; ندوة الإسلام وحقوق الإنسان | مجلة المجتمع

العنوان ندوة الإسلام وحقوق الإنسان

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1986

مشاهدات 233

نشر في العدد 783

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 16-سبتمبر-1986

الشيخ الغزالي: نحن نؤمن بالحرية الدينية، ولكن لا نؤمن بالهوان الديني.

قلت لعرفات: لماذا رفعتم شعار العلمانية، إذا كان اللص يرفع شعار اليهودية؟!

أهم ما يميز النقابات المهنية في مصر الآن هو بروز أثر التيار الإسلامي المنتخب في مجالسها، ووضوح دوره، وأهم ما يظهر من جهود هذا التيار في المجال النقابي، هو العمل على إحياء الدور الثقافي والدعوة إلى الحوار الفكري، في مختلف القضايا المطروحة، سواء على المستوى المحلي أو الإسلامي، ولذلك فإن الندوات الفكرية التي تعقد سواء في نقابات الأطباء أو المحامين أو المهندسين أو غيرها، تحظى باهتمام جماهيري واسع، وصدى إعلامي لافت للنظر، ومثال ذلك الندوة التي عقدتها نقابة الأطباء تحت عنوان «الإسلام والعلمانية» التي عقدت قبل شهرين، وكذلك هذه الندوة التي نعرض لها الآن، وموضوعها «حقوق الإنسان في الإسلام».

وقد عقدت في نقابة المحامين ونظمتها لجنة الشريعة الإسلامية وشارك فيها من المحاضرين فضيلة الشيخ محمد الغزالي والمستشار علي جريشة والمستشار محمود هريدي، وحضرها جمع غفير من الشباب، حتى ضاق بهم المكان.. وبدأ فضيلة الشيخ الغزالي حديثه قائلًا: إني لأدعو الله من قلبي بأن يحافظ عليكم، وأن ينضر وجوهكم، وأن يصون شبابكم وأن يحفظكم لهذا الدين، فأنتم ثروته، وكأني أشعر بأنكم قطع من قلبي، لأني أحس حاجة الإسلام إليكم، وأعرف أن أعداء الإسلام في القارات كلها يضيقون بالشباب الذي يعمل لدينه ويودون له العثار ويتمنون له الضياع، ولذلك فإني ألفت أنظاركم إلى ضرورة أن تعملوا للإسلام، وفي الوقت نفسه أن تعرفوا ما في الطريق من عقبات وما يبعثره شياطين الإنس والجن في دروب الحق والهدى مما يعوق السير.. أنا لا أدعو إلى تقاعس ولا إلى جبن، ولكن أرجو أن يبقى نشاطكم أطول مدة ممكنة، لخدمة هذا الدين، وإن إخلاصكم يجب أن يقترن بالتجربة والفقه والدراسة.. دراسة الهزائم والانتصارات على السواء..

وقال الشيخ الغزالي: أريد أن أتحدث إليكم عن حقوق الإنسان في الإسلام وكيف نخدم ديننا في أيام نحسات، تواطأت فيها الصليبية والشيوعية والصهيونية والهندوكية والبوذية.. كل نحلة في الأرض مدت يدها إلى أختها، كي يتعاون الجميع على ضربنا والنيل منا، فهل يجوز أن نتحرك بسذاجة مع هؤلاء الأعداء الذين يتألبون علينا؟ أم يجب أن نضع أقدامنا بحذر حتى تستطيع أن نؤدي حقوق الله علينا وأن نخدم ديننا بأمانة ووفاء؟
الواجبات قبل الحقوق

لو أن الناس بدل أن يبحثوا عن الحقوق بحثوا عن الواجبات وأدوها، لتوفرت الحقوق تلقائيًا، بمعنى لو أننا فعلا أقمنا سياجًا دقيقًا حول الدماء والأموال والأعراض والكرامات المادية والأدبية وأدى كل إنسان ما طلبه الله منه، أو ما سجله الحديث الشريف.. «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا».. أكان إنسان يشكو ضيمًا، أو يتوجع من ظلم نزل به؟ إننا على كل حال نريد أن نتحدث عن حريات هي حقوق أولى للإنسان وقبل أن أتحدث عن أي حرية من الحريات أريد لفت النظر إلى أن ديننا، دين الفطرة، دين الطبيعة المستقيمة السوية، ومعنى هذا ما تصل إليه هذه الفطرة في أي بلد من ضمانات للحقوق التي فطر الإنسان عليها، والحريات التي يعيش بها، ويتمنى أن تتوفر له، فهي دين، ولو لم يجئ نص عليها، لأن دين الفطرة قال بها.. إذن انتهى الأمر.

