; الإمام الشافعي في ميدان شعر الحكمة | مجلة المجتمع

العنوان الإمام الشافعي في ميدان شعر الحكمة

الكاتب أحمد عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أغسطس-1973

مشاهدات 20

نشر في العدد 163

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 14-أغسطس-1973

الأدب

الإمام الشافعي يدخل صفحتنا هذا الأسبوع ـ صفحة الأدب ـ كشاعر له مكانته على الرغم من قلة شعره وعدم معرفة الكثيرين لوجود مثل هذه الناحية عنده.

ولكن هل يحتاج الإمام الشافعي إلى تعريف؟!

قد يكون البعض عرفه فقيهاً مشهوراً وصاحب مذهب معروف، لكن ليس الكل قد عرف عنه شاعريته، أنه شاعر يرتقي بشعره إلى آفاق سامية لا يدانيه فيها أحد إلا ما ندر من الشعراء.

سيرته:

هو الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، ينتهي نسبه إلى الفخرين كنانة، فهو قرشي من ناحية الأب وأمه أزدية. ولد بالتحقيق بغزة سنة 150هـ. والشافعي وإن كان قد ولد من نسب شريف، ولكنه عاش يتيماً عيشة الفقراء حتى قوى عوده. حرصت والدته على تثقيفه فحفظ القرآن الكريم بسهولة نادرة، ثم اتجه إلى حفظ الأحاديث، وكان مع حفظه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يميل إلى نظم الفصحى، فخرج إلى البادية ولزم هذيلا حتى حفظ كل أشعارهم، وكانت في لسان هذيل لكنة، لكنه كان يحفظ الأشعار بصفاء على اللسان الفصيح.. يقول الأصمعي: "صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس".

أما العلم فقد طلبه الشافعي بمكة فتفقه وبلغ شأناً عظيماً في الفقه، ومن ثم رحل إلى المدينة ليلازم الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، فروى عنه الموطأ ودارسه في المسائل التي كان يفتي فيها مالك.. وارتحل إلى نجران ثم عاد إلى بغداد سنة 184هـ وكان في الرابعة والثلاثين من عمره، فأقام فيها سنتين أخذ يدرس فقه العراقيين فقرأ كتب الإمام محمد بن الحسن وتلقاها عليه، وبذلك اجتمع له فقه الحجاز وفقه العراق.. ثم عاد إلى مكة ليلقي دروسه في الحرم المكي.. وأخذ عنه كبار العلماء، كما التقى به الإمام أحمد بن حنبل وأعجب به وبذكائه وبقدرته.

ألف الشافعي كتابه "الرسالة" في بغداد واضعاً بذلك الأساس لعلم أصول الفقه، وشرائط الاستدلال بالقرآن والسنة والإجماع والقياس، وبيان الناسخ والمنسوخ، ومراتب العموم والخصوص، ثم ارتحل إلى مصر ليقيم بها فترة تنتهي بعدها حياته بعد أن أدى لهذه الأمة ما استطاع وخدم دين الله أيما خدمة بهذا التراث الذي لا زلنا نذكره بمتعجب من ذهنه الوقاد وقدرته على الاستنباط والتحليل.. رحم الله الإمام الشافعي رحمة واسعة.

وبعد.. فهل لنا أن نقف على عبارات قالها في حقه بعض العلماء..

قال عنه أحمد بن حنبل: "الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه."

قال الربيع بن سليمان: كان الشافعي رحمه الله يجلس في حلقته إذا صلى الصبح فيجيئه أهل القرآن، فإذا طلعت الشمس قاموا، وجاء أهل الحديث، فيسألونه تفسيره ومعانيه، فإذا ارتفعت الشمس قاموا، فاستوت الحلقة للمذاكرة والنظر، فإذا ارتفع الضحى تفرقوا، وجاء أهل العربية والعروض والنحو والشعر فلا يزالون إلى قرب انتصاف النهار!!

ومن باهر أخلاقه قوله: "ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، وما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويعان".

قال أحمد بن حنبل لابنه: يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس.

