العنوان الإعلام الإسلامي ومواجهة الآخر
الكاتب محمود الكسواني
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1998
مشاهدات 76
نشر في العدد 1310
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 28-يوليو-1998
غاية الإعلام إقناع الجمهور، إلا أن الإعلام الإسلامي يتميز عن غيره ويفترق بصفته إعلامًا دعويًّا يهدف لهدف أسمى لا يقل أهمية عن الإقناع مع أنه ينبثق عنه بصورة جلية، فهو يطرح إشكالية الغاية من إقناع الجمهور، أو ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح «الما بعدية»، بحيث يغدو الإقناع وسيلة لهدف آخر لا يقل عنه أهمية، فيطرح إشكالية «ما بعد الإقناع»، وماذا نهدف من ورائه؟
الإعلام الإسلامي، إعلام تحليلي لا ينشر الخبر لمجرد النشر، الهدف النهائي للإعلام الإسلامي تفعيل الجمهور مع الحدث، تفعيلاً عقليًّا يؤدي إلى تصحيح التصورات أو تبديل الأفكار، ولا يتم ذلك إلا بدراسة الخبر وبحثه وتحليله، وتبرز أهمية هذه الغاية عندما تنجح المجلة الإسلامية في تكوين رأي عند القارئ حول إشكالية ما، ولا يتكون ذلك الرأي إلا عندما يعبر الجمهور عن اقتناعه بصحة الخبر فيتفاعل معه ومع تحليله، هذا الرأي الذي يودعه الكاتب المسلم في ذهن القارئ هو مقصود ما بعد الإقناع.
يبرز الإعلام الإسلامي ويفترق عن غيره بثلاث مفارقات ذلك أنه إعلام مستقل ملتزم - صادق مختار - تحليلي مواجه
وجدير بالذكر أن الذي يعنينا في هذا المقام هو المفارقة الثالثة دون غيرها، وهي المفارقة التي تطرح إشكالية الآخر، والمقصود بالمواجهة مع الآخر في الإعلام الإسلامي هو المعارضة والمناجزة الفكرية بالكلمة الصادقة في محاولة لقطع الخصم بالبرهان الساطع والمثابرة على ذلك، فما حدود تلك المواجهة وأساليبها العقلية والشرعية؟
إن البحث الموضوعي يقتضي في كل مراحله إسقاط التعصب وطرح «إعلام الأزمات» جانبًا، لأن التعصب لا يقدم المعلومة بأمانة، مما يفقدها مفعولها في تصور القارئ، سواء كان القارئ هو الأنا أو الآخر، وبما أن الإشكالية المطروحة هي مراجعة نقدية لمنجزات حدثت وانتهت فإن التعصب للرأي وصم الآذان عن سماع الآخر هي من صفات الإعلام الممل وغير المقنع، وقد مر الإعلام الإسلامي بهذه المرحلة من التعصب، ردًا على إعلام الآخر الذي سقط في إشكالية التعصب لرأيه، وبخاصة أثناء «إعلام الأزمات» كأزمة البوسنة والشيشان وأفغانستان، وتقتضي المواجهة الإعلامية مع الآخر إدراكًا لواقعه وتصوراته ومفاهيمه وعاداته إن استحضار حقائق معينة تتعلق[1] (۱) بالآخر من ناحية فلسفة الحكم والنظام السياسي السائد عنده وفهم أفراد مجتمع الخصم هي أهم ركيزة من ركائز الكتابة عن الآخر، فعلى سبيل المثال إذا كان الخصم أوروبا فإن على الإعلامي المسلم أن يدرك واقع أوروبا كفارة، وواقعها كدول منفصلة مستقلة ذات سيادة، عليه أن يدرك تاريخ نشوء الدول الأوروبية وأشكال الحكم فيها، ويدرك الحضارة الغربية من خلال تاريخها مع نفسها، وتاريخها في مواجهة الحضارة الإسلامية منذ بعث أسامة - رضي الله عنه - حتى الاستعمار الحديث مرورًا بالحروب الصليبية.
وعليه أن يعلم حقائق معينة حول مسلمي أوروبا ومعاناتهم وتصوراتهم وأعدادهم، لأن الإعلام الغربي نفسه لا يهمل هذه الحقائق في بحوثه ودراساته الصحفية، فقد كانت آخر إحصائية للمسلمين في أوروبا - فيما أعلم - نشرت من خلال تحقيق لمجلة «نيوزويك» الأمريكية بتاريخ 29/5/ ١٩٩٥م حيث بلغت بين ثمانية إلى عشر ملايين نسمة، وتحدثت المجلة بتهويل مقصود لإبراز ضخامة أعداد المسلمين أمام الطوائف الدينية الأخرى مثل اليهود والبروتستانت مع أن نسبتهم لا تزيد على ٣%من سكان القارة الأوروبية البالغ عدد سكانها ثلاثمائة وخمسين مليونًا.
والإعلامي المسلم مسؤول قبل الخطيب والمحاضر الجامعي والواعظ عن تصحيح أفهام الأوروبيين تجاه الإسلام، إذ إن صورة الإسلام عند غالبية الأوروبيين مظلمة قاتمة في مجملها، فإعلامهم يصف الإسلام بالرعب والإرهاب، فالكاتب صموئيل هنتنجتون من منظري فكرة «الإسلام عدو للغرب» (۲)، ولا يقصدون بالإرهاب الإعداد للمعركة كما يتصور بعض المتحمسين المسلمين، بل يقصدون به الهجمة الدموية وحب سفك الدماء بالذات دماء الأطفال والنساء.
غني عن القول أن ركيزة الأسلوب الإعلامي الإسلامي هي الحكمة والموعظة الحسنة والبرهان الحاسم، إذ لم يعد الخطاب العاطفي أو الترهيب من الغائب أسلوبًا علميًّا يؤتي أكله مع الآخر، أو حتى مع أفراد المجتمع المسلم، إن الإسلام دين وحضارة، وسلوك المسلمين في حياتهم نابع من مقياس الحلال والحرام في أعظم شؤونهم وفي أصغرها، هذا المفهوم هو مفتاح الإعلامي المسلم لقلوب الآخرين، فإذا تمكن من إقناع الآخر بهذا المقياس يصبح الأوروبي متفهمًا لسلوك المسلمين على أسس صحيحة، وينعكس ذلك على فهم الأوروبي لقانون العقوبات الإسلامي الذي يتعرض للشبهات والتشوهات، والإعلامي المسلم ملتزم بما لا يناقض العقل ومفهوم العقلانية، فالقرآن الكريم والسنة الصحيحة لا يناقضان الحقائق العلمية إذا ما أحسن المسلمون الفهم والاستنباط.
ويتذكر الإعلامي المسلم في مسيرته أن الإسلام يؤكد حرية الاعتقاد لغير المسلمين ﴿لا إكراه في الدين﴾، وذلك بعد تبيين الرشد من الغي بالحكمة والموعظة والبرهان والدليل، فلا مجال للجهر بالسوء للآخر إلا لرفع الظلم، ولا مجال لاستخدام الضغط والقسر والإلزام في محاولة استمالة وتطويع الجماهير، إذ إن «الأخطاء في مواجهة الأقوياء قد لا تنجبر بسهولة، بل قد تكون قاصمة الظهر، فليس من أخطأ في مواجهة أسد كمن أخطأ في مواجهة هرة[2]» (۳).
الهوامش
(1و2) - أحمد صدقي الدجاني: الإسلام وأوروبا، مقالة في مجلة البيان الأردنية، مجلة جامعة آل البيت، العدد الثاني سنة ١٤١٨هـ
(3). توفيق الواعي، مقالة بعنوان: «إلى متى سيستمر العجز العربي؟، مجلة
المجتمع الكويتية، العدد ۱۳۷۸
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل