; الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.. أهم أسسه وضوابطه | مجلة المجتمع

العنوان الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.. أهم أسسه وضوابطه

الكاتب السيد الحسنين عمارة

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1994

مشاهدات 78

نشر في العدد 1093

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 29-مارس-1994

الاهتمام بالقرآن وعلومه من أجل الأعمال وأنفعها للعباد وأفضل القربات إلى الله -سبحانه وتعالى- وحيث إن علم التفسير من أهم هذه العلوم؛ لأنه بمثابة الإبانة والكشف عما به من أسرار وأحكام وإظهار المعاني المتعلقة بالألفاظ، فإننا نرى منذ الصدر الأول وإلى يومنا هذا تواتر جهود علماء الأمة الإسلامية الذين بذلوا الجهد والوقت والنفس والنفيس في إرواء هذا الجانب، وما زال العطاء مستمرًا.

إلا أنه يجب أن تكون هناك وقفة لوضع بعض المعايير أو الضوابط والأسس الهامة التي يجب على كل من يريد أن يدلي بدلوه في هذا الجانب الهام أن يلتزم بها ويهتم بتحقيقها، فتكون له بعد الله -سبحانه وتعالى- عونًا ومرشدًا حتى لا يضل ولا يشقى، وألا يكون سببًا في إضلال وشقاء غيره، وهذا ما سنبينه -إن شاء الله تعالى- في عدة ضوابط وهي:

الأول: يجب على كل من يتعرض لتفسير بعض الآيات القرآنية الخاصة بسنن الله في الكون أو في الأنفس أن يكون معتقدًا اعتقادًا جازمًا أن كل ما ورد في القرآن الكريم بهذا الخصوص إنما هو حقائق ثابتة وموضع قبول وتسليم ويقين.

الثاني: إن القرآن الكريم كله قطعي الثبوت، وقد نقل إلينا بالتواتر ابتداء من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جيلًا بعد جيل محفوظًا بالصدور.

الثالث: إن كل ما يتعارض مع نصوص الكتاب والسنة الصحيحة أو ما هو معلوم من الدين بالضرورة مرفوض تمامًا، حتى ولو قامت الدنيا لتصفق وتهلل لنظرية من النظريات أو رأي من الآراء يناقض مفهوم أي آية من كتاب الله -عز وجل-.

الرابع: يجب على الذي يتصدى لهذه المهمة الجليلة أن يكون على جانب كبير من التقوى ومخافة الله -عز وجل- في السر والعلانية وإخلاص النية لله تعالى.

الخامس: أن يجمع بين التخصص العلمي والتخصص الشرعي كلما أمكن ذلك، مع تمكنه وحنكته في مجال تخصصه، وأن يكون على اتصال دائم بكل ما ينشر أو يكتب في هذا المجال.

السادس: يجب الانتباه إلى الأسلوب القرآني؛ فعندما يتحدث عن مثل هذه الأمور الكونية أو الحقائق العلمية بوجه عام غالبًا ما يكون الحديث مجملًا ومرنًا يقبل وجوهًا عديدة.

السابع: إن اللفظ العربي الواحد له أكثر من معنى، فهناك المعنى الحقيقي، والآخر الاصطلاحي، والثالث المجازي. وعليه فإنه يجب الرجوع إلى معاني الكلمات المستعملة في هذا الصدد وإلى دلالاتها الحقيقية والمجازية، وكذلك إلى استعمالات العرب لها.

الثامن: يجب أن يضع نصب عينيه أن الحقائق العلمية الواردة في القرآن الكريم على كثرتها لا تخرج القرآن عن هدفه الأساسي، وهو هداية الناس إلى رب العالمين وإلى الصراط المستقيم، ولا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال كتاب علم متخصص في الفلك أو الطب أو غير ذلك، كما هو الحال في المراجع والكتب العلمية الأخرى.

التاسع: لا شك أن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة، ولاستمرارية هذه المعجزة مع التقدم العلمي الهائل في شتى أنواع العلوم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كان وجود مثل هذه الحقائق العلمية في القرآن الكريم بهذا الكم الهائل، في الوقت الذي كانت الأمية ضاربة أطنابها في معظم شعوب العالم، من أهم الأمور.

العاشر: يجب التدرج في إعطاء الحقائق العلمية بحكمة وبقدر استيعاب عقول الناس لها حتى لا يكذب الله ورسوله، ولقد كان القرآن الكريم في هذا الخصوص قمة في الإعجاز حيث يعطي الإرشادات ويترك الباقي لتقدم العلم ونضج العقل البشري.

الحادي عشر: يجب أن تنطلق من منطلق الشمول لا البتر المذموم، وتوضيحًا يجب أن يستعرض جميع الآيات التي وردت في هذا الموضوع ابتداء من أول فاتحة الكتاب وانتهاء بآخر سورة الناس حتى تكتمل لديه كافة أبعاد الموضوع، مع علمه بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمحكم من المتشابه.

الثاني عشر: يجب التروي والدقة وعدم إقحام الآيات القرآنية أو لي عنق النص ليتمشى مع مسائل علمية أو نظريات أو فلسفات لم تثبت صحتها أو لم تصل بعد إلى أن تصبح في مرتبة الحقيقة؛ لأن هذا مخالف لأبسط الأسس والمبادئ العلمية نفسها.

الثالث عشر: يجب المعرفة التامة بسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو إقرار أو صفة، مع الحذر كل الحذر من الأحاديث الموضوعة أو الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والسنة إما أن تكون: 1- سنة مقررة ومؤكدة لحكم جاء به القرآن الكريم. 2- أو سنة مفصلة ومفسرة لما جاء مبهمًا أو مجملًا في القرآن الكريم. 3- أو تكون سنة مقيدة لما جاء مطلقًا أو مخصصة لما جاء عامًا. 4- أو تكون سنة منشئة حكمًا سكت عنه القرآن الكريم. 5- أو تكون سنة مثبتة لحكم كان موجودًا بالقرآن الكريم ثم نسخ لفظه وبقي حكمه.

الرابع عشر: يجب على الباحث في آيات القرآن الكريم الكونية أو النفسية أو في الإعجاز العلمي بصفة عامة أن يتحرى الدقة اللازمة والإخلاص في النية، ويرجع إلى التفاسير المعتمدة للاستئناس بها، شريطة أن يكون ملمًا بعلوم القرآن الكريم وقواعد اللغة العربية، مع علمه ويقينه التام بأن حجية التفاسير أو الكتب والمؤلفات إنما تكون بقدر ما يتطابق ويتمشى مع المنهاج والأسس والإطار العام للعقيدة الإسلامية الصحيحة.

وأخيرًا فإن مراعاة مثل هذه الضوابط وتحري الدقة اللازمة من منطلق الاهتمام بالجانب العلمي للقرآن الكريم بغية إظهاره للناس واجتهادًا في تفهم الآيات الواردة في ذلك تفهمًا صحيحًا يكون أمرًا واجبًا من الواجبات الكفائية، وعاملًا هامًا في ترسيخ المعتقد الصحيح، خاصة عند الذين فتنوا بمعطيات العلوم المادية.

 

الرابط المختصر :