العنوان الإسلام.. وكفاح الشعوب الإسلامية «1 من 2»
الكاتب علي عزت بيجوفيتش
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1995
مشاهدات 107
نشر في العدد 1147
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 25-أبريل-1995
▪ الشعوب جاهدت
لإقامة دولة إسلامية يحكمها الإسلام، وليس دولة تحكمها نخبة مغتربة العقول خرجتها جامعات
الغرب؛ لتفرض على شعوبها إرادة الغرب.
هناك تفكير وكتابات عن الإسلام تختلف كثيرًا
في مضمونها، ولكن شيئًا واحدًا محل إجماع الجميع، وهو شمولية الإسلام، أي هدف
الإسلام الدائم؛ ليكون فلسفة الإنسان الشخصية، ومبدأ بناء المجتمع، أو بعبارة أخرى
أن يكون دستور حياة شاملة، يتفق حول هذه النقطة المدافعون عنه المتحمسون،
والمحللون والمتعنتون، والنقاد اللاذعون على حد سواء، وبطبيعة الحال يشاركهم الرأي
كاتبُ هذه السطور؛ لأنه -في حقيقة الأمر- يمكننا بناءً على تقرير هذا المبدأ فقط
الحديثُ عن دور الإسلام في الحروب التحريرية لتحرر الشعوب الإسلامية.
والحروب التحريرية لها ثلاثة جوانب: جانب
سياسي «من أجل الاستقلال»، وجانب ثقافي «لاستعادة الهوية»، وجانب اجتماعي، وغرضنا
من هذه المقالة هو الحديث عن كل جانب من تلك الجوانب الثلاثة بكلمات موجزة بمقدار
ما يسمح بذلك حجم المقال القصير.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كان هناك أربع
دول إسلامية مستقلة فقط على خارطة العالم، وهي تركيا وأفغانستان، والمملكة العربية
السعودية، واليمن، واليوم (سنة 1981م) بلغ عدد الدول الإسلامية المستقلة أكثر من
أربعين دولة، إن هذا التحول التاريخي الكبير -وهو من أهم النتائج السياسية في هذا
القرن؛ لأنها نتائج عالمية الحجم- ليس أكثر من نتيجة ظاهرية أو نتيجة نهائية لما
يمكن تسميته بــــــ«الاحتلال الأوروبي للعالم الإسلامي»، لقد سجل التاريخ في
القرنين التاسع عشر والعشرين -ابتداءً بالاحتلال الإنجليزي للهند سنة 1798م،
وانتهاءً بالاحتلال الروسي لأفغانستان عام 1979م- قيام أكثر من ستين حربًا بين
الدول الأوروبية الاستعمارية التي حاولت فرض سيطرتها الكاملة على الدول الإسلامية،
وبين الشعوب التي دافعت عن حريتها، لقد خسرنا معارك كثيرة في المدة الزمنية
المذكورة، ولكنه يبدو أننا سننتصر أخيرًا في الجولة الفاصلة من الحرب المصيرية
هذه.
إذن ما القوى التي صمدت في وجه هذا الحصار
الذي لا مثيل له؟ وما الأفكار التي استقت منها الهمم والمُثل؟
إن كل بحث تاريخي موضوعي يرشدنا إلى النتيجة
التي لا تقبل جدلًا.. كانت تلك القوى قوى مسلمة، وكان ذلك الفكر هو الإسلام، لقد
كان الإسلام- وكذلك حالنا اليوم- هو الفكر الوحيد القادر على تحريك الشعوب، وبه
فقط يمكن القيام بأي إصلاح حقيقي في العالم الإسلامي.
وقد يكون استنتاجنا هذا مفاجئًا لأولئك الذين
ليس لهم اطلاع واسع في هذا الجانب، ويعود سبب عدم الفهم إلى كون الواقع العلماني
والمُعادي للإسلام والقائم في أغلب دول المسلمين يحجب حقيقة الشعوب الإسلامية عن
الرؤية، وسنعود لاحقًا إلى الحديث عن هذا التناقض المهم؛ لنلقي عليه ضوءًا أكثر.
حروب التحرير في العالم الإسلامي
إن جميع الحروب التي خاضها المسلمون لتحرير
دولهم، ابتداءً من رأس القرن التاسع عشر حتى الحرب الأفغانية، كانت تحت راية
الجهاد، أي قامت باسم الحرب الإسلامية الدفاعية المقدسة.
