; زعيم مسلمي غرب البلقان د. مصطفى تسيريتش لـ «المجتمع»: الإصلاح في البوسنة مرهون بالانتقال من مرحلة «دايتون» | مجلة المجتمع

العنوان زعيم مسلمي غرب البلقان د. مصطفى تسيريتش لـ «المجتمع»: الإصلاح في البوسنة مرهون بالانتقال من مرحلة «دايتون»

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 31-أكتوبر-2009

مشاهدات 56

نشر في العدد 1875

نشر في الصفحة 32

السبت 31-أكتوبر-2009

أعرب رئيس علماء البوسنة وزعيم المسلمين في منطقة غرب البلقان د. مصطفى تسيريتش عن اعتقاده بأن التصريحات الصربية المعادية للبوسنة ليست سوى نوع من الأذى السياسي، وأن مواقف الرئيس الكرواتي «ستيبان مسيسيتش» أكثر عقلانية مقارنة بصربيا، نافيًا أن تكون هناك نية لسحب القوات الدولية من البوسنة، ومشيرًا إلى أن السياسة الأمريكية في البلقان أكثر تفهما لطبيعة الخلافات وطرق حلها من السياسات الأوروبية.

وتطرق - في حواره مع «المجتمع» - إلى الوضع في «السنجق» الذي يخطو بتؤدة نحو مكان تحت الشمس بفضل الله أولًا، ثم بالجهود الكبيرة التي يقوم بها المفتي «معمر زوكارليتش»، مؤكدًا أن الإسلام يثبت في مجال الحضارة أنه الأرقى والأكثر إنسانية قديمًا وحديثًا...

وفيما يلي تفاصيل الحوار:

  • هناك تهديدات جدية تواجهها البوسنة في الذكرى الـ (١٤) لتوقيع اتفاقية دايتون»، سواء فيما يتعلق بصرب «بلجراد»، أو الصرب في البوسنة الذين طالبوا في وقت سابق بموافقة البوشناق والكروات على انفصال «جمهورية صربسكا».. فكيف تنظرون لهذه التهديدات؟

- أعتقد أن التصريحات الصربية التي تتحدث عن انفصال صرب البوسنة أو التشكيك في سيادة البوسنة واستقلالها، أو التي تهدف إلى عرقلة الإصلاحات سواء من داخل البوسنة أو عبر الحدود، وتحديدًا «بلجراد» هي نوع من الأذى السياسي أكثر منها حقيقة؛ حيث إنها لا يمكن أن تؤثر على سيادة البوسنة واستقلالها أو تغيير حدود البوسنة المعترف بها دوليًا، فصربيا أقل قدرة على ارتكاب جريمة ابادة كالتي قامت بها في تسعينيات القرن الماضي، وكرواتيا مشغولة بنفسها ومثقلة بالديون.

  • هل يمثل الموقف الجيد للرئيس الكرواتي ستيبان ميسيتش عزفًا منفردًا حتى في كرواتيا ذاتها، مقارنة بموقف التجمع الكرواتي الديمقراطي الذي تقوده « يادرنكا كوسور»؟

- الرئيس «ميسيتش» على درجة كبيرة من الوعي بقضية البوسنة، وهو بكل المقاييس أفضل من الرئيس الكرواتي السابق «فرانيو توجمان» الذي كان قوميا متطرفا بل فاشيًا.. وكرواتيا تمر اليوم بعملية ديمقراطية، وهناك بعض الأخطاء التي ترتكبها حكومة «كوسور».

مسألة وقت

  • ما موقف البوسنة بين المطالب الأوروبية بالإصلاحات، والرفض والعرقلة الصربية لهذه الإصلاحات والتمسك بامتيازات اتفاقية «دايتون»؟

 - عملية الاصلاح في البوسنة بطيئة: إذ يجب الانتقال من مرحلة «دايتون» التي كانت اتفاقية لوقف الحرب، وما نحتاجه هو إصلاحات دستورية، والعملية ليست سهلة بل إنها غاية في الصعوبة، ولكن لا خيار أمامنا، فالبوسنة يجب أن تكون عضوًا في الاتحاد الأوروبي وفي حلف شمال الأطلسي «ناتو»،

والمسألة مسألة وقت فقط. 

  • ماذا عن الموقف الأوروبي من انضمام البوسنة إلى الشراكة الأورو- أطلسية»، وسط هذه المعمعة؟

-الأوروبيون يدركون أن إرساء السلام والاستقرار والحفاظ على الأمن يتطلب ضم دول غرب البلقان إلى الاتحاد الأوروبي، كما أنهم يدركون أن الحرب في غرب البلقان ليست في أراض بعيدة، وإنما في بيتهم.

  • هناك حديث عن سحب القوات الدولية من البوسنة، ما انعكاسات ذلك على البوسنة خصوصا أن رفع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أيديها من البوسنة سيؤدي لزعزعة الاستقرار الهش؟ 

سراييفو هي «قدس» أوروبا.. وفيها تعدد للثقافات منذ إعلان محمد الفاتح «عهد ناما» للفرنسيسكان عام ١٤٦٣م

 رئيس كرواتيا الحالي «ستيبان ميسيتش» أفضل بكل المقاييس من رئيسها السابق «فرانيو توجمان» الذي كان قوميًا متطرفًا

الصرب دمروا ۱۷ مسجداً في البوسنة أعدنا بناء ١٤ مسجدًا منها.. والمسلمون لم يهدموا أية كنيسة لأن دينهم رقيب عليهم ويمنعهم من هذا 

- هذه محاولات من قبل المجتمع الدولي للضغط على السياسيين المحليين، ونأمل أن تكون الدعوة الأوروبية لإصلاحات جادة؛ بحيث تتم ممارسة الضغوط اللازمة على الأطراف المناوئة للإصلاحات، ولكن ذلك ينبغي أن يتم باتفاق أوروبا حول الأسس التي يجب اتباعها في ذلك، فأوروبا لا تزال مترددة بين الذين يقولون: تعبنا من البوسنة ويريدون التبرؤ من دورهم فيما جرى، وبين الذين يريدون أن تكون هناك مساهمة أكثر فعالية من أجل دفع البوسنة إلى الشراكة «الأورو- أطلسية».

الموقف الأمريكي

  • وماذا عن الموقف الأمريكي مما يجري في البوسنة؟

- الـسـيـاسـة الأمـريـكـيـة فـي البلقان عقلانية ومتوازنة، والموقف الأمريكي في البوسنة أفضل مما هو موجود على الساحة فالولايات المتحدة أصبحت تتفهم قضية البوسنة، وتشجع على تعدد الثقافات والأديان أكثر من أوروبا، وهناك قرار أمريكي بإرسال مبعوث خاص للرئيس «باراك أوباما» إلى البوسنة، ونحن نتطلع للأفضل مع إدارته، وقد زار نائبه «جوزيف بايدن» البوسنة في يونيو الماضي، وأعلن موقفًا جيدًا بخصوص سيادتها واستقلالها ومستقبل اندماجها في الشراكة «الأورو- أطلسية».. ونود أن يكون هناك دور أكثر فعالية لأن الذين يعرقلون الإصلاحات معروفون، ولا يمكن أن يوافقوا عليها إذا تُرك الأمر لهم. 

  • ما هي نقاط الخلاف بين الموقف الأوروبي والأمريكي في البوسنة؟ 

- في البداية أوروبا لم تتفهم قضية البوسنة، ولم تلاحظ البعد الإستراتيجي للموقف الروسي المناصر للصرب وظلمهم في المنطقة، فروسيا عائق حقيقي لتقدم البوسنة، ولديمقراطيتها وحقوق الإنسان فيها ولإحداث التغيير في البوسنة نحتاج لوجوه جديدة.. أما الصرب فهم متورطون أفرادًا وجماعات في حرب الإبادة التي تعرض لها المسلمون في البوسنة، لذلك هم خائفون ولا يريدون أن يكونوا جزءًا من البوسنة.

