; الإعلام الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان الإعلام الإسلامي

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-1989

مشاهدات 74

نشر في العدد 937

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 17-أكتوبر-1989

 

كنت أعلم أن إجاباتي على السؤال الذي طرحه الزميل عبد الرحمن النجار حول الإعلام الإسلامي في برنامجه شبكة التلفزيون ستثير ردود فعل متفاوتة، كما كنت واثقًا من أن الاعتراضات ستأتي من أقرب القريبين مني في الحركة الإسلامية، فقد تناولت بعض المسائل التي أشبه ما تكون ثوابت في الوعي الإسلامي عند الحركة الإسلامية، والتي هنا أود أن أسجل تقديري الكبير للأدب الرفيع الذي تحلى به معظم الإخوان للتعبير عن خلافهم معي في الرأي، أو في اعتراضهم على رأيي سواء في أوساط جمعية الإصلاح أو خارجها.

ولا يُغيرني أبدًا مسلك بعض المندسين على الحركة الإسلامية الذين يصطادون في الماء العكر، مستغلين مظهرهم التَدَيُّنِي المصمم لهذا الدور، فخلال الأسبوع الماضي تلقيت مجموعة مكالمات ورسائل حول هذا الموضوع بين مؤيد يرى ضرورة إيجاد حل لمشروع الإعلام الإسلامي، ومعارض يرى أن طرح الموضوع بالصورة التي تمت كان مادة تبريرية للمرضى قلوبهم من أصحاب الأهواء والشهوات.

ولعل أهم رسالة تلقيتها في هذا الصدد هي رسالة جاءتني من أخ فاضل لي من أعضاء مجلس إدارة جمعية الإصلاح يناقش فيها بعض ما دار في المقابلة التلفزيونية، وتأتي أهمية هذه الرسالة للأمرين التاليين:

1.     لأنها تمثل توجه جمعية الإصلاح الاجتماعي، وخاصة فيما يتعلق بالموسيقى.

2.     أنها تعكس لبسًا في فهم لم أقْصده، وظنه بعض من الناس أنه مقصد حديثي، ومن أجل هذين الأمرين يصبح من الضروري أن أعرض هذه الرسالة.

 

الأخ الفاضل رئيس التحرير - حفظه الله -، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، ففي المقابلة التلفزيونية التي أُجريت معك يوم الأربعاء 1989/10/4 تناولت في حديثك بعضًا من الأمور ذات الاهتمام العام، وقد عبرت فيها عن وجهة نظرك حول هذه الأمور، وحيث إنني أرى أن الوقوف على بعض النقاط التي ذكرتها سوف يوضح للقارئ والمطالع حقيقة الرأي الصائب في مثل هذه الأمور؛ لذا كان لا بد لمثل هذا الرد.

 

إن المفروغ منه أن للعلماء مكانة في دين الله عز وجل، يتضح ذلك في أكثر من آية في كتاب الله - عز وجل -، وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والفقهاء أحد أصناف هؤلاء العلماء، وهم نقلة العلم والفقه إلى جمهور وأجيال المسلمين، ودورهم الريادي في المحافظة على أمانة العلم جَلِيَّة واضحة. وقد تعرضت جملة كبيرة منهم للأذى والابتلاء من أجل الإفتاء بما يخالف ما يعتقدون، إنه حق وصواب في دين الله - عز وجل - كالأئمة الأربعة وغيرهم، إلا أنهم لم يراعوا في ذلك صاحب مال أو سلطان أو جمهور المتدينين، وإنما حرصوا أن يُفتوا بما أدى إليه اجتهادهم بأنه حق وصواب في دين الله - عز وجل - سواء كانوا بذلك مصيبين أم مخطئين.

وكذا لا اعتبار لمجموعة قليلة متناثرة في أرجاء المدى الزمني للأدوار التشريعية أفتت بما يهوى الناس باعتبار أن لكل قاعدة شواذ.

وكذا لا اعتبار بما صدر من كبار الفقهاء ومقدميهم من زلات علمية خالفهم فيها جمهور الفقهاء؛ لأنه من تتبع رخص الفقهاء وزلاتهم وقع في المحظور.

وقد صرح ابن القيم - رحمه الله - بفسق من يتتبع رخص الفقهاء، وكذا قال أبو إسحاق المروزي، وذكر الشوكاني أن البيهقي حكى أن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد فرقع إليَّ كتابًا قد جُمعت له فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا الكتاب زنديق، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه فأمر بإحراق الكتاب.