موقف غريب لأمريكا من باکستان!

وأضاف الشيخ الغزالي قائلا: إن أمر إكراه الناس على العقائد مرفوض وإن المنطق السليم هو الإقناع الحر، وهو المعنى الذي قاله نوح لقومه وقاله الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99).. لقد أحصيت في بحث أكتبه الآن أكثر من مائة آية قرآنية تترك حرية التدين للضمير الإنساني.. يعرض الإسلام عرضًا حرًا، ويمكن لكل ذي لب من أن يتبين معالمه، وبعد ذلك يقال له قبلت أم لا. فإن قبل فبها، وإن رفض نقول له: كل ما نطلبه منك ألا تعمل على تكميم أفواهنا واعتراض طريقنا، والنيل من ضعافنا، والسخرية ممن شرح الله صدره بالإيمان من أتباعنا، هذا كل ما نطلبه منك وأنت حر.. ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (الأنعام: 104). وقد قلت إن صيحة ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: 6). لم تعرف إلا في كتابنا الأقدس العظيم... كانت أوروبا من قبل القرآن ومن بعده، وكان العالم كله يعيش في برك من الدم وصراع آثم حول إكراه الناس على العقائد، حتى جاء صاحب الرسالة الخاتمة يقول للناس ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. (البقرة: 256).

هذه فطرة سليمة، ودين الفطرة هو الذي يكرر هذه الحقيقة، لكن الذي حدث أن العالم الآن يعامل الإسلام وحده معاملة شاذة، ويحضه بمزيد من المقت والترويع، وأنا أستغرب لأنه عندما عرض رئيس الولايات المتحدة الأميركية على باكستان العون، قال أشترط ألا تصنعوا القنبلة الذرية، لماذا؟! أنت تعلم أن الهند الهندوكية، عابدة الوثن ومقدسة البقر، وعدو باكستان الأول، صنعت القنبلة الذرية، فلماذا تريد أن تجعل كفتها مرجوحة، وجانبها أذل، وسلاحها مغلولا! لماذا تريد أن تجعلها ضعيفة أمام الوثنية، ألأنها مسلمة؟! نعم. هذا هو السبب الحقيقي.. لماذا يكون الميزان الدولي الآن، أن جميع الدول العربية التي تبلغ أكثر من عشرين دولة، يجب أن يكون سلاحها إذا اجتمعت وقاتلت أقل من سلاح إسرائيل وحدها! لماذا؟ لأننا مسلمون وهم يهود، نعم هناك حقد على الإسلام وحده.. وجدنا هذا الحقد يصلح ذات البين بين الكاثوليك والبروتستانت ومحيت قرون من العداوة بين الفريقين، ثم انضم لهم الأرثوذكس فمحيت عشرات القرون، نحو عشرين قرنًا، محيت من تاريخ العداوة، واجتمعت الكنائس الثلاث، ثم وجدنا أن مجمع الكنائس العالمي ووجدنا أن الصهيونية وهي اليهودية نفسها، وجدناها تتفق مع المسيحية ضدنا، ووجدنا أن العالم كله، قاصيه ودانيه يشتغلون ضد الإسلام، أين حرية التدين؟! أين حرية بقاء كل دین؟! وأشعر بهوان وسواد في وجهي وأنا أسمع القائد الشيوعي الذي ثار في جنوب السودان يقول لا نصطلح إلا إذا ألغي التشريع الإسلامي في الشمال، ورفضت الشريعة الإسلامية حتى ممن لا يدفع عن نفسه كما قال المثل العربي: «لو ذات سوار لطمتني»! لا والله.. الإسلام الآن تلطمه الحالية والعاطلة، ويلطمه من يغير على الآخرين ومن لا يدفع عن نفسه. هذا بلاء ومن حق الشباب أن يغضب لأن دينه يعامل بهذه الطريقة الدنيئة، من حق الشباب أن يغضب، ومن حق الشيوخ أن يغضبوا، فلا يجوز أن نعامل بهذا الأسلوب المنطوي على الغدر والخسة.
قلت لعرفات: لماذا رفعتم شعار العلمانية؟!

