العنوان الإعجاز في التدوين والجمع للقرآن الكريم(١)
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر الجمعة 03-فبراير-2012
مشاهدات 61
نشر في العدد 1987
نشر في الصفحة 54
الجمعة 03-فبراير-2012
* تعهد الله سبحانه بحفظ القرآن من التحريف لفظًا بالتبديل والتغيير ومعنى بفاسد التأويلات... لتظل حجته قائمة على عباده.
* عصم الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من أن ينسى شيئًا مما أوحي إليه.
* شاء الله عز وجل أن يحفظ هذا الوحي القرآني الخاتم فلا يدعه للناس بأهوائهم وقدراتهم النسبية يحرفونه أو ينسون شيئًا منه.. كما تعهد بجمعه أيضًا.
لأن القرآن الكريم هو الوحي الخاتم للنبوة، الخاتمة الذي ختمت به معجزات النبوات والرسالات وشرائعها، فلقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يتعهد هو بحفظه من التحريف لفظًا بالتبديل والتغيير، ومعنى بفاسد التأويلات، وذلك لتظل حجة الله قائمة أبدًا على عباده، بهذا الوحي الخاتم الخالد، وهذه الرسالة الخاتمة الخالدة، إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
لقد شاء سبحانه وتعالي لطفًا منه أن يحفظ هذا الوحي القرآني الخاتم حفظًا إلهيًا؛ فلا يدعه إلى الناس- بأهوائهم وقدراتهم النسبية- يحرفون كلمة من بعد مواضعه، أو ينسون حظًا مما ذكروا به فيه، كما حدث للكتب السماوية، التي سبقت القرآن الكريم.
وعن هذه المشيئة الإلهية قال الله سبحانه وتعالى في هذا الإعجاز القرآني المتحدي: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، ﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (الكهف: 27) ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ, وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام: ١١٤-١١٥)
عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من النسيان
كما تعهد سبحانه وتعالي بعصمة رسوله صلى الله عليه وسلم من أن ينسى شيئًا مما أوحي إليه، فقال لرسوله: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ, إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ, وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (الأعلى: 6-8) ، من ثمرات حفظ القرآن الكريم.
وعندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعجل بذل الجهد والطاقة في حفظ ما يوحيه الله إليه مخافة أن يصيب هذا الوحي القرآني شيء مما أصاب الكتب السابقة من الضياع والتحريف والنسيان؛ جاء الوحي الإلهي لرسوله بأن الله سبحانه وتعالى كما تعهد بحفظه وكما عصمه من النسيان، فلقد تعهد بجمع هذا الوحي القرآني فالمشيئة الإلهية قد تعهدت بالجمع والمتضمن للترتيب والحفظ جميعًا ولا تحرك به لسانك التعجل به ( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ, فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ, ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: 17-19)
حفظ وتوثيق
ولأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أمرًا في عالم الإنسان الذي فيه تغيير وتمكين، هيأ لهذا الأمر أسباب التحقيق والتمكين، فلقد هيا لهذا القرآن من أسباب التدوين والحفظ والتوثيق ما لم يتهيأ لكتاب سابق تاريخ النبوات والرسالات.
وعن هذه الحقيقة، قال شيخ الأمناء، وأحد أبرز العقول «الأصولية والمجتهدة والمجددة» في عصرنا الحديث الشيخ أمين الخولي (۱۳۱٣- ١٣٨٥ هـ / ١٨٩٤– ١٩٦٦م):
لقد كانت للرسول صلى الله عليه وسلم عناية بنشر الكتابة في مجتمعه، وكان للرسول صلى الله عليه وسلم كتبة وحي يكتبون بين يديه القرآن، وقد بلغ عددهم نحو بضعة وعشرين شخصًا، ورأى عليه الصلاة والسلام لبعضهم أن يتعلموا من اللغات غير لغتهم العربية، وكذلك كتب القرآن أولًا بأول، مع حفظ ما ينزل منه كذلك أولًا بأول، فتهيأ للنص القرآني من الاطمئنان ما لا يكاد يتوافر مثله على التاريخ لما حفظت البشرية من نصوص وأصول...[2].