محمد سليمان الأشقر، الفتيا ومناهج الإفتاء ص (44).

 

وعليه فإننا نخالف الأخ الفاضل رئيس التحرير فيما ذهب إليه من أن الفقهاء عقبة في سبيل وجود إعلام إسلامي.

ولا يعنينا هنا أن نناقش هل الإعلام الإسلامي موجود أم لا، ولكن الذي يعنينا بيانه أن الفقيه أو المفتي ملزم بضوابط علمية من خلالها يفتي بالحرمة أو الإباحة أو سواهما، وأنه إذا تجاوز هذه الضوابط العلمية المقررة خرج عن كونه فقيهًا أو مفتيًا، وهذا مذكور في كتب الأصول وغيرها ونخالفه أيضًا فيما ذهب إليه من أن الفقيه الذي يختار الأحوط في المسائل، ويجنح إليه هو جبان، ففضلًا عن أن هذا الوصف لا يليق بفقهاء المسلمين وهم المقدمون فإن منهم من تحمل أسواط السلاطين، بل الخلفاء فقد جُلد الإمام أبو حنيفة، وجُلد الإمام مالك، وجُلد الإمام الشافعي، وعُذب الإمام أحمد بن حنبل عذابًا شديدًا - رضي الله عنهم - جميعًا وذلك في مسائل معدودة، فهل يقال في مثل هؤلاء أنهم جبناء لأنهم لم يفتوا بما يخالف اجتهادهم، أو لم يفتوا مثلًا بالأيسر كما في مسألة المعازف وآلات الطرب، وأن الصورة التي ذكرها للتدليل على عدم اختيار الأيسر والأسهل وهي حكم المعازف لا علاقة لها بهذا البحث.

فالنزاع في هذه المسألة قائم من حيث الحل أو الحرمة، فمن قام له الدليل على حرمتها كيف يقول بالحل؟ ومن لم يقم له الدليل بالحرمة قال بالأصل وهو الإباحة.

بل القاعدة الأصولية في ذلك «أنه لو تعارض دليلان عند المجتهدين فليس الترخيص طريقًا من طرق الترجيح» انظر محمد الأشقر الفتيا ص (13).

فالتيسير على الناس أو الإفتاء بالأيسر يكون فيما فيه تغيير في الشرع، بما يناسب حال المستفتي أو السائل، ولا يشق عليه، وليس معناه الإفتاء بإباحة المحرم في غير الضرورات، أو ترك الواجب، أو فساد الصحيح، أو صحة الفاسد؛ لأن ذلك يؤدي إلى انحلال من الشريعة، انظر محمد الأشقر ص (42).

ويدل على ذلك الحديث الصحيح «ما خُيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا أو قطيعة رحم».

 

ونخالف رئيس التحرير فيما ذهب إليه من أنه لا يوجد نص صحيح يحرم المعازف، ولو لم يكن إلا ما رواه البخاري في صحيحه لكان كافيًا.

ومن عجب قول الأستاذ إن المطلق ضعيف هكذا بإطلاق، فهذا لا شك ذهول منه، بل كان ينبغي عليه الرجوع إلى أقوال أهل العلم في ذلك، ولا يصول في ذلك على قول ابن حزم - رحمه الله - وقد رد عليه كثير من العلماء منهم ابن الصلاح قال - رحمه الله -: «وأخطأ في ذلك من وجوه، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري - رحمه الله - قد يفعل مثل ذلك لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات، عن ذلك الشخص الذي علقه عنه، وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه، مسندًا متصلًا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع، والله أعلم».

وأخرج الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق ص (18-23) المجلد الخامس، الحديث من طرق كثيرة صحيحة، ثم قال: «وهذا حديث صحيح لا علة له، ولا مَطْمَن، وقد أعله أبو محمد بن حزم بالانقطاع بين البخاري وصدقة بن خالد، وبالاختلاف في اسم أبي مالك، وهذا كما تراه، محمد سبقته من رواية تسعة عن هشام، متصلًا منهم مثل الحسن بن سفيان، وعيدان، وجعفر الفرياني، وهؤلاء حفاظ أثبات.

راجع مقدمة تغليق التعليق لابن حجر 1 ج 290-291 تحقيق د. سعيد القزمي.