وقال الشيخ الغزالي: هل أصبح التعصب للإسلام منقصة، والتعصب لأي نحلة شاردة أو بدعة فاسدة لا حرج فيه، وقد قلت للأخ ياسر عرفات، قلت له: لماذا رفعتم شعار العلمانية إذا كان اللص الذي سطا على البيت، يرفع شعار اليهودية؟ فما معنى أن الهاجم مسلح بعقيدة دينية، وأن المدافع يحرم من سلطان هذه العقيدة، لماذا؟! ألا تعلم أن صاحب البيت يوم يكون مزلزل الأركان، سقيم الوجدان، فإن اللص سيستولي على البيت، ولن تكون لك حرمة، لا عند الله ولا عند الناس؟ لماذا رفعتم شعار العلمانية؟ ارفعوا شعار الإسلام.. إن الذين لا شرف لهم لو كانوا بغايا لرفعوا راية البغاء على حوانيتهم وهم يواقعون الدنايا، فلماذا يكون صاحب المحراب الطهور خجلان من محرابه، فيتوارى بدينه وحقائقه عن الأعين ولا يتكلم، لماذا لا تقول بملء فمك أنا مسلم أنا أتبع صاحب الرسالة الخاتمة، وصاحب الرحمة العامة، نحن نؤمن بالحرية الدينية ولكن لا نؤمن بالهوان الديني للإسلام وحده.. أنا واثق أن الإسلام قادم ولكن..
واستطرد الشيخ الغزالي قائلا: أتحدث عن الحرية السياسية في الإسلام وأساسها أن أكفأ رجل في الأمة يقودها، فالمناصب كبراها وصغراها ليست حكرًا على أحد، لا على طائفة مدنية أو عسكرية ولا على حزب أو هيئة.. الأمة لها وظائف إدارية واجتماعية يختار أكفأ الناس لها هذا هو الإسلام بغض النظر عن التطبيقات الفاشلة عندنا.

واختتم الشيخ الغزالي حديثه حول حقوق الإنسان في الإسلام بتوجيه النصائح للشباب المسلم فقال: لابد مع الإخلاص من ذكاء، لا بد مع العاطفة من عقل.. لابد للدين من فقهاء يعرفون كيف يطبقون الشريعة وكيف يزاحمون المبادئ الباطلة، وكيف يحتفظون بجذوة الإيمان في نفوس الشباب إلى أن تجيء الساعة التي يقرر رب العالمين فيها أن الإسلام ترتفع رايته.. أنا يا إخواني موقن والله بأن الإسلام قادم، وأنا أعرف أن الإسلام في طريقه إلى النصر، ولكني نظرت إلى الأمة الإسلامية من شواطئ المغرب إلى شواطئ الهندي، وجدت أن الصحوة الإسلامية لما تكتمل، وأن الشباب لما ينضج، وأن حماسه محتاج إلى فقه، وأنه لابد من ضبط دقيق لكي يعلم الشباب ما هي الساعة التي ينطلق فيها وهو حر، وما هي الساعة التي يسكت فيها وهو راغم.. أقول هذا لأني أحب الله ورسوله وأحب الشباب المؤمن.

تاريخ وثائق حقوق الإنسان

ثم تحدث المستشار الدكتور علي جريشة فوجه التحية إلى نقابة المحامين، باعتبارها منار إشعاع للحق، وقلعة من قلاع الحرية على أرض مصر، ثم وجه التحية كذلك إلى رجال القضاء الذين عقدوا أول مؤتمر للعدالة منذ فترة وجيزة ليتحدثوا في مؤتمرهم عن حقوق الإنسان أو حقوق المواطن على أرض مصر، ثم طرق موضوع الندوة فقال: الحديث عن حقوق الإنسان طويل، وأول نقطة أود أن أشير إليها، وهي التطور الذي حدث في حقوق الإنسان حتى لا نغمط الناس حقهم، ثم لنقارن بعد ذلك بين ما وصلوا إليه وبين ما نادى به الإسلام من قبل ذلك بقرون.. وأول وثيقة صدرت حول حقوق الإنسان ما سمي بالعهد الأعظم «ماجنا كرتا» الذي أعلن في بريطانيا في عام ١٢١٥ ثم صدر بعد ذلك ما سمي بوثيقة الحقوق في عام ١٦٢٨، والوثيقة الثالثة المشهورة بإعلان حقوق الإنسان الفرنسي، ثم تلا ذلك ما صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة المعروف باسم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في ديسمبر عام ١٩٤٨، وتلا ذلك العهد الدولي بشأن الحقوق المدنية والسياسية والذي صدر في ديسمبر عام ١٩٦٦، ثم العهد الدولي بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للإنسان.. كل ذلك تطور سعت فيه البشرية إلى فطرتها، فالإنسان مفطور بطبعه على حب الحرية، وعلى حب المساواة وعلى كراهية الظلم وحب العدل، إنها فطرة الله سبحانه وتعالى، فهذه الفطرة تنطق بهذه الحقوق، ومن ثم سار التطور البشري نحو الفطرة.. ونسأل ما هو موقف الإسلام؟ الإسلام يتميز على هذه الوثائق جميعًا، يتميز تميزًا أولا وأصيلًا..