شعره:

ليس للشافعي ديوان شعر معلوم، لكن قام نفر من المعاصرين بجمع الأشعار الواردة في ثنايا الكتب القديمة واستطاعوا أن يلموا شملها ثم طبع في كتاب يحمل اسم "ديوان الشافعي"؛ فقد قام بجمعه زهدي يكن ببيروت وطبع في سلسلة المخطوطات العربية رقم (9) في عام 1962م. كما جمعه عبد العزيز سيد الأهل في مصر طبعة أقل من طبعة زهدي يكن، وآخر ما رأيناه وهو الجمع الثالث طبعة صدرت من مكتبة دار النور في بيروت، إلا أنها ليست بمستوى طبعة بيروت الأولى أو طبعة مصر.. وعلى كل فحتى هذا الجمع والتشتت لا يمكن أن تحوي كل ما قيل للشافعي، إذ إن كثيراً من شعر الحكمة كان ينسب للشافعي حتى يكتسب قائله شيوع الأثر بين أوساطه التي يعيشها وإن كان الاسم للشافعي.

أما شعره وهذا ما حدا بنا إلى استضافته.. فهو بلا شك إمام في البيان، عملاق في الفصاحة.. أوليس قد دخل حياة البادية لمدة تقارب عشر سنين أو تزيد، فأدرك عاداتهم وعرف فصيح لغتهم.. لذلك لا يبعد عنا إذا وجدنا أن شعره ينابيع حكمة، تتفجر منها لآلئ البيان وتزين ألفاظه زينة الجواهر تضاف إلى الحلى.. فما تقرأ له من بيت إلا تكون الحكمة ضالتك.. حتى إن الكثير ممن قرأوا شعره، إذا أدركتهم قصيدة قد نسجت على هذا المنوال، خطر ببالهم شعر الشافعي، فيرون أن نسبة هذا الشعر إليه صراح الصواب وعين الحقيقة.

وشعره هذا الذي نقرؤه الآن، ونحس بلاغته في عباراته الموجزة، وكبر قيمة ما تحمله من معان جليلة.. كل ذلك مؤداه إلى تلك البراعة التي امتاز الشافعي بها في تأدية ما يريد من غرض عن طريق الشعر، فيأتي بيانه سلسلاً ينساح على أرض القريض.

تأمل معي هذه اللفتات البسيطة والتي استطاع أن يجعل منها حكماً تروى، وأمثالاً يسير بذكرها الركبان، فها هو يحدثنا عن فوائد السفر يقول:

سافر تجد عوضاً عمن تفارقه * وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

إني رأيت وقوف الماء يفسده * إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب

الأسد لولا فراق الغاب ما افترست * والسهم لولا فراق القوس لم تصب

التبر كالترب ملقى في أماكنه * والعود في أرضه نوع من الحطب

كما تجد له من النقد اللاذع في ذم البدع ذلك الشعر الجزل العبارة والألفاظ المنتقاة يقول:

قد عوج الناس حتى أحدثوا بدعاً * في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل

حتى استخف بحق الله أكثرهم * وفي الذي حملوا من حقه شغل

وفي آداب السلوك تتجلى روعة منظوماته، فهو يستنتج لك خلاصة ما تحويه الطبيعة البشرية، فهذا رجل شريف يعتز بكرامته، ذاك نذل وقح.. لسانه هادر لأعراض الناس، لا يرعى لأحد إلا ولا ذمة.. والناس يتفاوتون حتى في أخلاقهم..

ويعطي المسلم هنا صورة يجب أن يتخلق بها.. ويعلمه نوعاً من معاملة أمثال هؤلاء الناس:

إذا سبني نذل تزايدت رفعة * وما العيب إلا أن أكون مساببه

ولو لم تكن نفسي علي عزيزة * لمكنتها من كل نذل تحاربه

ولو أنني أسعى لنفعي وجدتني * كثير التواني للذي أنا طالبه

ولكنني أسعى لأنفع صاحبي وعار على الشبعان إن جاع صاحبه

ولو ترويت معي قليلاً وأنت تقرأ هذه الأبيات، لوجدت أن أموراً كثيرة تدخل في نطاقها، وقد كان بودي لو أعمل على تبسيطها وشرحها لولا ضيق المكان، وما أكثر ما يؤخذ من هذه الأبيات وما يرجع إليها.. فمن الإغضاء عن النذل المسابب إلى اعتبار الرد عيباً، ثم تمسك المسلم بالصبر، وأخذه بحديث المصطفى "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، إلى ذلك الذي لا يجد لنفسه الثورة؛ لأنه عمل شخصي، والمسلم لا يثأر إلا إذا انتهكت محارم الله، أو كان ما يتوجب عنه الدفاع ويستلزمه.. إلى ضرب الحكمة في خلاصة البيت الرابع: "فعار على الشبعان إن جاع صاحبه"، وهذا نص على ذاك الأناني الذي يرى أنه أولى ممن يتلوى، يكاد الجوع يؤدي به الدنيا والآخرة!!

