العنوان الإعلام يلحق بركب التنجيم والأرصاد الجوية
الكاتب ظفر الاسلام خان
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999
مشاهدات 143
نشر في العدد 1341
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 09-مارس-1999
كان الإعلام المطبوع - أي الجرائد اليومية - يركز منذ ظهوره على إخبارنا عن أحداث الماضي، أي عما قد حدث بالفعل بغض النظر عن التلوين والتهويل والتحوير والمبالغة في تصوير ذلك الذي حدث.
والآن - مع تنوع وسائل الإعلام من إذاعة وتلفاز مذاع وتلفاز أقمار صناعية وتلفاز الكابل، وظهور قنوات الأخبار على الإنترنت - هناك تحول نوعي واضح وملحوظ في اهتمامات أجهزة الإعلام.. فهي وبصورة مطردة أصبحت تخبرنا عما سيحدث غدًا وبعد غد، وكيف سيكون حال الشيء الفلاني في المستقبل بعد سنة أو بعد قرن من الزمن.. فهي تقول لنا مسبقًا ماذا سيقوم به المسؤول الفلاني؟ وماذا ستكون عليه حالة البورصة غدًا؟ وماذا ستعمل الشخصية الفلانية غدًا.. وهكذا يتحول ناقلو الأخبار إلى متنبئين.. وحالهم في ذلك كحال أصحابهم في الأرصاد الجوية الذين يتنبأون بالموسم، وكثيرًا ما يخطئون برغم أن التنبؤ بالأرصاد الجوية أصبح أكثر دقة نتيجة استخدام الأقمار الصناعية والتقنيات المتقدمة التي لا تتاح لمراسلي الأخبار.
وتنبؤ المراسلين والمخبرين الصحفيين ليس بظاهرة جديدة تمامًا، فقد بدأت هذه البدعة بالتنبؤ بنتائج الانتخابات النيابية والرئاسية وفي الولايات المتحدة بصورة خاصة، ومن أشهر وقائعها تنبؤ إحدى الصحف الأمريكية بفوز ديوي على منافسه ترومان في انتخابات رئاسة الجمهورية سنة 1944م، ذلك التنبؤ الفاشل الذي أصبح يدرس كمثال في مناهج الصحافة.
إلا أن الصحفيين لم يتعلموا من أخطاء التنبؤ بنتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بل استمروا على النهج نفسه وأخذوا يتنبؤون بأشياء جديدة وبنفس النتيجة.. ومجالهم لا يغطي السياسة فقط الآن بل قد شمل الرياضة والترفيه والاقتصاد.. ولذلك نجد أخبارًا عن الأسهم والشركات التي يقال لنا إنها لم تسجل الارتفاع المتوقع أو أنها فاقت التوقعات.. ولا نعرف ما أساس ذلك التوقع.. وتتحدث الأخبار مسبقًا عن مصير الأفلام والمسلسلات الإذاعية والمسرحيات الجديدة، بل وحتى عن كتب طبعت لتوها، وقد تنبأ بعض الصحفيين قبل ثلاثة أشهر أن الرئيس كلينتون سيظهر غاضبًا في شهادته المسجلة حول فضيحته الأخلاقية، إلا أنه ظهر فيها هادئًا متماسكًا.
وأتذكر أنني حين كنت أكتب لإحدى الجرائد، وأنا بلندن في أوائل الثمانينيات، فوجئت ذات مرة بمدير الدار الناشرة يتباهى في إحدى الاجتماعات بقوله: إننا لا نغطي الأحداث فقط بل نحن نتنبأ بها أيضًا، وكان يدلل بذلك على قدرة المحررين الفائقة على استباق الأحداث، ولكن يمكنني القول الآن وبعد سنوات طويلة إن كثيرًا من تلك التنبؤات لم تتحقق نظرًا لأنها كانت نابعة من الموقف السياسي للدار الناشرة لا من قدرة محرريها الفائقة على الاستشفاف والاستشعار المسبق.
والأخبار التي تتنبأ بمصير الأسهم والشركات يكون لها أثر على الشركات، فلو كان الخبر المتوقع سيئًا سارع المساهمون إلى بيع أسهم الشركة المعينة فتهبط أسعارها، ولو كان التنبؤ جيدًا سارع الناس إلى شراء تلك الأسهم وبالتالي ارتفعت أسعارها بصورة مصطنعة، ولم يعد غريبًا أن تبدأ الأخبار بالكلمة التالية: كما كان متوقعًا، حدث كذا، في خطوة مفاجئة أعلن من أين التوقع؟ وما سبب المفاجأة؟! إنها ليست إلا وسيلة من الصحفي الذي يستخدم عبارات كهذه ليظهر تفوقه على الآخرين من زملائه في المهنة، وليقول إنه على علم بكل شيء، وحتى بالمستقبل!
وهكذا قد ابتعد الصحفي الحديث كثيرًا عن أساسيات مهنته التي تقول له إن مادة الخبر تتكون من أربع عناصر هي: من - ماذا - متى . أين.. والصحفي حين يأخذ بالتنبؤ فهو يبحث عن وسيلة سهلة للمراوغة عن المرحلة التالية من عمله الصحفي والتي تتلخص في التنقيب عن لماذا وكيف، أي عن خلفية الأحداث التي يغطيها، فلنكن حذرين من هذا الصحفي الذي يعرف كل شيء.