خمس ميزات أساسية

وهو أنه صادر عن الله رب العالمين، صادر عن خالق الخلق، صادر عن رب البشرية، ومن ثم فما يصدر عن الإسلام يقيد الحاكم والمحكوم، فالله فوق الجميع، والكل بعد ذلك سواء، لا فرق بين حاكم ومحكوم.. هذه هي الميزة الأولى..
فارق آخر أو ميزة أخرى.. إن هذا الدين، قد سبق هذه الإعلانات والوثائق جميعًا، فالرسول صلى الله عليه وسلم، يوم أن بعث، وقف في حجة الوداع، ليقول كلمته الأخيرة إلى الناس جميعًا.. فماذا قال؟ والعجيب أني تأملت وتحت يدي النص في خطبته تأملًا طويلًا، فما وجدت فيها وصايا في الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج، ليس استهانة بها، وإنما لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أنها صارت من المسلمات، ويعلم ما سبق فيها من وصايا، ماذا كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ حينما قال: أتدرون في أي شهر أنتم وفي أي يوم أنتم، وفي أي بلد أنتم؟ قالوا في شهر حرام وفي يوم حرام وفي بلد حرام، ماذا قال بعد ذلك: أعلن الإعلان الأول للعالم كله لحقوق الإنسان وفي أعمق ما يكون التعبير، قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه» إعلان أبدي إلى يوم القيامة..

أعمق وأشمل حقوق للإنسان

ثم قال صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا مني تعيشوا.. ألا لا تظلموا.. ألا لا تظلموا.. ألا لا تظلموا» (قالها ثلاثًا) ثم بعد ذلك يحذر من حرمة المال، قال: «إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس» ثم مضى إلى أن وصل إلى قوله صلى الله عليه وسلم «ألا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا أن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن بالتحريش بينكم» ثم قال صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الله عز وجل في النساء، فإنهن عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإن لهن ولكم عليهن حقًا، ألا يوطئن فرشكم أحدًا غيركم ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه...» إلخ ما قال في هذه الوصية الكريمة، ثم كانت آخر وصاياه صلى الله عليه وسلم: «ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها».

أحصيت الوصايا التي أوصى بها رسول الله عليه الصلاة والسلام فوجدتها سبعة، هي أشمل وأعمق مما أعلن بعد ذلك.. (الدماء - الأموال - الأعراض - النهي عن الظلم - الفرقة بين المسلمين - الوصية بالنساء - الوصية بالأمانة) هذه وصايا سبع، أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلن بها أول ميثاق وأعرق ميثاق لحقوق الإنسان.

الميزة الثالثة، أو الفارق الثالث بين حقوق الإنسان في الإسلام وبينها في أوضاع البشر، أن الحقوق في ظل القوانين الوضعية تخضع في حديث طويل حول النظريات التي أخذت منها هذه الحقوق، لكن الإسلام يجعل الحق شرفًا يتميز به على أي حق على ظهر الوجود، إن الحق في الإسلام يستمد شرفه أولًا من الله الحق، ومن أسماء الله الحسنى الحق، فالله الحق هو الذي أمر بالحق، وهو الذي أنزل كتابه بالحق، وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق، ومن هنا فللحق في الإسلام قدسية، لا توجد في أي نظام آخر..

