العنوان الإسلام يتحدى الغرب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1979
مشاهدات 81
نشر في العدد 448
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 05-يونيو-1979
الإسلام يتحدى الغرب
إعداد: قسم الترجمة
- جاك بيرك: ظاهرة العلمانية غريبة عن الاسلام.
- قوة العرب ليست في نفطهم، بل في الأصالة الفكرية.
ماض مجيد ومستقبل حافل بالمشاكل:
أجرت مجلة نوفيل أو بسيرفاتير هذا اللقاء مع جاك بيرك «المستشرق الفرنسي صاحب المؤلفات العديدة حول العالم العربي والإسلامي» بمناسبة ظهور كتابه الجديد «الإسلام والتحدي»، ونحن نقدمه للقراء كنموذج للتفكير الاستشراقي الذي يحاول تقييم الصحوة الإسلامية الجديدة.
-نوفيل أو بسيرفاتير: ماذا يعني الغليان الذي يشهده العالم العربي حاليًا من المحيط الأطلنطي إلى جبال بامير، ومن الصحراء الغربية حتى إيران الشيعة؟
جاك بيرك: لمعرفة ما يحدث الآن في العالم الإسلامي يجب طرح جميع الأنظمة الاجتماعية والسياسية والمادية من الحساب، والتأكد من أن الإسلام يمر بمرحلة كمال ثوري، وثورته ثورة ثقافية قبل كل شيء.
نوفيل أو بسيرفاتير: قلت في كتابك «اللغة العربية المعاصرة» إن العلاقة بين الإسلام والغرب إما أن تتسم بالمشاحنة وإما أن تتسم بالود، أليس لديك الانطباع الأن إن المشاحنة تغلب على الود في هذه العلاقة؟
-جاك بيرك على كل حال لا ينطبق ذلك على الثورة الخمينية التي تعلن إسلامًا يستمد جذوره من ماض ومن استقلالية ثقافية تفتقر إلى الكمال.
إن ما تذكره يمكن أن ينطبق على حركات إسلامية أخرى تختلف كثيرًا عن الحركة الخمينية مثل حركة الإخوان المسلمين في مصر وفي بلاد أخرى، إن هناك ميلًا حاليًا لدمج كل الحركات الإسلامية حسب تصوير الغرب لها بمفهوم «التعصب الديني» الإسلامي،وفي الحقيقة يجب تحليل عشرات النماذج الإسلامية التي تشكل مجموعها حقيقة وتنوع ذلك التشرد الإسلامي.
في كل أطوار التاريخ تواجد إسلام ثوري إلى جانب إسلام رسمي وكان الأول هو الذي يقضي دائمًا على الثاني:
-نوفيل اوبسيرفاتير: الثورة الإيرانية على كل حال تبدو فريدة في نوعها في التاريخ الإسلامي، فالحركة الشعبية التي أحدثتها هذه الثورة وجعلتها تكسب دولة وجيشًا وشرطة تجعلنا نتذكر أنها تشبه الثورات الأوروبية.
-جاك بيرك: لقد وجد دائمًا إسلام ثوري إلى جانب الإسلام الدستوري الرسمي وفي الغالب، فإن الإسلام الثوري هو الذي يقضي على الإسلام الرسمي، مثل ما حدث في العصور الوسطى عندما قام القرامطة أو الخوارج بثوراتهم الراديكالية.
-نوفيل اوبسيرفاتير: لقد أفزع الإسلام العرب في القرن الثالث عشر ميلادي أليست أوروبا في هذا الوقت تشعر بعقدة نقص تجاه عالم إسلامي له ثقافته العالية وثروته الهائلة؟
-جاك بيرك هذا ما يتكرر حاليًا فالنفط حل محل ذهب العصور الوسطى، و أصبح الشرق يسيطر على قوة مالية قادرة على قلب موازين القوة في العالم.
يضاف إلى ذلك أن العالم العربي أكثر من أي جزء من العالم الثالث قادر على هز أقوى الدول منه من حيث التنظيم والسلاح.