وثوقية عليا
وعن هذه الحقيقة ذاتها حقيقة الوثوقية العليا لحفظ القرآن وتدوينه وتوثيق سورة وآياته، قال المستشرق الإنجليزي «مونتجمري وات» (١٩٠۹ - ٢٠٠٦م) رغم أنه قسيس أنجيليكاني وابن قسيس!! قال: «إن القرآن كان يسجل فور نزوله، وعندما تمت كتابة هذا الوحي شكل النص القرآني الذي بين أيدينا، إنه كلام الله وحده، قرآن عربي مبين، وعندما تحدى محمد أعداءه أن يأتوا بسورة من مثل السور التي أوحيت إليه كان من المفترض أنهم لن يستطيعوا مواجهة التحدي، لأن السور التي تلاها محمد هي من عند الله، وما كان للبشر أن يتحدى الله سبحانه».[3]
وعن ذات الحقيقة الوثوقية غير المسبوقة التي امتاز بها وتميز بها تدوين القرآن الكريم، جاء في مصادر علوم القرآن أخرج أبو داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: «كانوا يكتبون ذلك القرآن في الصحف والألواح والعسب «جريد النخل».. يكتبونه بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام»
وقال الحارث المحاسبي (١٦٥ - ٢٤٣هـ / ٧٨١-٨٥٧م) في كتاب «فهم السنن»: «إن كتابة القرآن ليست بمحدثة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم بكتابته» وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: عثمان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تتنزل عليه السورة ذات العدد؛ فكان إذا أنزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا...» [4]
جهاز كامل
ولذلك وجدنا في المصادر التي أرخت لمجتمع النبوة ودولتها كيف أن جهازًا كاملًا وكبيرًا في ذلك المجتمع وتلك الدولة قد تخصص في القيام على تدوين الوحي القرآني في أدوات التدوين المتاحة يومئذ الصحف والألواح والعسب، وذلك فضلًا عن حفظه في الصدور وتطبيق آياته وأحكامه بالمجتمع والأسرة والحياة الخاصة والتعبدية أناء الليل وأطراف النهار.
نعم.. لقد ذكرت المصادر الموثوقة والمعتمدة التي أرخت المعالم وعمالات دولة النبوة والمؤسسات المجتمع النبوي؛ أن دولة النبوة التي بدأ الوحي فيها بـ«أقرأ» سواء التي أخرجت العرب من ظلمات الأمية إلى نور العلم والحضارة، أن هذه الدولة قد كان لرئيسها صلى الله عليه وسلم أكثر من أربعين كاتبًا، تخصص له وفيه ثمانية وعشرون من هؤلاء الكتاب»
وإذا كان البعض سيعجب من تخصيص هذا العدد الكبير من الكتاب لتدوين الوحي القرآني فور نزول آياته الكريمة - في مجتمع كانت تشيع فيه الأمية- فإن هذا الإعجاب سيتزايد عندما تكشف الحقيقة التاريخية أن هؤلاء الكتاب الذين تخصصوا في تدوين الوحي القرآني، لم يكونوا مجرد کتاب يحسنون القراءة والكتابة، وإنما كانوا من أركان القيادات التي أقامت الدين وأسست الدولة، وفتحت الفتوح وأزالت القوى العظمى التي قهرت الشرق يومئذ، ووضعت الأسس الراسخة لهذه الحضارة الإسلامية، التي نبعت من هذا الوحي القرآني العظيم الذي تعهدوا آياته وسوره بالتدوين والتوثيق.
ولعلها المرة الأولى التي تتكشف فيها أبعاد هذه الحقيقة، عندما لا نكتفي بذكر أمر الكتاب الثمانية والعشرين الذين تخصصوا في تدوين الوحي، وإنما تترجم لهم في سطور ترجمة تكشف عن حقيقة أنهم لم يكونوا مجرد خبراء في القراءة والكتابة، وإنما كانوا زعماء وقادة في المجتمع النبوي؛ الأمر الذي يكشف عن مدى المصداقية والوثوقية التي هيأها اللطف الإلهي لتحقيق المشيئة الربانية بالحفظ لهذا الكتاب.
[1] مفكر إسلامي
[2] أمين الخولي «عن القرآن الكريم» ص ٢٨-٢٩-٣٧، دراسة وتقديم أ. د. محمد عمارة، طبعة نهضة مصر القاهرة ٢٠٠٠م
[3] «مونتجمري وات»: «الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر» من ٢٦-٢٧-٨٢، ترجمة: د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ، طبعة الهيئة العامة للكتاب، القاهرة سنة ٢٠٠١م
[4] السيوطي: «الإتقان في علوم القرآن» ج١، ص ٥٨- ٦٠ طبعة القاهرة، سنة ١٣٥٤هـ / ١٩٣٥م
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل