العنوان نظرات في وصية الحسن البصري إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز (2-3)- الإمام العادل .. مهام ومسؤوليات
الكاتب شعبان رمضان مقلد
تاريخ النشر الجمعة 10-فبراير-2012
مشاهدات 94
نشر في العدد 1988
نشر في الصفحة 56
الجمعة 10-فبراير-2012
* إلى كل من يرشح نفسه لمنصب: هل تكون كالأم فتحسن وتشفق وتتحمل المشقات وتكابد الليل والنهار في سبيل إسعاد من وثقوا بك؟
* هل تستطيع أن تسهر بسهرهم ولا تسكن إلا إذا سكنوا وتفرح بعافية
المعافين وتغتم بشكاية الشاكين؟
* ليعلم كل من ولي ولاية صغرت أم كبرت أن الله سائله عنها.
ذكرنا في العدد الماضي أن الحسن البصري بين ما يمثله الإمام العادل
بالنسبة لغيره من الناس فهو السبيل الوحيد لوصول الحق إلى أهله، وبه يصلح حال
الإنسان المائل والمنحرف والفاسد، وهو الذي يحمي الضعيف وينصر المظلوم.
وننتقل معه إلى الحديث عما يتصف به هذا الإمام من شفقة، وحرصه على كل
فرد من أفراد رعيته، وتفقده لأحوالهم، وجلب النفع لهم ودفع الضر عنهم جملة وتفصيلا
فيقول: والإمام العادل يا أمير المؤمنين من كالراعي الشفيق على إبله الرفيق بها،
الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنها
من أذى والحر والقر.
انظر أخي القارئ الكريم إلى التشبيه الذي يشبه الإمام به كالراعي
الشفيق والراعي لا يخفى بأنه من يرعى الإبل و أو الماشية واختياره لهذا التشبيه
بعينه يذكرنا بمقولة أن الراعي يكتسب من الصبر الكثير، والعطف على الغير، ألا تراه
و يعطف على الحيوان الذي لا يشكو جوعًا ولا عطشًا فكيف بالإنسان الذي تظهر عليه
أثر حاجته؟ وهو يذكر بكثير من الأحاديث النبوية التي تحث على رعاية الحيوان، خذ مثلا
حديث الرجل الذي نزل البئر وسقى الكلب بخفه وفيه فشكر الله له فغفر له قالوا: «يا رسول الله، إن
لنا في البهائم أجراً، فقال: «في كل كبد رطبة أجر» (متفق عليه).
ولنتأمل معاً بيانه لواجبات الراعي نحو إبله وهي: أن يكون شفيقًا
عليها، رفيقًا بها، يختار لها أطيب المراعي يمنعها عن الأماكن المهلكة والمراعي
الضارة، ويحميها من السباع، ويسترها عن الحر الشديد والبرد الشديد.
هكذا يكون الإمام العادل مع رعيته شفيقًا رفيقًا يختار لهم ما يصلحهم ويبتعد
بهم عما يضرهم ثم ينتقل إلى تشبيه أعمق في العطف والرحمة فيشبه الإمام العادل
بالأب العطوف على أولاده، وما يجب أن يقوم به هذا الأب تجاه أولاده بفطرة فطر
عليها أو بتكليف كلف به، فيقول: كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغارا، ويعلمهم
كبارا: يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته.
وتأمل معي تفصيله في هذا التشبيه، فهو في بدايته يعبر بتعبير يوحي
بقوة العلاقة والترابط بين الطرفين - كالأب الحاني وكذلك الإمام العادل يجب أن
تكون بينه وبين رعيته علاقة قوية وترابط متين هذه العلاقة وذاك الترابط يدفعانه
لأن يعمل ويتعب من أجلهم لينفق عليهم في الصغر ويظل مشغوًلا بهم في الكبر، فيوجههم
نحو الصواب، وسابقا ذكر بأنه يقوم المائل منهم ويقصد المنحرف، ويصلح الفاسد، إذن
فهم يلجؤون إليه في الشدة، وهو يتفقد أحوالهم في حضورهم وغيابهم.
وكما أن الأب يكتسب لأولاده في حياته ليدخر لهم ما ينفعهم بعد مماته،
كذلك أيضا الإمام العادل يكتسب لرعيته ما يفيدهم ويرتقي بهم في حال إقامته، فهو
يكتسب لهم قوتا ومالا، وهو يكتسب لهم صناعة وتقدما بين الأمم، وهو يكتسب لهم مكانة
ورقياً... إلخ.
إذا كانت المهام التي ذكرها هي مهام الأب، فهي نفسها مطلوبة من الإمام
تجاه الرعية، فالإمام العادل عطوف غير قاس، يعس في المدن والقرى ليلا - بنفسه أو
بنوابه المخلصين - يتفقد أحوال أهلها، يقضي حاجات العجائز والمحتاجين، وله في
إماميه أبي بكر وعمر القدوة الصالحة.
عطوف غير قاس لا يهابه أحد حتى ولو كانوا صبية، فهذا صبي في عهد
الخليفة عمر ابن الخطاب لم يهب موكب الخليفة حينما مر كما ها به بعض الصبية، ولما
سئل عن سر ذلك أجاب إجابة تجسد فيها فهمه لعدل عمر آنذاك فقال: لست جانيا حتى أخاف
وليست الطريق ضيقة فأوسعها عطوف غير قاس، فلا يعذب ولا يضطهد من ينطق باسمه على
لسانه عطوف غير قاس، فلا يخسف ولا ينكل بكل من يفكر في النبوغ، أو يرفع شأن بلده
أو يقول الحقيقة... إلخ.