كما تلاحظ وجه الحكمة أيضاً بطل من أبياته التالية وهو يصور السفيه ومخاطبته:

يخاطبني السفيه بكل قبح * فأكره أن أكون له مجيبا

يزيد سفاهة فأزيد حلماً * كعود زاده الإحراق طيبا

وتتجلى في شعر الشافعي تلك الروح المسلمة الصادقة التي لا تجزع عند نزول خطب، أو تثور إن لم يكتب لها حسن في يوم من الأيام، وكدر الأيام للإنسان قضاء مكتوب كما أن المسرات دول.. وهذا ما يجعلنا نعترف بمكانة الشعر إذا كان يخدم هدفاً صحيحاً.. ولا يبتغي النزول عند أوامر الملوك.. فيكلف نفسه ما لا يطيق ويخرج عن مفهومه كإحساس وشعور.. إلى نفاق وتظاهر وتفاخر.. وكثير من الناس يضيق في أوقات الشدة، وينسى أنه مسلم لا يتجه لغير ربه يستمد منه العون ويسأله تفريج الكرب.. ولكن الشافعي يدلك على ذلك يقول:

ولرب نازلة يضيق لها الفتى * ذرعاً وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها * فرجت وكنت أظنها لا تفرج

وأعود مرة أخرى فأقول: إن هذا الكلام بكل ما يحويه من جميل العبارة، وحسن التنسيق واختيار الألفاظ، ومدى دلالتها على المعاني، إلا أنها تستمد أصولها وجذورها من معين الإسلام النقي.. ويردك إلى الإيمان بالقضاء والقدر، ويجعلك متمسكاً إن كنت مسلماً حقاً بما تعتقد وتقر لله به..

وحبه للعلم معروف ومشهور، فحياته نفسها ترجمان لقوله.. إذ إنه يقول ويفعل أو إنه يفعل ثم يقول حتى يكون صادقاً في قوله وفعله.. وعندما تتلفت إلى شعره تجد أن همه في طلب العلم هم عظيم.. واهتمام كبير، فهو الذي يقول:

تعلم فليس المرء يولد عالماً * وليس أخو علم كمن هو جاهل

وإن كبير القوم لا علم عنده * صغير إذا التفت عليه المحافل

وإن صغير القوم إن كان عالماً * كبير إذا ردت إليه المحافل

وسخاء الشافعي مذكور عند العلماء، ما إن توافيه مكافأة من عظيم، أو يملك الدرهم حتى يجد طريقه لتفريح قلب بائس، وتفريج هم محتاج:

أجود بموجود ولو بت طاوياً * على الجوع كشحاً والحشا يتألم

وأظهر أسباب الغنى بين رفقتي * ليخفى حالي وإني لمعدم

وبيني وبين الله أشكو فاقتي * حقيقاً فإن الله بالحال أعلم

وهو ينظر بثاقب البصر وطول التجربة، نظرة عميقة إلى الدنيا، يتعرفها ويحاول أن يدرك منغصاتها حتى يتجنبها، ويرشد المسلم إلى طريق سوي حتى يأمن عواقب الشرور، فتصلح له دنياه وتصبح طريقاً إلى إصلاح أخراه:

إن لله عباداً فطنا * تركوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا * أنها ليست لحي وطنا

جعلوها لجة واتخذوا * صالح الأعمال فيها سفنا

ومن شعره أيضاً:

إذا رمت أن تحيا سليماً من الردى * ودينك موفور وعرضك صين

فلا ينطقن منك اللسان بسوأة * فكلك سوءات وللناس ألسن

وعيناك إن أبدت إليك معايباً * فدعها وقل يا عين للناس أعين

وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى * ودافع ولكن بالتي هي أحسن

من هذه الأمثلة القليلة التي سقناها للاطلاع على شعر الشافعي، ووجوه ما فيه من حكمة، يتبين لنا أنه مستمد من روح الإسلام، ثم إنك تلمس هذه اللفحات القرآنية، ومعاني الحديث النبوي الشريف، متمثلة مجسدة لك في صورة شعرية.. ثم هذه الأخلاق الإسلامية السامية، ومعرفة آداب السلوك، والحث على طلب العلم.. إن التماس ذلك كله في شعر الشافعي يرجع إلى القرآن الكريم وتربيته للمؤمنين، ومن ثم الحديث النبوي.. وسيرة المصطفى عليه السلام، وكل ما يؤدي إلى طريق الخير والإيمان.

رحم الله الإمام الشافعي رحمة واسعة، ورضي عنه وغفر له.

أحمد محمد عبد الله

 

الرابط المختصر :