; الإطار السياسي للاتفاقية الأمنية بين دول مجلس التعاون | مجلة المجتمع

العنوان الإطار السياسي للاتفاقية الأمنية بين دول مجلس التعاون

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1982

مشاهدات 67

نشر في العدد 591

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 19-أكتوبر-1982

كتب الدكتور النفيسي مقاله هذا على أساس من تصوره لبعض نقاط «مشروع الاتفاقية الأمنية» التي تطرحها الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي في اجتماع وزراء الداخلية.

وتود «المجتمع» أن تضع هذا المقال بما يحتوي عليه من رؤية بين يدي وزراء الداخلية لمجلس التعاون إلى جانب المشروع الذي يدرسون.. إذ لا بد من الاطلاع على الرأي الآخر قبل المصادقة على أي قرار أو قانون حياتي في المنطقة.

وهذا أدعى إلى ترسيخ أسس الأمن في مجتمع الخليج.

«المجتمع»

بين يدي وثيقة مهمة صادرة عن الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي التي تتخذ مقرها في الرياض. عنوان الوثيقة هو: «مشروع اتفاقية أمنية بين دول الخليج العربية الأعضاء في مجلس التعاون»، ومن المقرر أن يجتمع وزراء داخلية دول المجلس يوم الأحد القادم الموافق ١٧ من الشهر الجاري -أي قبل يومين من صدور هذا العدد- في المنامة عاصمة البحرين، وذلك للتوقيع على هذه الوثيقة الخطيرة والالتزام بمضامينها وبنودها. المشروع لهذه الاتفاقية مكون من خمسة فصول: الفصل الأول عنوانه مبادئ عامة، والفصل الثاني عنوانه مكافحة التسلل والتهريب، والفصل الثالث عنوانه مكافحة الجريمة، والفصل الرابع عنوانه تسليم المجرمين، والفصل الخامس أحكام ختامية. وتتصدر هذه الفصول الخمسة مقدمة أو ديباجة مكونة من ثمانية أسطر، وأعتقد -بعد دراسة مواد الاتفاقية وعددها «39» مادة- إنه إذا التزمت أطراف مجلس التعاون بهذه الاتفاقية وبتفاصيلها فسيكون لها أثر سلبي للغاية على صعيد الحريات السياسية والثقافية والتقدم السياسي، كما سيتولد عن تنفيذها مزيد من التأزيم للمشكل السياسي القائم في منطقة مجلس التعاون. لقد كنت أتوقع هذا وأكثر، ورأيي في هذه القضية أفصحت عنه في ندوة أشرفت على تنظيمها كل من جامعة الكويت والجمعية الاقتصادية الكويتية بتاريخ ١٨ - ۲۰ أبريل ۱۹۸۲ ودونت رأيي في بحث تقدمت به لهذه الندوة ووزع على المساهمين فيها.

● ماذا تقول مقدمة ومواد الاتفاقية المذكورة؟

1- تؤكد المقدمة على أن هذه الاتفاقية ما كانت إلا: «لصيانة الأمن والاستقرار وحماية للشريعة الإسلامية السمحاء والمُثل العُليا من الأفكار الملحدة الهدامة والأنشطة الحزبية»، ونقول في ذلك: إن مفهوم الأمن والاستقرار خاصة هذه الأيام صار من المفاهيم المطاطة المبهمة، خاصة إذا عرفنا أن أمن واستقرار النظم السياسية لا يعني بالضرورة أمن واستقرار الشعوب المسلوبة الإرادة والحضور والتي تسيطر عليها تلك النظم السياسية، أما حكاية «حماية الشريعة الإسلامية السمحاء والمُثل العُليا من الأفكار الملحدة الهدامة والأنشطة الحزبية» فلا أعتقد بأن الشريعة الإسلامية السمحاء بحاجة إلى حماة، خاصة وأن الله -سبحانه وتعالى- قد تكفل بذلك حين قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)،ثم على افتراض أن الشريعة الإسلامية السمحاء بحاجة إلى حماة، فلا أعتقد بأن وزراء داخلية مجلس التعاون -بل حتى وزراء داخلية كل العرب والمسلمين- قد اختارهم الله لهذه المهمة، ولا أعتقد بأنهم من «المصطفين الأخيار» حسب التعبير القرآني في سورة «ص»، ثم لماذا تعتبر هذه الاتفاقية كل فكر معارض وكل معارضة سياسية على أنه موقف ينطلق من إلحاد وهدم؟ وما قول واضعي هذه الاتفاقية بالفكر المعارض والموقف السياسي المعارض الذي ينطلق من القرآن الكريم روحًا ونصًا، ومن سُنة القائد المفدى محمد بن عبد الله r ؟ وهو فكر معارض وموقف معارض أتشرف بإعلان انتمائي إليه، فماذا أنتم فاعلون؟