وتوهَّم الأستاذ فيما ذكره ونسبه للشوكاني - رحمه الله - من أنه قال إنه لا يوجد نص واحد يحرم الموسيقى كما ذكر، فهذا لم نجده في كتبه، ولا أحد نقله عنه، ولعل الأمر اختلط على الأستاذ، وذلك أن مثل هذا القول أثبته الشوكاني في النيل ج 8 ص (104) حكاية عن ابن حزم، ورد عليه فكيف ينسبه إليه، بل كيف يقول الشوكاني ذلك وهو يختم بحثه بقوله ج 8 ص (109) «وإذا تقرر جميع ما حررناه من حجج الفريقين فلا يخفى على الناظر أن حل النزاع إذا خرج عن دائرة الحرام لم يخرج من دائرة الاشتباه، والمؤمنون وقَّافون عند الشبهات كما صرح به الحديث الصحيح، ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» ولا سيما إذا كان مشتملًا على ذكر القدود، والخدود، والجمال، والدلال، والهجر، والوصال، ومعاقرة العقار، وخلع العذار والوقار، فإن سامع ما كان كذلك لا يخلو من بلية وإن كان من التصلب في ذات الله على حد يقصر عنه الوصف، وكم لهذه الوسيلة الشيطانية من قتيل دمه مطلول، وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول، نسأل الله السداد والثبات، ومن أراد الاستيفاء للبحث في هذه المسألة فعليه بالرسالة التي سميتها: «إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع»، وقال الأستاذ أيضًا إن مجتمع المدينة يحب الموسيقى، وساق حادثة على ذلك إلى الشوكاني، والشوكاني كما ورد في النيل ص (104) ج 8، إنما ينقلها عن ابن حزم في كتابه السماع، وليست من روايته، وفيها عبد الله بن جعفر، وليس ابن الزبير، وليست بالسياق الذي ذكره ففيها اختلاف بيّن، ولا يدرى صحتها من ضعفها، ومن العجب أن الأستاذ يحتج بمثل هذه الروايات، ويسقط حديث البخاري بدعوى التعليق.

هكذا تسقط دعوى أن مجتمع المدينة يحب الموسيقى، ومن المعلوم أن أهل المدينة حجة عند الإمام مالك، وهو أحد أدلته الشرعية، والإمام مالك لا يقول بإباحة المعازف، بل يقول بتحريمها ولو ثبت شيء من ذلك لقاله، وهو أعلم بعمل أهل المدينة من غيره.

 

وذكر الأستاذ أن كل مسرحية تخدم القيم هي مسرحية إسلامية، وذكر مثالًا على ذلك هي مسرحية أولاد آدم.

ونقول إن أي عمل فني ينبغي أن يكون عملًا ملتزمًا حتى يصح أن نسميه إسلاميًا، أما مجرد أن يحمل هذا العمل قيمة أخلاقية أو يدعو إليها مثلًا مع تخطيه للضوابط الشرعية، فإنه لا يكون إسلاميًا بحال من الأحوال، فظهور امرأة متبرجة في العمل الفني يُخرجه من كونه عملًا إسلاميًا، وإن كان ذا قيمة أخلاقية أو يدعو إلى ذلك، إن الرجل النصراني لا يكون مسلمًا إذا كان صادقًا أو أمينًا، أو مجتنبًا للخمر والزنا، فهذه قيم حض الإسلام عليها، ودعا إليها، إلا أنها لا تخرج النصراني عن كفره، ولا شك أنه قد ينتفع بها في الدنيا، ولكن لا تنفعه في الآخرة إلا أن يسلم.

وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة، وهذا ما أردنا بيانه بخصوص الإعلام الإسلامي فقط لتتضح الصورة.

 

ولقد نشرت مجلة المجتمع مقالات عديدة حول ضوابط العمل الفني في الإسلام نحيل القارئ إليها، ونخالف الأستاذ فيما ذهب إليه أن التكفير هو أحد السلبيات في الحركة الإسلامية، ولم يفصل في ذلك، وهو العليم بأن معظم الحركات الإسلامية في الوطن العربي لم تقل بتكفير الناس أو المجتمعات أو تدعو إليه، وأن جماعة التكفير والهجرة حالة شاذة لا يقاس عليها، وليس بين أيدينا في أدبيات الحركات الإسلامية من يدعو إلى تكفير الناس سواء من كتابات الإخوان أو الدعوة السلفية أو حزب التحرير، بل حتى لا نرى ذلك عند الجماعة الإسلامية في باكستان أو جماعة التبليغ، وهو يعلم أن للحركات الإسلامية دورًا كبيرًا في حفظ الشباب من الانزلاق في شُبه التكفير، نعم من قام عليه الدليل بالكفر فهو كافر، كمن يُعلن ردته عن الإسلام مثلًا، وهذه مسألة لها شروطها وأدلتها، وهي مبحوثة في محلها من كتب الفقه والله أعلم.