 إذاعة «بر»

  • الإسلام والمسلمون وأنتم شخصيًا كنتم ضحايا ظاهرة «الإسلاموفوبيا» «الخوف المرضي من الإسلام» في البوسنة، والتي يقودها شيوعيون عملاء لجهات خارجية تمولهم وتوفر لهم الغطاء الأمني والسياسي والإعلامي.. كيف تنظرون لهذه الهجمات التي تعرضتم لها شخصيًا؟ 

- رب ضارة نافعة، فالتلفزيون الفيدرالي دفعنا بطريقة غير مباشرة إلى إنشاء إذاعة «بر» وهي إذاعة لها مستمعون كثيرون ومؤثرة في المجتمع.

  • ما انطباعكم لدى زيارتكم للسنجق الذي تسكنه أغلبية مسلمة من البوشناق تحت الهيمنة الصربية منذ عام ١٨٧٨م؟

- أنا فخور بالمسلمين في السنجق وبمفتي السنجق «معمر زوكارليتش»، وأعتقد أن ما يحدث هناك قيمة جديدة للمسلمين في البلقان، ولكن «بلجراد» تسعى للتفريق بين المسلمين في كل من السنجق والبوسنة، في حين تعمل على تقوية روابطها بالصرب في كل مكان. 

وترتكب «بلجراد» خطأ فادحًا عندما تظن أن بإمكانها التفريق بين المسلمين في السنجق والبوسنة ليسهل عليها حكمهم.. ومن جانبي، أعتبر زيارتي للسنجق من أهم الزيارات في حياتي، فقد وجدت مسلمين لم أكن أعرفهم، يقومون بجهود قوامها الصدق والإخلاص للإسلام.

  • جامع «الفرهادية» في «بنيالوكا» الذي هدمه الصرب عام ١٩٩٣م ، لماذا لم تتم إعادة بنائه حتى الآن؟

- جامع «الفرهادية» هو واحد من ١٧ مسجدًا دمرها الصرب أثناء العدوان، وقد أعدنا بناء ١٤ مسجدًا منها وبقي ٣ مساجد؛ الفرهادية واحد منها، وعملية إعادة بنائه جارية، وتتراوح تكلفتها بين ٦ و۱۰ ملايين يورو، وكان الصرب قد هدموا ۲۰۰ مسجد في «بلجراد» وحدها.

موقف حضاري

  • في أثناء العدوان على البوسنة لم يهدم المسلمون أية كنيسة، مما عده البعض وجها من وجوه ومعالم التفوق للحضارة الإسلامية مقارنة بغيرها؟ 

- «سراييفو» هي «قدس» أوروبا؛ حيث فيها تعدد للثقافات أرساه الإسلام، ففي عام ١٤٦٣م أعلن محمد الفاتح «عهد ناما» للفرنسيسكان، وضمن لهم ممتلكاتهم وحقهم في ممارسة شعائرهم، وهذا موقف حضاري لا نزال نفتخر به حتى اليوم.

ومعيار تفوقه أنه كان في عصر كانت البربرية تسود أوروبا، فلا يمكن قياس ذلك العصر بالقرن الحادي والعشرين؛ حيث لم تكن هناك «أمم متحدة»، ولا معاهدات جنيف، ولا الميثاق العالمي لحقوق الإنسان وإنما كان نابعًا من الثقافة الإسلامية المستمدة من تعاليم الإسلام وفقه رجالاته العظام.. وفي ذلك الوقت كان محمد الفاتح يمثل القوة العظمى الأولى في العالم، ولم يكن هناك من كان بمقدوره محاسبته سوى شعوره برقابة خالقه كما فهمها من دينه وعقيدته، وقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيِّنَ الرَّشْدُ مِنَ الغَي﴾ (البقرة: ٢٥٦)، وقوله: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية:22)، وقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبِّكَ لآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرَهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:99).

الرابط المختصر :