يسعى لهم صغارًا هكذا الذي يريد أن يعدل !! يسعى لرعيته حتى ولو كانوا
قلة أو أقزاماً وسط الأمم، فيسعيه هو يرفع شأنهم ويعلي مكانتهم يجلب لهم كل ما
يفيدهم في صحتهم، وفي زراعتهم، وفي صناعتهم يعقد لهم كل صفقة رابحة، لا يبيعهم
لغيرهم ولا يكون سمسارًا ليقدم أقواتهم وأملاكهم رخيصة لعدوهم، ويقبض هو الثمن أو
جزءًا منه، ويعلمهم كبارا فيسعى لتعليمهم ونبوغهم ولا ينكل بكل من ينبع منهم، يزرع
فيهم النبوغ في كل المجالات، فيشجع كل فكرة خلاقة، وكل موهبة وكل اختراع، ولا يقصي
كل مفكر أو موهوب، ولا يثبط همة كل مخترع يكتسب لهم في حياته الصفقات الرابحة
والمعاهدات النافعة المفيدة، التي تحفظ لهم كرامتهم وتعلي مكانتهم، وتحفظ لهم
أرضهم وحقوقهم، هذه الأمور كلها يكون أثرها مدخرًا لهم بعد مماته، أو تركه لهذه
الأمانة، فلا يتركهم فقراء تفشت فيهم الحاجة وانتشرت البطالة، لا يتركهم عالة على
غيرهم، ولا ضعفاء أذلاء.
وليعلم كل من ولي ولاية أو استرعى رعية صغرت أم كبرت قلت أم كثرت - أن
الله سائله عنها، يقول حبيبنا الصادق المصدوق عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رسول الله، قال: «ألا كلكم راع وكلكم مَسْئُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ راعٍ، وَهُوَ مَسؤول عَنْ
رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى أهْل بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ
رَعِيَّته (٢).
ويرتقي الحسن البصري مع الخليفة عمر ابن عبد العزيز في أوصاف الإمام
العادل فبعد أن يشبهه بالأب في حنوه على أولاده وما يتطلبه هذا الحنو - مما قد
فصلناه سابقاً - يشبهه بالأم التي هي أشد حرصًا على أولادها، فيقول: والإمام العدل
يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها حملته كرها، ووضعته كرها،
وربته طفلا تسهر بسهره وتسكن بسكونه ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم
بشكايته والبصري هنا يزيد الراعي إلصاقًا بالرعية، ويزيده شفقة عليهم وبرًا بهم وعطفًا
وحنانًا عليهم، فإذا كان الأب يتعامل مع أبنائه بمنطق العقل فيحنو أحيانا، ويقسو
أخرى ليصيرهم رجالا يواجهون الشدائد والصعاب.
إلى كل من يرشح نفسه المنصب: هل تكون
كالأم فتحسن وتشفق وتتحمل المشقات وتكابد الليل والنهار في سبيل إسعاد من وثقوا
بك؟ وقسا ليزدجروا ومن يك راحماً فليقس أحياناً علي من يرحم إذا كان الأب كذلك،
فإن الأم كثيرًا ما تتعامل بمنطق القلب والعطف، وهذا من أسرار جعل التربية للأم،
فلم يكتف الحسن في تشبيه الإمام العادل بالأب، إنما شبهه أيضا بالأم ليؤكد أن
الإمام له دور الأب في حنوه وسعيه وادخاره لأبنائه، وله كذلك دور الأم في شفقتها
وبرها بولدها، وتحملها الصعاب والمشقات ومكابدتها ليلًا ونهارًا في فرحها وفي
ترحها في رضاها وغضبها تتخلى عما تعود عليه مزاجها، وتأطر مزاجها على مزاج ولدها
بما ينفعه، فلا تهنا براحة إلا إذا أراحته، ولا تهنأ بسكون إلا إذا سكن ترضعه
وقتما تفيده الرضاعة، وتفطمه حالما تطلب بنيته الفطام، تفرح حينما تجده معافى لاهيا
حولها، وتغتم حالما يشتكي ألمًا وهذا كله دليل على أن الإمام العادل يكون لديه
منتهى العطف والحنان على رعيته.
فيا من تسعى ليلا ونهاراً في كسب ثقة الناس حتى يقلدوك منصبا، أو
يولوك ولاية سائل نفسك مرارا: هل في مقدورك أن تكون ابا جانيا لكل فرد من أفراد
رعيتك، محققا كل المواصفات التي استوضحناها من وصية الحسن البصري أنفا؟ وهل في
مقدورك أن تكون كالأم فتحسن وتشفق وتتحمل المشقات، وتكابد الليل والنهار في سبيل
إسعاد من وثقوا فيك ونصبوك؟ هل تستطيع أن تسهر بسهرهم ولا تسكن إلا إذا سكنوا ؟ هل
ستفرح بعافية المعافين وتغتم بشكاية الشاكين أم أنك ستكدر على المعافين عافيتهم،
وتكمم أفواه الشاكين، وتحرم عليهم شكواهم؟
الهامشان
1.
صحيح البخاري ك: المساقاة برقم (٢٣٦٣) ومسلم، ك: الحيوان، برقم (٢٢٤٤).
2.
صحيح البخاري، ك تفسير القرآن، سورة الفلق، برقم (٦٦٣٤)
(*) أستاذ التفسير وعلوم القرآن- جامعة الجوف- السعودية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل