; الإصلاح الإداري هل يبدأ بالبلدية؟ | مجلة المجتمع

العنوان الإصلاح الإداري هل يبدأ بالبلدية؟

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1981

مشاهدات 68

نشر في العدد 535

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 07-يوليو-1981

الحكومة قبل الشعب تعترف بعدم كفاءة الجهاز الإداري وترهله، ولعل أحد مشاكل الإدارة عندنا أن الاعتراف بعدم الكفاءة والترهل لا يكون إلا عندما تظهر مشكلة كبيرة تهز المواطنين في الأعماق كقضية الانفجارات وتهديد الأمن التي جعلت الحكومة على لسان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء تهاجم أجهزة وزارة الداخلية وتطالبها بالإصلاح، ولكن ما إن تخف المشكلة ويذهب ضجيجها الإعلامي يبقى كل شيء على حاله، اللهم إلا تغيير بعض الوجوه في بعض الحالات، وكأن اعتراف الحكومة أو انتقادها للجهاز الإداري أيًّا كان موقعه لا يزيد عن كونه لولبًا لامتصاص الصدمات وتطمين المواطنين إلى أن الحكومة فعلت شيئًا!

ولأننا نُدرك أن الإصلاح الإداري لا يمكن أن يتم مرة واحدة وبسرعة كبيرة لعدة أسباب:

 أولها وأهمها فقدان روح المتابعة والمحاسبة لدى الحكومة وأجهزتها المختلفة، ولدى المواطنين كذلك، فإننا نرى أنه يمكن بدء الرحلة من الواقع ومن آخر محطة تلمس المواطنين والنواب والحكومة أهميتها وحساسيتها وكثرة المشاكل فيها ألا وفي محطة بلدية الكويت.

التصاق بحياة المواطن

وتأتي فكرة الانطلاق في طريق الإصلاح الإداري من البلدية لعدة أسباب:

*‏ فالبلدية من أقدم الأجهزة الإدارية في البلاد وأكثرها اختصاصات وإعمالًا.

*‏ وهي أكثر التصاقًا واتصالًا بالمواطن تبدأ من تخصيص قطع الأرض وتنظيم المواقع إلى الحصول على رخص البناء وتراخيص المحلات التجارية والحرفية، وأحيانًا تثمين الأراضي والتعويض عنها، بالإضافة إلى العناية بالنظافة العامة وإزالة النفايات من الشوارع والمناطق السكنية.

 المهم أن كل مواطن لابد له أن يراجع البلدية لإنجاز معاملة واحدة على الأقل من المعاملات.

ولأهمية هذا الدور وحساسيته يجب أن تكون البداية من البلدية.

وهذا لا يعني أن الأجهزة الحكومية الأخرى مُبرأة من الشلل الإداري، بل إن كثيرًا من مشاكل البلدية كما ذكر أعضاء المجلس البلدي سببها الحكومة بشكل أو بأخر.

* والبلدية كما يشعر المواطن وكما تبين من مناقشات مجلس الأمة وردود مسؤولي البلدية تعاني من مشاكل كثيرة تتطلب سرعة البت قبل الاستفحال واستعصاء الحل.

مشاكل وعيوب

وبما أن البلدية جهاز إداري حكومي فإنه يعاني من المشاكل التي يعانيها الجهاز الإداري للدولة وخاصةً الروتين وتعقيد إنجاز المعاملات بحيث يشعر المراجع وكأنه في رحلة عذاب وليس في رحلة إلى منزله أو متجره! ويتدرج ضمن هذه المشكلات ندرة الكفاءات الفنية بسبب قانون الخدمة المدنية وتدني مرتبات وبَدَلَات العاملين في البلدية بالنسبة إلى العاملين في مؤسسات حكومية أخرى أو في القطاع الخاص. لكن هنالك مشاكل وعيوب يجب أن تتناول بصراحة لمعالجتها علاجًا سليمًا. وقد بلغت هذه العيوب حدًّا جعل النائب جاسم الصقر يطلق على البلدية وصف «بؤرة فساد» وهو وإن وافق على حذف هذه العبارة من محاضر جلسات مجلس الأمة من قبيل المجاملة وحسن الأدب إلا أنه ظل مقتنعًا بالمسمى!

ولوضع النقاط على الحروف يحسن بنا الوقوف على أهم المشاكل والعيوب..

 فالبلدية كما قال النائب جاسم الخرافي بحق تعاني من الإغراق في المركزية حيث تكاد فروع المحافظات لا تنجز شيئًا ذا بال من معاملات المراجعين، وهذه المشكلة يمكن حلها عن طريق توسعة فروع البلدية في المحافظات وإعطائها صلاحية البت في إنجاز المعاملات

ولكن كما ذكر رئيس المجلس البلدي عبدالعزيز العدساني فإن البلدية بشكل عام تعاني من نقص الكوادر الفنية فكيف توفر مثل هذه الكفاءات لفروع المحافظات؟

ويقع جزء من المسؤولية تجاه هذا الأمر على البلدية وجزء أخر على الحكومة التي لا تسمح كادراتها الوظيفية بتوفير الكفاءات المطلوبة، وهذا حق، لكن المسؤولية الأولى تقع على البلدية نفسها لأنه كما يقول المَثَل "لا يضيع حق وراء مطالب"، والمركزية أسهمت كذلك بتعقيد الروتين وبطء عملية إنجاز المعاملات مما أثار شكوى المراجعين وحَمَل بعضهم إلى مطالبة النواب بكشف ما يجري في البلدية!