إن السؤال المهم الذي يطرح نفسه الآن هو:
لماذا يستطيع العالم العربي أن يهز أكثر الدول قوة؟
-نوفيل اوبسيرفاتير بما أنك طرحت السؤال بنفسك فما ردك عليه؟
قوة العرب ترجع إلى أصالتهم لا إلى نفطهم:
-جاك بيرك:
-في رأيي أن قوة العالم العربي لا ترجع إلى النفط بل إلى قوة الأصالة، لقد مضت فترة طويلة على الغرب دون أن تدرك من هذه الأصالة سوى جانب القومية العربية التي تجسمت في الثورة المصرية والثورة الجزائرية، لكن عصرًا جديدًا قد رأى النور وهو يعتمد على الثقافة الإسلامية وتلك الظاهرة لم يتم اكتشاف أبعادها حتى الآن بما فيه الكفاية.
-انوفيل اوبسيرفاتير: هل تقصد أن التطور الحاصل في العالم العربي سيقود الغرب إلى قبول تطور من نوع غير مألوف؟
-جاك بيرك: تعرفون أن الثقافة في بعدها الديني قد لا تؤخذ على محمل الجد عندما تستخدم كعامل لفهم التاريخ إلى جانب عوامل الجغرافيا السياسية أو صراع الطبقات، ومع ذلك فالثقافة هي الأساس لنتخيل عالمًا في السياسة قد حاول دراسة خطب الخميني عندما كان في قصر نوفيل شاتو بفرنسا، إنه من المؤكد لن يجد في تلك الخطب قوة خارقة تقدر أن تهز توازن العالم، فهذا ما حصل فعلًا، لكن عندما يتم إطلاق هذه القوة التغييرية يجب أن لا تتوقف ولا بد من اتباعها بمرحلة البناء، هذا مع الأسف ما لم تتوصل إليه الثورة الإيرانية حتى الآن فهذه الثورة تبدو أنها انحصرت في القيام ببعض التصفيات الجسدية وأصبحت أسيرة حركة دينية ذات برنامج يصعب القبول به، ومع ذلك فليس من المستحيل أن تتبدل الأمور.
الإسلام يختلف عن المسيحية بأنه دين وسياسة:
-نوفيل اوبسيرفاتير: على كل حال إن المرء يشعر بأن هنالك نوعان من الإسلام: نوع يتسم بالتسامح كما حدث في الأندلس، ونوع آخر يتسم بالتقشف والهجوم.
جاك بيرك: هذان النوعان وجهان لإسلام واحد.
-نوفيل اوبسيرفاتير: إن الإسلام يتميز بأنه دين وسياسة في آن واحد، وأنه قابل للتغييرات غير المتوقعة وهذا ما يفزع الغرب في شأنه.
-جاك بيرك: هذه نقطة هامة فالإسلام يختلف عن المسيحية بأنه يتصف بالازدواجية بين الروح والمادة - الدين والسياسة - وهو ما يصعب على غير مسلم أن يستوعبه، ومن أجل هذه الازدواجية يستطيع المسلم أن يحقق نجاحات فى جميع معاملاته اليومية فإن المعاملات الاجتماعية كلها سواء كانت تشريعية، أو ثقافية أو اقتصادية منصوص عليها في الإسلام لكن بطريقة إجمالية وانطلاقًا من تلك الازدواجية يمكن القول بأن ظاهرة العلمانية غريبة على الإسلام، ومن هنا يأتي عدم وضوح الأمور لدى الغرب عندما يرون الأمام الخميني يطالب بأن يشمل سلطاته جميع أوجه النشاط فى المجتمع حسب الشريعة الإلهية، وهذا التناسب طبيعي جدًا.