وبمجرد صيحة الأمير الإندونيسي «ديبونجارا»
(المعروف في الغرب باسم الأمير الإندونيسي «هاملت») إلى مقاومة الاحتلال الهولندي
في جزيرة جاوه (1825 - 1830م) انضم إليه المتطوعون، وكان أغلبهم من العلماء ومدرسي
الدين من القرى، وفي جزيرة سومطرا نشبت المقاومة سنة 1821م تحت اسم «حرب العلماء»
أو «بادري حرب»، واستمرت 16 سنة، وقادها العلماء، كما قاد رؤساء إحدى الطرق
الصوفية حرب مقاومة الاحتلال في مقاطعة جبريون في جاوه، وحتى آخر مقاومة في سومطرا
الغربية سنة 1927م كانت تحت قيادة العلماء، وبعد مدة وجيزة لقيام جبهة التحرير الإندونيسية
باسم «رابطة المسلمين»، أو «شركة الإسلام» (Sarekat
Islam) بلغ عدد أعضائها أكثر من مليوني شخص، وفي
العام نفسه نشأ تنظيم باسم «حزب محمّدية»، الذي انطلق من الأسس الدينية بقدر ما
انطلق من الأسس الوطنية المعادية للاستعمار، وترعرع أكثر قادة حرب التحرير، الذين
حققوا استقلال البلاد، فيما بعد في صفوف رابطة الشبان المسلمين (Jong
Islamieten Bond) إلا أن انشقاق الرؤوس العلمانية القومية عن
الحركة حدث بعد ذلك بمدة ما بين 1930 - 1940م.
وكانت حركة الأمير عبدالقادر في الجزائر، التي
قضى عليها المستعمر الفرنسي بعد خمس عشرة سنة من الحرب الضروس [(1832 - 1847م)]،
حركة إسلامية أصيلة، وكان والد الأمير عبدالقادر رجلًا مرابطًا وأحد زعماء الطريقة
القادرية الصوفية في الجزائر، ومن جانبه كان يبرز الأمير عبدالقادر دائمًا أنه لا
يقود حربًا جزائرية ولا عربية، بل يقود حربًا إسلامية على المحتل الأجنبي، وما زال
العلم الجزائري اليوم (الأخضر - الأبيض اللون) هو العلم نفسه الذي رفعه هذا البطل
التاريخي المسلم، واستمرار الجزائريين في تمسكهم بعلم الأمير عبدالقادر هو دليل
واضح لاستمرار نمط الحرب الدينية التي خاضوها على مدى 140 سنة حتى نيل الاستقلال.
إن الدوافع الدينية فيما يعرف بــ «الحرب
الأفغانية الأولى» من سنة [1839 - 1842م] لا تقل وضوحًا عن الحرب الأفغانية
القائمة، وأرى أن أحد التقارير الرسمية جدير بذكره هنا، فقد جاء فيه: «لقد قوبلنا
بالعداوة البالغة من الشعب الأفغاني بأجمعه، الذي اتحد في وجهنا في حرب هي دينية
ووطنية في آن واحد»، (من كتاب «A Savage War of Peace» [لأليستر هورن]).
واليوم يمكننا قراءة مثل هذا التقرير حرفيًّا
ضمن تقارير الضباط الروس من معارك أفغانستان الحالية، وقد نقل مؤخرًا أحد
الصحفيين، الذي تنقل بين مراكز اللاجئين الأفغانيين في باكستان (4/12/1981م) بأنه
كان يتلقى جوابًا واحدًا عن سؤاله عن سبب مقاومتهم للروس، وهو أن الغزو الروسي
يهدد الروح الإسلامية [لدولة] أفغانستان.
وبناءً على تأكيد أحد الكُتاب المعاصرين كانت
الانتفاضة المهدية في السودان (التي أسفرت عن هزيمة اللواء غوردن وقيام الدولة
المهدية من سنة 1881 - 1898م): «من بدايتها إلى نهايتها انتفاضة إسلامية، لا شيئًا
آخر»(1).
لقد استمر جهاد محمد عبدالله -العالم الإسلامي
وعضو الطريقة الساحلية في الصومال- أكثر من عشرين عامًا، إلى أن تم القضاء عليه في
سنة 1920م، وكانت دولته في أساسها مبنية على أحكام الشريعة الإسلامية.
وقاوم البطل الأسطوري الإمام شامل هجمات
المحتل الروسي في القوقاز مدة خمس وعشرين سنة، وقد هاجر إلى مكة إثر هزيمته؛ حيث
توفي فيها، وقد استلهم الكاتب ليسلي بلانشي من شخصية هذا البطل المسلم شخصية بطل
كتابه المشهور، ووصف وصفًا مبدعًا في «The Sabres of Paradise».