2- تقول المادة الأولى من الاتفاقية وهي تقرر مبادئها العامة: «عدم احتضان الخارجين عن القانون أو النظام من مواطني دول المجلس أو غيرهم ومحاربة نشاطهم الضار بأمن أي دولة من دول المجلس» والذي يتأمل تاريخ الخليج الحديث المعاصر يلحظ إنه حافل بالهجرات السياسية فعندما تتأزم العلاقات السياسية بين أي مواطن أو مجموعة من المواطنين وحكومتهم، كانوا في السابق يهاجرون للإقامة في أي بلد خليجي، هذه المادة -إن طبقت- فسوف تغلق منطقة الخليج ولا يكون للمواطن الخليجي أو أي مجموعة من المواطنين الخليجيين الذين -لأي سبب من الأسباب- قد يعتبرون خارجين عن النظام السياسي، فيضطرون للهجرة إلى العالم الغربي أو حتى أوروبا، ولا شك أن لهذا أثارًا سلبية كبيرة على تماسك المجتمع الخليجي في المستقبل. ورود كلمة «احتضان» تعبر عن حساسية كامنة وتوجس من إمكانية حدوث ذلك مستقبلًا بين دول المجلس، كما إنها كلمة تفصح عن ثغرة كبيرة تجرح الثقة المفترض توافرها بين أطراف الاتفاقية، ثم ما هو «النشاط الضار» المتاح في منطقة مجلس التعاون حتى يصل إلى درجة الإضرار بأمن الدولة؟ «فلا صحافة حرة، ولا برلمانات منتخبة، ولا عمل سياسي عام وفعلي، ولا رأي عام مستنير، وتوزيع غير عادل للثروة القومية، وحماية رسمية للمتلاعبين بها، وإجهاد تام وعام للحريات العامة وحظر شديد ومؤكد على التجمعات العامة، ورغم ذلك -وربما بسبب ذلك- تعاني دول المجلس من أزمة أمنية.

3- تقول المادة الثانية من الاتفاقية وهي تقرر مبادئها العامة: «عدم السماح لدخول أو تداول أو تصدير المنشورات أو المطبوعات أو المصنفات على اختلاف أنواعها المعادية للعقيدة الإسلامية، أو المخلة بالآداب العامة، أو الموجهة ضد أنظمة الحكم في الدول الأعضاء» مرة أخرى هنا تقع الاتفاقية بالخلط المتعمد بين الدفاع عن العقيدة الإسلامية -وقد بينا رأينا في هذا- وبين الدفاع عن أنظمة الحكم في الخليج، وكأن بهذه المادة تنطلق من التسليم بأن مصلحة كل من العقيدة الإسلامية وأنظمة الحكم في الخليج متطابقة، وهو أمر لا أعتقد بأن من لديه أدنى ذَرَّة من العقل يسلم به، بل يرفع حوله أكثر من علامة استفهام.

ثم إذا كانت دول المجلس حريصة كل الحرص على منع المنشورات والمطبوعات والمصنفات العادية للعقيدة الإسلامية أو المخلة بالآداب العامة، فلماذا -كمثال فقط- تسمح كل دول المجلس بالمنشورات والمطبوعات والمجلات المخلة بالآداب العامة، والتي تملأ الحوانيت والدكاكين، بل إن بعضها يفرش على أرصفة الشوارع الرئيسة والعامة ليتأمل بها الرائح والغادي، وفي الوقت نفسه تمنع بعض دول المجلس مجلة «المجتمع» الإسلامية الأسبوعية الكويتية؟ هل أصبحت مجلة «المجتمع» الإسلامية الأسبوعية الكويتية مخلة -لا سمح الله- بما تسميه الاتفاقية بالآداب العامة؟ أم أن مجلة «المجتمع» صارت تروج للفكر -لا سمح الله- - الذي تصمه الاتفاقية بالإلحاد والهدم؟ أم أن حقيقة الأمر غير ذلك تمامًا كما يعرف من وضع الاتفاقية ومن سينفذها؟

4- وتقول المادة الثالثة للاتفاقية وهي تقرر مبادئها العامة:

«قيام كل دولة من الدول الموقعة باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع مواطنيها من التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء» معنى ذلك عمليًا إنه لا يحق للكويتي -مثلًا- أن يعبر -مجرد تعبير- عن احتجاجه على سوء معاملة المعتقلين السياسيين في المنطقة، لأن ذلك ستعتبره الدول الأطراف في مجلس التعاون والتي ستوقع الاتفاقية بأنه تدخل في الشؤون الداخلية. ومعنى ذلك أن تستفرد كل دولة من دول مجلس التعاون بمواطنيها دون أن يكون لأي مواطن في الخليج حق التعبير -مجرد التعبير- عن الاحتجاج. إذا كان الأمر كذلك فكيف ستبنى دول مجلس التعاون «مجتمع الخليج الواحد» الذي يكرر أمين عام المجلس الحديث عنه؟

5- تقول المادة الخامسة وهي تقرر مبادئ عامة للاتفاقية: «تقديم التسهيلات اللازمة في مجالات التعليم والتدريب لمنسوبي وزارات داخلية الدول الأعضاء في المعاهد والكليات والمؤسسات المتخصصة» وفي هذا الصدد نشير بأن دول المجلس أخذت منذ فترة ترسل بعض المنتسبين لوزارات داخليتها في دورات أمنية للولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وكندا وألمانيا الغربية، وفي هذا -في تصورنا- مخاطر لا يستهان بها على أمن كل من النظم والشعوب في منطقة الخليج، إذ من شأن ذلك تنمية الجيوب الأمنية المرتبطة بالخارج، وفي النهاية ستفقد هذه النظم سيطرتها على أجهزتها الأمنية، ويكون بعد ذلك ما يكون، وتجارب الدول العربية في هذا المجال حافلة بالدروس والعِبر ولا داعي للإطالة في هذا المجال.

6- في الفصل الثاني من الاتفاقية والمعنون بـ «مكافحة التسلل والتهريب» تتناول المواد ١٠ - ١٥ هذا الموضوع لعل أخطرها -من حيث الدلالة السياسية- مادة ١٢ والتي تجيز لما أسمته الاتفاقية بـ «دوريات المطاردة» التابعة لأي دولة من الدول الأعضاء اجتياز حدود الدولة المجاورة لمسافة عشرين كيلو مترًا. المادة كما هي تجرح سيادة ما أسمته الاتفاقية بـ «الدولة المجاورة» على أراضيها، ثم إن هذه المادة قد تكون في المستقبل غطاءً جيدًا للتدخل العسكري في شؤون الدول الأصغر أو الأضعف في مجلس التعاون.

7- في الفصل الثالث المعنون بـ «مكافحة الجريمة» تقول المادة ١٦ من الاتفاقية: «تبادل أسماء أرباب السوابق الخطرة والمشبوهين والتبليغ عن تحركاتهم ومنع سفرهم، كلما كان ذلك ممكنًا في المناسبات التي تستدعي مثل هذا الإجراء بالإضافة إلى تبادل قوائم الأشخاص غير المرغوب فيهم» طبعًا يشمل هذا النشطين سياسيًا، ومعنى ذلك أن المواطن الخليجي الذي يرغب بالقيام بمهماته التاريخية إزاء وطنه وشعبه، ممكن أن يتعرض لكل ضروب القمع والعزل الاجتماعي والمنع من التحرك والسفر كل ذلك في إطار من القانونية المصطنعة.

8- المادة ٢٤ من الاتفاقية والتي تتناول موضوع الاعتداء المادي على رؤساء الدول الأعضاء أو أصولهم أو فروعهم أو زوجاتهم، أو الاعتداء على أولياء العهد وأفراد الأسر الحاكمة والوزراء وفي حكمهم تعبر تعبيرًا صارخًا عن رسوخ ظاهرة الإقطاع السياسي في دول مجلس التعاون، وهي ظاهرة سياسية غير متناسقة على الإطلاق مع صفات العصرية التي تحاول أن تظهر بها دول المجلس أمام العالم في المحافل الدولية.

● أعتقد بأن تنفيذ هذه الاتفاقية في دول المجلس يستهدف في الأساس القضاء على أي نشاط سياسي معارض لأنظمة الدول الأعضاء في المجلس. في الوقت نفسه لا أعتقد أن تنفيذ هذه الاتفاقية -مع ما قد يلحقها من إضافات في المستقبل- سيحقق أو سينجح في تحقيق ذلك الهدف، كذلك أعتقد أن أكبر الأطراف المتضررة من وراء هذه الاتفاقية سيكون الكويت وتجربته النيابية وحياته السياسية بالرغم مما فيها من خلل وعيوب جوهرية. وإن تنفيذ هذه الاتفاقية سيوفر كل المبررات الموضوعية لإحداث التغيير في المنطقة بالأساليب العنيفة كما أن هذه الاتفاقية هي خير مبرر للأنشطة الحزبية التي تقول مقدمة الاتفاقية إنها جاءت لتكافحها. وأخيرًا ونقول إن الشعوب قد تمهل أحيانًا -بفعل تكالب الظروف السياسية عليها- غير أنها لا تهمل ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21) ولا نقول إلا كما قال عمر بن عبد العزيز: «اللهم إن الدنيا ملئت ظلمًا وجورًا فأرح الناس».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

159

الثلاثاء 05-يناير-1971

الجامعة والأساتذة الزائرون[1]

نشر في العدد 5

152

الثلاثاء 14-أبريل-1970

هل نستجيب؟