مخالفة القانون والتفريق بين المواطنين

 والعيب الكبير الذي تعاني منه البلدية هو مخالفة القانون والتفرقة بين المواطنين في المعاملة وهذا العيب قد وصل في بعض الأجهزة الحكومية الأخرى إلى حد الفساد والرشوة، وما لم يتم وضع حد له في البلدية فربما يُصبح سِمَة لها في المستقبل. ونظرًا لوجود عناصر مُخلصة ونزيهة في جهاز البلدية وخاصةً في المجلس البلدي، فإن المواطنين يأملون أن يصار إلى معالجة هذه المشكلة في أسرع وقت ممكن. ومشكلة تجاوز القانون والتفرقة بين المواطنين أو انتشار الواسطة والمحسوبية لها مظاهر كثيرة في البلدية منها:

- ١٢٠٠ مخالفة قانونية في رخص البناء فقط باعتراف الحكومة وتسويفها.

- ومنح بعض المواطنين رخصًا لبناء دور ودورين أو ثلاثة وأكثر وحِرمان مواطنين آخرين! وتجاوزات عن مخالفات شروط الإضافة مع مواطنين وتشدد في التطبيق مع غيرهم!

- وفي تخصيص الأراضي والقسائم السكنية كان هناك تفريق بين المواطنين من الساكنين في منطقة واحدة!

‏التثمين ليس عادلًا

ولعل أهم هذه العيوب هو عدم العدل في تثمين الأراضي، فلقد تبين من نقاشات مجلس الأمة أن مزرعة في منطقة ما ثمنت بألف دينار، بينما ثمنت مزرعة أخرى في نفس المنطقة بثمانين ألف دينار!

ومع أن سياسة التثمين تبنتها الحكومة أصلًا كوسيلة لتوزيع دخل الثروة البترولية على الشعب وخاصةً عامتهم من محدودي الدخل، إلا أن مراجعة بيانات تثمين الأراضي تُبين أن الأغنياء من العقاريين هم الذين كانوا لهم نصيب الأسد من ميزانية التثمين.

ويُشاع بين الناس أن فلانًا وعلانًا ثمنت لهم البلدية أراضي لم تقتض المصلحة العامة تثمينها، بل اخترعت لها مشاريع غير مُخطط لها لينطبق عليها التثمين!

‏محكمة البلدية

ومن الإنجازات التي تمت في الماضي إنشاء محكمة البلدية التي تُحال إليها حالات مخالفات قانون البلدية، وذلك لضبط تصرفات المواطنين ولضمان انسجامها مع خطط البلدية لتخطيط البلاد وتحسين وضعها العمراني.

ولكن هذه المحكمة لم تحل إليها كثير من قضايا المخالفات لأن أصحابها من «الربع» أو الجماعة أو من ذوي النفوذ والسلطان!

‏وأما الذين أحيلت قضاياهم إلى المحكمة فكانوا في معظمهم من الفقراء أو من غير ذوي الجاه والنفوذ.. وفي هذه الحالة يقول القضاء كلمته ويطبق القانون!

- وما يقال عن تراخيص البناء يقال عن تراخيص المحال التجارية ومقار الشركات.

‏في سبيل الإصلاح

والآن بعد أن ناقش مجلس الأمة ميزانية البلدية وأقرها ورفع توصياته لإصلاح البلدية، الأمر الذي اعتبره مسؤولو البلدية طعنًا في كرامتهم لابد من خطوة نحو الإصلاح على أساس رشيد.

ولعل هذه الخطوة تبدأ باعتراف البلدية بما تعانيه من مشكلات ومثالب وتعمل على تنفيذ قرار المجلس البلدي نفسه، ورغبة بعض النواب بتشكيل لجنة للتحقيق فيما قاله النواب من ملاحظات «واتهامات‏» ومحاسبة كل من يثبت بحقه مخالفة القانون.

ولكن لجنة التحقيق هذه لن تحل إلا جزءًا من المشكلة إذا ما قدر لها أن ترى النور، فالمسؤولية على أية حال تظل عامة وتقع على عاتق الحكومة أولًا وعلى عاتق المواطن الموظف والمواطن المراجع ثانيًا. وإصلاح البلدية باختصار حتى ينجح يجب أن يتم ضمن خطة عامة لإصلاح الجهاز الإداري للدولة.

وما لم يتم الأخذ على أيدي المتواطئين من قيادات الأجهزة الإدارية والفنية للبلدية مع ذوي النفوذ من رجال السلطة والمال والتجارة فسيظل هذا العيب موجودًا ولو أخذت البلدية بأحدث النظم الإدارية!

وبالنسبة للمجلس فإنه ينبغي عدم السكوت والرضا بما قاله عند مناقشة ميزانية البلدية.

إذ إنه وحتى يكون قادرًا على تحقيق رغبات الناخبين لابد من المتابعة والمحاسبة في كل دورات الانعقاد دون كلل أو ملل.

أما المشاكل التي تواجهها البلدية بسبب سياسة الحكومة الوظيفة العامة فمطلوب من إدارتها الإصرار على حلها.

وبعد هل تدرك البلدية والسلطتان التنفيذية والتشريعية أن الكويت لابد لها من إصلاح إداري شامل، وأن نقطة البداية تحبذ أن تكون من البلدية، ثم هل سترى اقتراحات الإصلاح سبيل التنفيذ؟

ذلك ما يسأله كل مواطن ويده على قلبه ألا يسمع غير الوعود والآمال!

الرابط المختصر :