العنوان الإسلام وحده هو الذي يفتح للأدب كل الميادين والمجالات النظيفة
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1994
مشاهدات 77
نشر في العدد 1082
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 04-يناير-1994
الدكتور عدنان النحوي في حواره مع
«المجتمع»:
لو كانت مسؤولية الصحوة واضحة لما
كانت البوسنة على هذا الحال ولما مثل الانتفاضة شعب واحد
القاهرة
الطريق الشاق على درب الأدب الإسلامي، لابد له
من نهج وتخطيط يستوعب قدرات الأمة المسلمة المنوط بها تقديم رسالة الروح في هذا
التصادم العالمي المادي الأهوج.. و«المجتمع»، في هذا اللقاء مع الدكتور عدنان
النحوي، إنما تطرح عددًا من الهموم المعاصرة، وتناقش أيضًا بعضًا من المستقبليات
التي تتفق والنهج الإسلامي المتكامل الذي دائمًا ما ينادي به محاورنا..
والدكتور عدنان النحوي واحد من المثقفين
القلائل الذين يتميزون بشمولية التكوين ورحابة النظرة، والجدية في مناقشة الرأي
الآخر، وصولًا إلى مرحلة الإخصاب الفكري التي نرجوها على طريق الممارسة الإيمانية
للشورى في واقعنا المعاصر. وهو من الشعراء والأدباء ورجال الفكر السعوديين الذين
عرفوا بإنتاجهم الواسع في الدعوة والأدب والعلوم الهندسة على مستوى الفكر والتطبيق..
كل هذا يعطي هذا الحوار أهميته في التنوع والثراء..
المجتمع: نحب أولًا أن نتعرف على
بداياتكم مع رحلة الأدب الإسلامي المباركة؟
د. عدنان النحوي:
لم أفكر بالأدب الإسلامي، ولكن يبدو أن الأدب الإسلامي هو الذي فكر بي فمنذ صباي
الباكر، ورغم حبي للرياضيات كانت موضوعات الأدب والشعر من أحب الهوايات التي تميل
إليها نفسي. وكانت لنا مكتبة كبيرة عامرة كنت أعيش معها في كل إجازة صيفية، مع
النحو والفقه واللغة، وكان لبعض أجدادنا آثار شعرية ودواوين مخطوطة بالمكتبة..
ربما تفاعل كل ذلك معًا وأوجد عندي رغبة صادقة في الاتجاه الأدبي الذي برز ربما مع
عام ١٩٤٢م.
الطريق إلى إذاعة إسلامية
المجتمع: في ظل التصور المتكامل
للحياة وفي ضوء تجربتكم.. هل يمكن إقامة إذاعة إسلامية تستوعب فنون العصر، وتسد
حاجات الإعلام الإسلامي؟
د. عدنان النحوي:
أنا أضيف إلى السؤال بأنه يجب أن يكون هناك إذاعة إسلامية.. ولكن أعود فأقول إنه
لا يمكن تطبيق الإعلام أجزاء مبعثرة.. فالإذاعة الإسلامية كما تريدها أنت وكما
يريدها قلبك، لا يمكن أن تنشأ إلا إذا طبق الإسلام بكامله، وعندئذ نستطيع أن نتحدث
عن الفنون كلها من إعلام وغيره..
المجتمع: يظهر أعداء الإسلام
عداءهم في جانب كبير منه على أنه حفاظ على الحضارة المادية التي بذلوا حياتهم في
بنائها.. وهم يخشون من تخريبها بواسطتنا.. فما مدى صحة هذا القول؟
د. عدنان النحوي:
أولًا: خسئوا فيما قالوا.. لأننا لا نخرب الحضارات، ولا نحب أن نأكل من حضارتهم
إنما هم الذين أكلوا أوطاننا وخيراتنا وأكلوا أجسادنا وعلومنا ودماءنا.. نحن الذين
نطعمهم.. والبلاد الغربية لولا ثروات العالم الإسلامي لظلت جائعة.. حين حكم
الإسلام قدم الحقيقة والعدل والحق.. وحين حكم الغربيون قدموا الظلم والجور والجوع..
