; الإسهامات العربية في قيام إسرائيل تتدفق | مجلة المجتمع

العنوان الإسهامات العربية في قيام إسرائيل تتدفق

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1372

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

تتدفق الحقائق هذه الأيام بكثرة كاثرة وعظيمة..فهناك حقائق تعرف لأول مرة، وهناك حقائق تذهل السامعين، وأخرى تفجعهم، وأخرى أغرب من الخيال وفوق التصور، وتكون كارثة بكل المقاييس، وكنت دائمًا أحدث نفسي: لماذا كل هذا الانهيار الذي يصيب الأمة في فترة وجيزة من الزمان، وهذا الهدم الذي تتعرض له المنطقة في سرعة مذهلة هذه الأيام؟ وكنت أتأمل مسلسلات الانحدار المذهل الذي ينخلع له القلب، ويتفطر له الفؤاد، فأقول: يستحيل أن يكون هذا شيئًا طبيعيًا، وأمرًا عفويًا، وإنما هو نتيجة حتمية لشيء ما يساويه في القوة، ويوازيه في الدمار.

وكانت أمواج الشك في أشياء كثيرة تتمايل أمام مخيلتي، وتتراقص تجاه ناظري، يساعد في عدم وضوحها ظلام الليل العربي وتعتيم إعلامه، وتكميم الأفواه، وقطع الألسن، وضرب سياجات صلدة من الأسوار الحديدية المتعاظمة على الأخبار والحقائق، وتعالي أصوات «الأرجوزات» والسحرة بإطراء الأفاكين والمجرمين، وكثرة الأصباغ التي تتراكم على وجوه العجائز والمتسولين، ولكن التاريخ لا يظل صامتًا طويلًا، والحقائق لا تتوارى كثيرًا رغم الشعوذة والدجل، أو التهاويل والأكاذيب، فإذا بالمستور يطفو على سطح الأمة، ويلقي به موج البحار السود قذرًا وقبلًا وقيحًا، يلوث الشواطئ، ويزكم الأنوف ويكشف العورات.

فبعد أن سمعنا أن جمال عبد الناصر على صلة حميمة باليهود، وكان يجتمع بهم المرة تلو الأخرى، وكان يخرج على الشعب والأمة بالخطب الرنانة والأحاديث الملتهبة التي كانت تجأر بإلقاء اليهود في البحر، وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وزاد من فجيعتنا أن صديقه الحميم وصاحبه الأمين، ورفيق كفاحه الملاصق له «حسن التهامي» هو الذي يذكر تلك الحقائق على صفحات الجرائد مرة، وعلى موجات الأثير وقنوات التلفاز مرات ومرات، متحديًا أن يكذبه أحد، وتتوالى الأخبار والأحاديث عن عمالته للأمريكان..إلخ، ويتحدث رفاق عبد الناصر عن الكثير والكثير من الحقائق المذهلة التي تكفي لتلوث مياه المحيطات والبحار والخلجان.

ثم يكشف رئيس وزراء إسرائيل إسحاق رابين علاقة جلالة الملك حسين بالدولة الصهيونية، وصداقته الحميمة لإسرائيل من ٢٥ عامًا بالتمام والكمال، والعهدة على الراوي الهمام، وتتوالى الأخبار عن علاقة الملك الحسن الثاني- طيب الله ثراه- بإسرائيل من ٤٠ عامًا، وأن صلته الوثيقة بالدولة اليهودية كانت في غرام وهيام على طول الزمان والوقت والأوان، ثم يتحدث محمد حسنين هيكل الصحفي المشهور عن مؤتمرات القمة العربية التي كان يسمح فيها الملك الحسن- طيب الله ثراه- للإسرائيليين بالتجسس عليها، ونقل أخبارها، وتحليلها أولاً بأول، ولحظة بلحظة..إلخ، ثم يأتي الحديث عن أصحاب الفكر وأرباب التوجيه، وأصحاب الأقلام، فتكون المصيبة أعم، والخطب أطم، والكارثة أفظع، والحيرة أشد، حتى تخال نفسك غريبًا في مجتمع غريب يحب الكوارث.