إن القادة الروحيين في حرب مقاومة الاستعمار
الإيطالي في ليبيا (من سنة 1912 - 1932م) كانوا من صفوف الطريقة السنوسية الصوفية،
وأظن أن الدولة السنوسية في ليبيا التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الدولة
الوحيدة في تاريخ الإسلام التي أقامتها طريقة من الطرق الصوفية، إن مجيء حكم
القذافي قد غيّر شكل وروح هذه الدولة السنوسية.
وكان المجاهدون المغربيون في حرب الاستقلال
يستلهمون روح مقاومتهم من شخصية إسلامية عظيمة، ذلك هو البطل الأسطوري عبدالكريم [الخطابي]،
شيخ قبيلة [الريف]، وكان من شأنه أن أعلن قيام جمهورية إسلامية (لا مغربية أو
عربية) في أعقاب انتفاضته سنة 1921م.
وحتى اليوم في الحرب العراقية- الإيرانية
يحاول كلا طرفي الحرب إقناع شعبه بأنه يدافع عن حياض الإسلام، ويعلن أن القتلى
نالوا درجة الشهادة -تلك الدرجة الرفيعة، وتُشيّع جثمانهم وفق المراسم العسكرية
المتميزة، بطبيعة الحال.
وحتى كمال أتاتورك الذي قام فيما بعد بإزالة
كل أثر للإسلام في تركيا بتطرف نادر، كان في مرحلة معارك التحرير ينادي أمام
المقاتلين من الأناضول بأن الحرب التي يخوضها حرب الذود عن بيضة الإسلام، من هنا
كانت المراسم الدينية تسبق خوض المعارك بمشاركة شخصية لمصطفى كمال، ولا شك أنه لم
يكن ليحقق شيئًا لو كشف في بداية حرب تحرير تركيا عن أهدافه الحقيقية الخفية.
انطلاقات غير إسلامية
وقد قامت أربع انتفاضات فقط في دول المسلمين
لتحرير الوطن من الاحتلال من غير أن تنطلق من أسس إسلامية، وهي: تونس ولبنان
وسوريا وما يجري الآن في فلسطين، وباستثناء تونس، دولة يسكنها المسلمون، كانت
الدول الثلاث المتبقية مزيجًا من قوميات ومذاهب وأديان، يعيش في سوريا أتباع مذاهب
عديدة، ودولة لبنان مزيج من الأديان، وتشابهها في ذلك الحركة الفلسطينية لانتهاجها
مبدأ الدولة المسلمة - النصرانية - اليهودية المشتركة.
إن تحفظ العلماء تجاه فكرة دولة باكستان التي
تستدعي بعض التساؤلات وتتعارض في ظاهرها مع المبدأ الذي قررناه هنا، يتضح تمامًا
إذا تذكرنا أن التحفظ في أصله كان على حزب الرابطة الإسلامية؛ بسبب ارتباطها
المفرط بالاستعمار البريطاني، وقد تبين بأن تحفظ العلماء كان في محله؛ لأن النزعة
العلمانية الغربية المحركة للرابطة كانت عاجزة كليًّا عن تطوير باكستان على أسس
إسلامية، وكانت مدعاة لعدم الاستقرار بصورة مزمنة، إن المعركة القائمة في باكستان
من أجل تطبيق الدستور الإسلامي التي استمرت ثلاثين سنة من غير أن تُثمر عن نتيجة
مقبولة لتعطينا صورة واقعية عن الحالة التي آلت إليها جميع الدول الإسلامية
تقريبًا بعد نَيل الاستقلال السياسي، وهذه هي حالة الركود السياسي التي فيها تطالب
الشعوب الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وليس بدولة
تحكمها نخبة مغتربة العقول التي خرجتها جامعات الغرب أو الشرق، ووُضعت الشعوب
الإسلامية في موقع أنه لابد من إعلان الحرب من جديد، ولكنها في هذه المرة حرب على
المواطنين المغتربين الأجانب؛ دفاعًا عن هوية الشعوب، ولكن بحث هذه المسألة يخرج
عن مرامي هذه المقالة.
(●)
كُتبت هذه المقالة في شهر ديسمبر سنة 1981م، وتُنشر لأول مرة باللغة العربية، وقد ترجمها:
حسين عمر سيباهيتش.
الهوامش
1- غودفري يانسن، الإسلام المسلح، ص: 101.
(Godfrey Jansen, Militant Islam, London, 1979, P. 101).