ظاهرة العلمانية غريبة عن الإسلام لإنه اتحاد الروح مع المادة:
نوفيل اوبسيرفاتير إذا كان التصور العلماني غريبًا عن التقاليد الإسلامية ألا يمكن ملاحظة تطور طارىء في هذا الإتجاه في الوقت الحاضر؟
جاك بيرك: إذا كان قصدك من العلمانية أنها اهتمام الشعوب بتدبير حياتهم بعيدًا عن الدين أقول نعم.
أما توحيد السلطة الروحية السياسية كما ينادي بها الإخوان المسلمون وكذلك الخميني فإنها تعرضت للإدانة من طرف بعض العلماء المشهورين.
-نوفيل اوبسيرفاتير: إلى أي مدى يمكن لعلماء التاريخ المتدينين أن يقتبسوا آراءهم من النصوص المقدسة بدلًا من استنباطها من الحقائق التي أوجدتها تلك النصوص، فالازدواجية التي - أشرتم إليها بين الدين والسياسة تتسم بصورة أخرى في العالم الإسلامي المعاصر مما يجعل تفاؤلكم نحوها أمرًا غريبًا.
تخبط فكري من جاك بيرك:
-جاك بيرك: الازدواجية بين الدين والسياسة لم تكن أبدًا في الإسلام كما تعتقد أنها لم توجد إلا في خطب العلماء، فالشئون الدنيوية في واقع الإسلام لم تطبق في أي عصر إلا كما تطبق حاليًا – في العالم الإسلامي ويخطئ كثيرًا من يتناسى ذلك، لكن بالتأكيد كانت هناك محاولات تبذل باستمرار من طرف العلماء -
الدينيين - للحفاظ على الأخلاق الكريمة من ناحية أخرى أنك تؤاخذ الشرقيين بأنهم يستشهدون دائمًا بآيات قرآنية، فعليك أن تدرك أن تأثير القرآن ملموس في العالم الإسلامي أكثر من وجود أثر التوراة والإنجيل في العالم المسيحي.
وتبسيطًا للأمور تجدر الإشارة إلى أن الجمهورية - الفرنسية – الثالثة العلمانية كانت قائمة في نفس الوقت على قيم مسيحية.
«من المؤكد أن الإسلام يمر حاليًا بمرحلة تجديدية».
-نوفيل أوبسيرفاتير:
ألا تعتقد أن الإسلام المعاصر مهدد بالعودة إلى أسالیب مبتذلة ترجع أصولها إلى الماضي؟
-جاك بيرك: حقًا في الأمر شيء من المجازفة لا يمكن إنكارها لكن الإسلام المعاصر قابل لأن يجسد تصورًا كاملًا للحياة، يمهد لإعادة انسجام الإنسان مع عالمه، وبتحقيق مثل هذا التصور يمكن أن تتحقق آمال عظيمة في العالم الإسلامي بعيدًا عن أساليب الركود والتحجر.
-نوفيل اوبسيرفاتير: تعتقد إذًا أن الإسلام المعاصر تحركه قوی تجديدية؟
-جاك بيرك: لا أعتقد ذلك بل أعرفه ومتأكد منه.
-نوفيل اوبسيرفاتير:
هل تعتقد أن التجديد الإسلامي الحالي سيهيء جو التفاهم بين العالم العربي والمعسكر الاشتراكي؟
-جاك بيرك: هذا التفاهم موجود سابقًا لكنه ما زال جزئيًا ومحدودًا.
-نوفيل اوبسيرفاتير:
لكن في مؤتمر إسلام أباد مؤخرًا أدانت أغلبية الدول العربية التدخل السوفياتي في أفغانستان؟
-جاك بيرك: عملية كابول أمر معقد للغاية، فمن الجائز أن يكون السوفيت قد أقدموا على هذه المراهنة ليقطعوا الطريق أمام عملية أمريكية محتملة في المنطقة، لأن ما نشهده حاليًا ربما تكون عملية طبخ ليالطا شرقية.
الأمر الذي لا يمكن أن يكون سارًا لأن الجيل الحاضر يدرك أن للشعوب فقط الحق في حل مشاكلها بنفسها بعيدة عن تدخل الآخرين، حتى لو كانوا خبراء في أيديولوجية الحضارة أو كانت لهم نوايا حسنة.