 

بعد هذه الرسالة لا بد من هذا التوضيح:

أولًا- إن ما جاء من آراء ووجهات نظر في هذا الحديث التلفزيوني يمثل رأيي الشخصي، وليس بالضرورة يمثل رأي جهة معينة أو مؤسسة ما، وقد كان ذلك واضحًا من إجاباتي حيث كنت أؤكد على سعة الصدر في قبول الرأي المخالف، كما أن الزميل النجار أدرك ذلك، وأبدى استفساره فيما إذا كانت بعض هذه الآراء شخصية لأنها خلاف ما يُعرف، وكذلك توقع الهجوم على هذه الآراء.

ثانيًا- لا بد أن أقرر هنا أن حديثي في التلفزيون لم يتضمن أي فتوى في أية قضية، فأنا لست متخصصًا في الإفتاء، وهو ليس موقعي في الدعوة الإسلامية، ولكن لا يمنع ذلك من مناقشة المفتين والفقهاء فيما يذهبون إليه من آراء، فهناك مساحة مشتركة بين الفقه والفكر، إن الحديث كان موجهًا بالدرجة الأولى لإثارة الرأي العام الديني حول قصور الحركة الإسلامية في الإعلام، وحيث إن الموسيقى والتمثيل والرسوم من مكونات الأعمال الإعلامية، وأنهما مثار جدل فقهي؛ فكان من الطبيعي التطرق لهما كأمثلة ما دام الحديث عن الإعلام الإسلامي.

ثالثًا- إن كل ما ذكره الأخ الفاضل من آراء حول الموسيقى والمعازف، وما تطرق إليه من إيراد ملاحظات وتعليقات حول الحديث الشريف الدائر حوله الحوار، أقول إن كل ذلك بين الفقهاء والمحدثين بين أخذ ورد، وإنني طالما اعتبرت نفسي ليس في موضع الإفتاء فمن الخطأ إذن أن أورد ردودي وتعليقاتي حول قضية الموسيقى وذلك للأسباب التالية:

1.     أن قضية الموسيقى ليست هي أصل الموضوع الذي أردت تسليط الضوء عليه.

2.     أن مناقشة هذه القضية العلمية الجادة في إطار الكتابة الصحفية لن يخدم القضية؛ فكثير من المتطفلين على الفقه الإسلامي، أو فكره سيخوضون في الموضوع، وربما يخرج عن إطاره الموضوعي لتصبح القضية معركة تتقاذف فيها الاتهامات.

3.     أني لو كتبت ردًا فلن تنتهي القضية، بل سيكون هناك ردود على الرد.

وعليه فإننا في مجلة المجتمع سندعو بكل جهدنا لإقامة مؤتمر فقهي إعلامي، يجتمع فيه رجال الإعلام وفقهاء المسلمين، يتم فيه مناقشة جوانب هذه القضية وخفاياها، خاصة وأن التحدي الإعلامي القادم هو تطور البث التلفزيوني ليصبح كالمذياع، يستطيع المرء أن يلتقط منه المحطة التي يريدها من العالم، وعليه فإنني سأُرجئ التفاصيل حول رأيي بموضوع الموسيقى إلى هذا المؤتمر المرجو، ويكون الحديث في موضعه السليم. وإنني أدعو الفقهاء الذين يجدون في أنفسهم الرغبة في الكتابة والتحاور في مثل هذا الموضوع مراسلة مجلة المجتمع، كما ندعو كل من لديه تصور حول هذا المؤتمر لمراسلتنا، وكذلك ندعو كافة المهتمين بالإعلام الإسلامي لإعطاء الرأي حول هذا المؤتمر.