الحق والإيجابية

الميزة الرابعة، أن الحق في الإسلام يتقدمه الواجب، فالحقوق التي نص عليها في الإسلام هي قبل أن تكون حقوقًا هي واجبات.. واجبات على من كلف بهذه الحقوق، وواجبات على من يحفظ هذه الحقوق أو يصونها.. والحق في الإسلام يأخذ عنصرًا جليلًا من عناصر الإيجابية.. إن كل مسلم في ظل النظام الإسلامي مكلف بأن يحفظ هذه الحقوق وأن يدافع عنها، وأن لا يقف موقف السكوت لأي انتهاك لحق من هذه الحقوق، ذلك فارق ضخم لا يوجد في أي نظام في العالم

الميزة الخامسة، أن فقهاء الإسلام أجمعوا على خمسة أمور، جعلوا الحفاظ عليها من الضرورات ولفظ الضرورات لفظ كبير، لأن الضرورات تبيح المحظورات، والحفاظ على هذه الحقوق من الضرورات التي انعقد عليها إجماع علماء المسلمين، وقد انعقد اجتماعهم على خمسة حقوق رئيسية، يحافظ عليها ويذاد عنها (الدين - النفس - العرض – العقل – المال)، وحول هذه الضرورات الخمس يدور كل ما تتخيلون وكل ما يتخيل الإنسان من حقوق.

وأضاف المستشار علي جريشة قائلا: ومن هنا فإن حقوق الإنسان في الإسلام تأخذ أصالة، لا يمكن أن تتوافر في ظل أي نظام آخر.

وحقوق الإنسان في هذا البلد مسؤولية من؟

إن المسؤولية الأولى تقع على الجهات الآتية: أضعها بالدرجة الأولى على قضاة مصر، وأقول لهم، أقيموا شريعة الله، ولا يجرمنكم في ذلك شنآن شانئ ولن تطبق الشريعة إلا بهذا الطريق في مثل هذه الأوضاع القائمة.

الجهة الثانية التي أعتبرها مسؤولة عن حقوق الإنسان هو هذا الجمع من المحامين الفضلاء الذين يدافعون عن شريعة الله، وعن الحرية، وما تصورت أن أسمع لا إله إلا الله، وأن أسمع الله أكبر ولله الحمد في هذا المكان، وتلك بشرى طيبة.. المسؤولية بعد ذلك عليكم أنتم معاشر الشباب.. أنتم طلائع الطبقة المثقفة في هذا البلد.. أنتم الذين تقودون هذا الشعب ليرد عن نفسه، وعن شريعته كل عدوان.. أنتم في النهاية السياج وأنتم الأمل.

نحن مصممون على تطبيق الشريعة

ثم تحدث القاضي المستشار محمود هريدي معلقًا على دعوة الدكتور جريشة لقضاة مصر بالحكم بالشريعة.. فقال:
نحن نصمم على المطالبة بتطبيق الشريعة، والقضاة الذين حملتموهم المسؤولية، أقاموا في هذا العام مؤتمرًا للعدالة، وكانت فيه لجنة التشريع، وكان أول قراراتها حتى أطمئنكم على قضاتكم- أولا:

إعمالًا لما تنص عليه المادة الثانية من الدستور أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، يوصي المؤتمر باتخاذ الخطوات الآتية:

1- إصدار مشروعات القوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية ومراجعة سائر التشريعات لتتفق في أحكامها مع الشريعة الإسلامية.
2- أن يواكب إصدار تلك التشريعات وتنفيذها تهيئة المناخ العام الملائم في مجالات التعليم والتربية والإعلام والثقافة، والتكافل الاجتماعي وغيرها من المجالات.

3- أن تولي كليات الحقوق بالجامعات ومركز الدراسات القضائية، دراسة الشريعة الإسلامية العناية اللازمة بالقدر الذي يتناسب مع دورها، بوصفها المصدر الرئيسي للتشريع..

إذن لعلكم نظرتم إلى القضاء وما يقوم به من إصدار تلك التوصيات، ولعلكم قرأتم أن هناك من القضاة من لم ينتظر صدور التشريعات وقضى بتطبيق الشريعة، وكنا قد طبقنا ذلك في موضوع الفوائد الربوية، ورفضناها تطبيقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، والعالم اليوم يلمس مدى الخسارة التي جناها من عدم تطبيق الشريعة الإسلامية، وبالله التوفيق.

الرابط المختصر :