يقولون ما بال اليهود تحبهم                          وأهل العمى من أعرب وأعاجم

فقلت لهم إني لأحسب حبهم                        سرى في قلوب الخلق حتى البهائم

تظهر العلة كل يوم جلية في قيادات جيل أصيب في سويداء قلبه، وجهاز توجيهه، ولقد كان آخر ما يتصوره كثير من المخلصين أن تحل كارثة الخيانة بالمثقفين وأصحاب الأقلام، الذين يدعون أنهم رواد للثقافة، وطليعة للتوجيه والإرشاد، ولكن الأيام تخرج لنا من تحت أنيابها الكثير، وتقذف لنا من بين جوانحها صفحات عجافًا، وسطورًا مجللة بالسواد من سير البعض الذي تربى في أحضان الصهيونية، وتتلمذ على فكرها، واقتات على موائدها، فتنشر لنا الأهرام العربي في 14/8/1999م، أخبار ثلة من المثقفين اليساريين، ونخبة من رموزهم وقادتهم، ومن المتصدرين للعمل الوطني في مصر الذين كانوا على علاقة باليهود ويعملون لحساب الصهيونية سرًا.

ولقد كشف هذا الأمر التنافسات المالية، حينما اكتشف بيان للحزب الشيوعي السري، عن اختلاسات مالية بالملايين من تبرعات للحزب من جهات غير معلومة، فكسر لأول مرة جدار الصمت إبراهيم بدراوي- الناطق باسم الحزب الشيوعي المصري- وتحدث ليكشف أشياء خطيرة ومعقدة، ويكشف العلاقة بين الرموز والصهيونية وإسرائيل فقال: «إن اثنين من الصحفيين في صحيفة «الأهالي» كانا حلقة اتصال بين حسين عبد الرازق، وفريدة النقاش، وبين يوسي عميتاي ضابط المخابرات الإسرائيلي، وقام هذان الصحفيان في جريدة الأهالي بجلب «يوسي عميتاي» إلى مقر الجريدة، ثم بعد ذلك ظهرت مجموعات من الرسائل المتبادلة بين هؤلاء الرموز وبين هنري كوربيل، انصبت على ضرورة الترويج للصلح مع إسرائيل، وأن اليهود لهم حق في فلسطين لا يلغى بالتقادم، وأن هنري كوربيل هذا قد بنى شبكة شديدة السرية من المثقفين في باريس، وما زال خلفاؤه يديرونها من بعده، ولقد كتب يوسي عميتاي مقالًا في «الحياة» عن علاقته برفعت السعيد منذ عام ١٩٧٣م، وحتى قبل أن يذهب السادات إلى إسرائيل، أو يفكر في قضية الصلح.

ولقد كان من مهمة هذه الشبكات الدعوة إلى إقامة مؤتمرات يحضرها هؤلاء المثقفون للترويج للتطبيع والفكر الصهيوني، كما حدث في مؤتمر لاهاي، حيث انعقد هناك أحد المؤتمرات التي تلعب فيه الصهيونية أدوارها بين المثقفين العرب، وكانت هيئته الرئاسية تضم شيمون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، وقام بهيج نصار أحد الشيوعيين القدامى بعمل التحضيرات لذلك، ثم كشفت الأخبار عن أن اتصال هذه الرموز كان يتم من مكتب الاستاذ محمود أمين العالم المثقف المعروف، وكانت الفاكسات والتليفونات تتم بعلمه، وتحت سمعه وبصره بشكل يومي، لأخذ التوجيهات والإرشادات من اليهود، وكذلك إرسال بيانات من مصر عن منظمات وأشخاص وتوجهات داخل المجتمع المصري.

والغريب أن هذه الاتصالات بدأت قبل خمسين عامًا، واستمرت حتى اليوم، ولم يكشف أمرها، وحتى بعد أن اكتشف أمرها تمر، وكان شيئًا لم يكن، هل هذا توجه يراد، أم لأن الكل في الهوى سواء، والكل يعرف الكل، والأوراق تلعب على المكشوف؟

فقلت بعد هذا: لا بد أن يعرف الجميع لم كان حجم الانهيار مهولًا، وقوة الهدم سريعة وكارثية، وكم كان حجم الإسهامات العربية في تمكين إسرائيل من أرضنا ورقابنا كبيرًا ومدمرًا ومهلكًا.. أعان الله المخلصين، ووفق العاملين المؤمنين، ورحم الله الشرفاء الوطنيين المكافحين، الذين قضوا نحبهم شهداء بررة ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا، وما استكانوا، والله يحب الصابرين، أمين.. أمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 150

78

الثلاثاء 15-مايو-1973

لا نصر.. دون استراتيجية واضحة!