 

رابعًا- حديثي عن الفقهاء العاجزين عن فهم الإسلام والتحديات الكبيرة للواقع هو ليس هجومًا على كافة الفقهاء، فهذا تحميل القول لا يطيق هذا المعنى، فحاشا أن أتعرض لفقهاء الأمة الكبار الذين تحملوا الأذى والابتلاء من أجل الإفتاء، لا أدري كيف فهم الأخ الفاضل صاحب الرسالة مني ذلك، وأنا أتحدث عن واقع معاصر ومشاكل آتية؟ ولا أدري كيف استنتج أن الجيل الأول من الفقهاء هم المعنيون بحديثي عن الفقهاء، إن فقهاء عصر الصحابة والتابعين يعتبرون المؤسسين الأوائل لهذا العلم، وإن من تلاهم من أعلام المدارس الفقهية يعتبرون روادًا لعصر ازدهار الفقه، وحتى أتباع تلك المدارس من الأفذاذ المنتمين لعصر التقليد لا يشملهم قولي، ولا أجرؤ على ذلك.

إن حديثي لا يشمل فقهاء عصرنا كلهم، فهذا ظلم محض؛ إن حديثي يشمل الفقهاء الذين لا يبذلون جهدًا في البحث والتقصي في مسائل هذا العصر، ويبحثون عن الفتاوى الجاهزة في أمهات الكتب، ويختارون الأحوط لهم وليس لدين الله، فيُفتون به وإن شق على الناس.

إن الأسلوب الأسهل للهروب من البحث والتقصي هو الإفتاء، ولكنه ليس بالضرورة أصلح لدين الله بل موقف محتاط من الاتهام بالعجز. أما الإفتاء بالأيسر فلا أعني الترخص في دين الله، فهذا فهم لم أكن أتوقع أن يخرج به أحد؛ إذ إن القاعدة التي كان يسير عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ونقيض الأيسر هو ما لا تطيقه العامة، ولا يسع جمهور الناس.

إن عصرنا ما زال فيه خير، وما زال فيه علماء يستحقون أن يسجلوا بين أعلام الأمة الإسلامية، منهم من أجهله، ومنهم من أعلمه، فأنا شخصيًا أكن تقديرًا كبيرًا للعلامة محمد أبو زهرة - رحمه الله - وأعتبره من نوادر عصرنا، وكذلك الشيخ عبد الوهاب خلاف - رحمه الله - وأظن أن الأحياء فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة يعتبران من بقايا جيل العلماء الذي امتزج علمًا، والأفضل من علمهم أدبهم الرفيع في الخلاف. لقد سألت فضيلة الشيخ ابن باز يومًا عن الصور واستخدامها في الصحافة فأفتى بالتحريم، ولكنه أشار إلى أن هناك من يفتي بالجواز، ولعل نخوتهم تُعيننا على أداء مهمتكم فليت الصاعدين من الفقهاء يتحلوا بهذا الخلق.

وأخيرًا فإن من انصرف ذهنه إلى قضية المعازف والموسيقى عند حديثي عن الإعلام الإسلامي فقد أخطأ مقصدي، وإنني ما زلت أثير الانتباه إلى الخطر القادم إلينا، والذي يجب أن نتنبه إليه بدلًا من أن ننشغل في القضايا الجانبية، وإنني آسف على هذا الأسلوب في تناول القضايا الجادة عند بعض العاملين في الحقل الإسلامي، فبدلًا من أن يجعلوا قضية الإعلام الإسلامي مجال نقاشهم وحوارهم أصبحت قضية المعازف هي مرتكز حواراتهم عند التعليق على الحديث التلفزيوني.

ولقد مرت بي تجربة مماثلة في مطلع الثمانينيات عندما وجهت الأنظار إلى بعض أنواع التطرف في الحركة الإسلامية، وإذا بي أفاجأ بالانصراف العام عن أصل الموضوع والانشغال بإجابة على سؤال حول القضايا العقدية، وأفاجأ بعد ذلك بسيل من الاتهامات لمعتقدي وفكري، وأقرب ما سمعته اتهامي لي بالجهمية - وأنا منها براء - ورغم إعلاني بالمحاضرة وغيرها رجحان مذهب مالك بن أنس في مثل هذه القضايا، واعتناقي لمذهبه، إلا أنني لم أسلم من سوء فهم متعمد أو غير متعمد. وإنني لأرجو من العاملين في الدعوة الإسلامية أن يعوا أهمية التعاون بينهم، والتحاور فيما يختلفون فيه بدلًا من التناحر والاتهام والإدانة، والله الموفق.

 

 

الرابط المختصر :