الشيوعية اصطدمت دائمًا بالإسلام وعجزت عن تحليل حقيقته:
-نوفيل اوبسيرفاتير:
هل يعتبر الإسلام حاليًا عقبة أمام تسلل الشيوعية داخل العالم الثالث أم هو حصان طروادة للشيوعية؟
-جاك بيرك: اصطدمت الشيوعية دائمًا بالإسلام ولم تستطع أبدًا تحليل حقيقته، كما فشلت في تحديد حقيقة نفسها في العالم الإسلامي، ويجب أن نتذكر دائمًا أن الماركسية ظهرت دائمًا كأداة عدم استقرار في العالم العربي، وترى منها الجماهير العربية أداة مقاومة ضد الأنظمة الظالمة المستبدة.
-نوفيل اوبسيرفاتير: ماذا ينتظر العالم الإسلامي من الغرب؟
-جاك بيرك: السؤال الأهم هو أن نعرف ما إذا كان العالم الإسلامي يقبل الموافقة بين الشخصية الإسلامية، وبين الثورة الصناعية التي يشهدها الغرب في العصر الحاضر. فإذا استطاعت الشعوب الإسلامية أن تنشط في البحث عن مستقبل زاهر مع التمسك بماضيهم العريق تمكنوا أن يصبحوا شركاء نشطين للغرب.
مبادرة السادات أصبحت خاسرة لأنها شتتت الصف العربي، ولم تكسب أي مطلب أساسي للعرب:
-نوفيل او بسيرفاتير: لقد مثلت دائمًا حرية الرأي والجرأة في قلب الفكر العربي الإسلامي، فقد سبق أن طالبت ناصر بقبول خطة روجرز للسلام، كما كنت من أوائل من تناولوا المشكلة الصحراوية، فأين تجد نفسك الآن بين التيارات العربية المختلفة، وأي تيار منها تؤيد بعد تشتيت الصف العربي الذي يجوز القول بأنه لم يتحد أبدًا؟
-جاك بيرك: لست مضطرًا لأن أؤيد تيارًا عربيًا خاصًا، بل أحاول تقييم الديناميات العميقة داخل العالم العربي الإسلامي ومدى تطبيقها على السلطات التي تحكم هذه البلاد، وأن هذه الديناميات تجد نفسها في طريق مسدود داخل السياسة المصرية الحالية ولا يلزم أن يكون المرء ساحرًا ليدرك ذلك منذ زيارة السادات. وقد أعلنت ذلك في كتاباتي في حينه أن مبادرة السادات كانت خاسرة ليست فقط لإنها شتتت الصف العربي، بل لأنها سببت في ذلك دون أن يحصل من الجانب الآخر على أي شيء أساسي من مطالب العرب بما فيها المسألة الفلسطينية، وهذا صحيح لأن هذه المبادرة لم تحقق أي مطلب حاسم حتى الآن.
-نوفيل اوبسيرفاتير: لكن هل يمكن من الخارج ودون أن يكون المرء مسلمًا أو عربيًا أو مقاتلًا إدانة سلام مهما كان شكله؟ وبأي حق تدين تحركات السادات من أجل السلام وهو يتمتع بتأیید شعبه – نصف العالم العربي؟
جاك بيرك: أنا لا أطبق إثبات الحقائق بالوسائل العاطفية لا أريد أن أكون عربيًا، ولا مسلمًا ولو كنت واحدًا منهما لاختلفت انطباعاتي عما هي عليها الآن فأنا أهدف إلى خير الشرين لعدم الحلول الممتازة بدون مراهنة، لأن المراهنة بمقدرات البلاد مشروعة لشعوبها فقط، ورأي وضرورة البحث عن تنوع الأساليب للوصول إلى سلام حقيقي بدل السلام الكاذب وهذا ما لم يحدث في كامب ديفيد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل