقة، و يتفق الطرفان على أن الإطار العالمي المقبول للمفاوضات على أساس قراري مجلس الآمن ٢٤٢، ۳۲۸ هو الحل الوحيد للمشكلة، كما أنهما تتفقان على ضرورة إقامة وطن فلسطيني في الضفة الغربية وغزة «في أكتوبر ١٩٧٦ تحدثت بريطانيا ولأول مرة عن وطن الفلسطينيين، وفي مارس ۱۹۷۷ صدر إعلان الدول التسع» وباعتبار أن قراري مجلس الأمن المذكورين يَنُصَّان على حق كل دولة من المنطقة على العيش ضمن حدود أمنه ومُعْتَرَف بها فإنهم يوافقون على ضمان حدود عام ١٩٦٧ وخصوصًا حدود إسرائيل مع الدولة الفلسطينية «مهما كانت صيغة هذه الدولة الدستورية، وسواء أكانت على اتصال بالأردن أم لا», وفي رأي موريس دولوري كبير مُحرري الشؤون الدبلوماسية الدولية في صحيفة لوموند أن الأوروبيين قرروا مواصلة جهودهم و اتصالاتهم بسبب أن الأوضاع الدولية الراهنة قد برهنت على خطر توقف التحركات الأوروبية في الشرط الأوسط، خاصةً وأن الولايات المتحدة تعيش مرحلة الحكم من رئيس إلى رئيس جديد.
سياسة عربية تقليدية
ولا أحد يعرف ماذا سيحدث في الولايات المتحدة بعد وصول ريغان إلى البيت الأبيض... ويتابع دلوري في ندوة الحوادث قائلًا «وأنا لا أتوقع لهذه المهمة جولة وزير خارجية هولندا في الشرق الأوسط، أية نتائج مَلموسة حتى رئاسة الدورة القادمة في شهر تموز القادم، حيث ستترأس المجلس الأوروبي آنذاك بريطانيا. ولدى بريطانيا اليوم حكومة من المحافظين، والمحافظون هم أناس يعرفون جيدًا العالَم العربي, ووزارة الخارجية وحزب المحافظين كان لهم ما ندعوه «سياسة عربية تقليدية» وأعتقد أن وزير خارجية بريطانيا الحالي اللورد كارينغتون يَطمح بأن يُقْرَن اسمه بإمكانية إيجاد حل لقضية الشرق الأوسط، وهو يفهم جيدا تطلعات وهموم العالَم العربي.. ويستطرد دلوري «ستكون هناك - بعد تموز - مساع أميركية أوروبية مُشتركة في المنطقة، وهذا ما سيعمل اللورد كارينغتون من أجله».
فالتحرك الأوروبي وإن بدا مُخْتَلِفًا عن الدور الأميركي إلا أنه يلتقي معه ويُكَمِّلَهُ ولا يعني هذا أبدًا أن التباين في وجهات النظر الإنجليزية والأميركية يصل إلى مرتبة الصراع في الشرق الأوسط كما فَهم ذلك خطأ بعض المراقبين المسلمين، وكما عَدّته الدعاية بعد تلك انتصارًا للطرح الأوروبي من بقايا عملاء الإنجليز الذين أخذوا يتنفسون الصعداء ويعزفون على الموجة العالية مع قُرب ظهور الإنجليز على خشبة المسرح.
دور بريطاني خبيث
وإضافة إلى مسوغات «معرفة المنطقة» من قِبل الإنجليز خصوصًا والأوربيين عمومًا التي أقنعت أميركا بأهمية الدبلوماسية الأوروبية، فإن ثَمَّة أمر ينطوي على هذه الحقيقة، ولكن أحدًا من الغربيين لا يذكره، وهو أن أميركا فضلًا عن عجزها السياسي في الدفع بعجلة كامب ديفيد وأنها أصبحت مكروهة عند الشعوب الإسلامية بسبب ذلك، فهي قد عجزت منذ أوائل السبعينات في مواجهة ظاهرة الانبعاث الإسلامي وتصاعُد حركة المطالبة بتديين السياسة في العالَم الإسلامي.
لقد ظهر بجلاء أن سياسة القمع والعنف مع الحركات الإسلامية لم تجد نفعًا بل كانت على العكس سببًا في نماء الشعور الديني وتَعَاطُف الجماهير مع الحركة الإسلامية، لقد صارح زعماء أوروبا الرئيس كارتر بذلك في مؤتمر غواد يلوب عام ۱۹۷۸ وقالوا له: نحن نعرف الشعوب الإسلامية والعربية حق المعرفة، ونحن أدرى منكم بسُبُل معالجة مشاكل العالَم الإسلامي فاتركوا الأمر لنا. وبعد ذلك بعام واحد قامت الملكة إليزابيث بجولة خليجية ثم تتابعت الزيارات الرسمية الأوروبية على مستوى الرؤساء و الوزراء لمختلف دِوَل الشرق الأوسط وخاصةً دول الخليج.
إن الإنجليز بخبثهم وبرودة أعصابهم جاءوا باليهود إلى فلسطين وأقاموا لهم دولة إسرائيل، وهم الذين قضوا على الخلافة الإسلامية ومَزَّقُوا العالَم الإسلامي إلى أشلاء وفِرَق، وعندما اضطرت بريطانيا للرحيل تركت في كل مكان عِلَّة وجرحًا لا يتدمل، فضلًا عن امتصاص خيرات المسلمين وثرواتهم، وعلى دول الخليج بالذات أن تُدرك أنه لولا بريطانيا لما كانت دولهم الهزيلة هذه ولما كان بينهم مشكلة حكم أو حدود في الوقت الذي تعود فيه بريطانيا من جديد بحجة الحفاظ على الأمن وحماية الأنظمة الحاكمة من خطر التدخل الأجنبي.
على أن أشد ما عند الإنجليز من خُبث هو في التعامل مع الدين والتدين لقد كانت بريطانيا وراء ما يُسَمَّى «بالإسلام الرسمي» أي تَبَنِّي النظام الحاكم في بعض الدول العربية والإسلامية لبعض القوانين والأنظمة الإسلامية وتطبيقها في سبيل إضفاء صفة الشرعية على ذلك النظام وتحريم الحركة الإسلامية إذا هي حاولت أن تنتقد النظام لكونه لا يُطَبِّق الأحكام الشرعية.
لقد اعترف تقرير المعهد المَلَكِي البريطاني للشئون الدولية الذي أشرنا إليه أنفًا أن بعض دول الخليج قد تَلَقَّت نصائح غربية بضرورة إعطاء بعض الحريات الدينية و العامة و بتطبيق بعض أشكال الديمقراطية!
الانعكاس على المستوى العربي
والآن ماهي انعكاسات الدور الإنجليزي على المستوى العربي؟ بعد زيارة كارينغتون الأخيرة لمصر أعلنت الأخيرة أنها تؤيد المبادرة الأوربية!
والدول العربية الأخرى بما في ذلك مُنظمة التحرير قد وافقت على المبادرة ومضمونها من أن عصام الصرطاوي دعا بحماس للمبادرة الأوروبية باعتبار أنها مُناقضة للكامب ديفيد وباعتبار أن السياسة الأوروبية مُسْتَقِلَّة وإيجابية قد تصل إلى مرحلة الصراع مع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، لقد قال بالنص أن القول بأن السياسية الأوربية تابعة للسياسة الأميركية «خطأ وخطيئة» مع العِلم أن التنسيق بينهما واضح سياسيًّا و أوضح منه عسكريا في الخليج والمحيط الهندي!
وما يَظْهَر على السطح العربي من خلافات و محاولات لتوحيد الآراء و رص الصفوف يبدو أن ذلك انعكاس للدور الأوروبي بعامة والإنجليزي بخاصة.
فلقد أفهم المسؤولون الأوروبين أصدقاءهم العرب أن الحل الأوروبي تواجهه عقبات كثيرة، وأولَى وأهم هذه العقبات هو تشتت العرب وتَفَرُّق كلمتهم، فإذا أرادوا دَفع أوروبا لاتخاذ مبادرة بشأن الشرق الأوسط والخليج فما عليهم إلا أن يَسُدُّوا الفجوة و ينقوا الأجواء العربية، وبناءً على ذلك كانت القمم العربية والإسلامية ولجان المساعي الحميدة والأخوية وما إلى ذلك من جولات ودعوات للتضامن العربي والإسلامي.
والخلاصة التي يصل إليها المراقب المسلم أن الدور الإنجليزي المُرتقب مُكمل للدور الأميركي ومُمَهِّد له، كما أنه لا يقل خُبثا ودهاء عن الدور الإنجليزي القديم إبان عهد الاستعمار، وإذا كانت بعض الأنظمة العربية ترى أن توحيد الصفوف تلبية للدعوة الإنجليزية والأوروبية تستحق كل التضحيات، فلماذا تَعْرِض عن دعوة الله لها بالحكم بما أنزل أولًا وبإقامة الخلافة الإسلامية التي تُوَحِّد المسلمين ثانيًا مما تجعلهم أعزة في الدنيا و مُنَعَّمِين في الآخرة؟
هذا سؤال يطرح نفسه والجماهير تنتظر الإجابة، خاصةً وإن الجماهير الإسلامية باتت تُدرك أن الحل الإنجليزي أو المبادرة الأوروبية ما هي إلا حلقة في سلسلة الحلول والتسويات السياسية الدولية القائمة على الظلم والباطل، والتي تأتي مُحصلتها دائمًا في صالح ألد أعداء الأمة الإسلامية ودولتهم إسرائيل، وما قيل عن ضباب سنة حسم السادات أو عن عَقَبَات اتفاق كامب ديفيد فسيُقال غدًا عن المبادرة الأوروبية.. ستتأخر بسبب الانتخابات الأوروبية وستتعثر بسبب انتخابات الكنيست... وهكذا تظل في دَوَّامَة تؤدي إلى مزيد من التنازلات إلى أن يتم تكريس وجود إسرائيل في قلب العالَم الإسلامي مُعَزَّزَة مُكَرَّمَة ورائدة للحضارة والزراعة والاستثمار، فهل يرضى بذلك مسلم يؤمن بالقرآن وسنته؟!