وتركوا شعوبنا وعظام شعوبها بارزة من فرط المسروقات والمنهوبات التي حملوها وما
زالوا يحملونها من أوطاننا..
ثانيًا: ماذا قدمت حضارتهم للعالم؟ في القرن
العشرين وحده بلغت الحروب التي أثارتها حضارتهم ١٢٠ حربًا وبلغ عدد الضحايا ١٣٢
مليون قتيل.. غير المشوهين والجوعى والمجروحين، هذه الجرائم أين تذهب في ميزان
الله؟ وكيف يغفرها الناس لهم.. لكنهم ظالمون لا يعترفون لنا بفضل ولا بذات يد..
فحضارتهم خراب ينقصها الروح والحقيقة التي لا يملكها غيرنا.. وبالتالي فنحن لا
نخرب الحضارات ولكن نعمرها ونصلحها، ونعدل شقها المائل.
دورة السقوط الحضاري
المجتمع: هل يمكن القول بأن دورة
السقوط الحضاري قد اكتملت في الحضارة الغربية وأننا في انتظار النتائج؟
د. عدنان النحوي:
أعتقد وكما ذكرت في كتابي -فلسطين بين المنهاج الرباني والواقع- أن جذور الانهيار
متوافرة منذ سنين طويلة في الحضارة الغربية وفي المجتمع الأمريكي على وجه الخصوص..
وأنها تحمل في داخلها جذور هلاكها.. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى.. هناك قانون إلهي، قرره الله
تعالى في كتابه: لكل أمة أجل، أي إنه كما أن للإنسان أجلًا.. فلكل أمة أجل..
والأمم تبلغ آجالها.. وإذا بلغت آجالها فسوف تنهار وتسقط.. لهذين السببين أعتقد أن
الحضارة الغربية ستنهار.. وسبب ثالث.. أن الله تعالى وكما حدثنا القرآن بذلك.. قد
أباد أقوامًا مثل عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، وحدثنا عن جرائمهم وآثامهم التي
ارتكبوها.. وحضارة الغرب اليوم لم تترك نوعًا من الجرائم والآثام التي عرفت في
التاريخ البشري كله إلا وقامت به وفعلته.. فأعتقد -والله أعلم- أن سنة الله ستمضي
عليهم كما مضت على سائر المجرمين.. والله سبحانه وتعالى قد أنذر المجرمين
والمستكبرين في الأرض بهلاك شديد.
المجتمع: الآن يعلنون في الغرب
صراحة ودون مواربة أن عدوهم اللدود بعد سقوط الشيوعية هو الإسلام؛ يؤكد ذلك كتابا
«نيكسون» «نصر بلا حرب» و«الفرصة السانحة»، مما يجعل الحوار مع عقلاء الغرب من
أولويات الخطاب الإسلامي لتصحيح هذه الفكرة الخطأ.. ترى ما هي دوافع هذه الكراهية؟
د. عدنان النحوي:
هذا السؤال من أهم الأسئلة التي وجهت إلي، وقد عالجت هذه القضية في أحدث كتبي
«الصحوة الإسلامية إلى أين؟» ونحن إذا تعرفنا على دوافع هذه الكراهية والحقد سوف
نتمكن من تفسير كثير من الأحداث.. مصدر الصراع والكراهية الذي يكشفه لنا التاريخ
يمكن أن يتضح حين نقسم العالم الغربي إلى فئتين: فئة قائدة وهي الفئة التي يسميها
القرآن الكريم بالمستكبرين والمجرمين والظالمين والمفسدين ارتكبوا المظالم فأصبحوا
مجرمين.. هذه الطبقة مهما تظاهرت بأنها تنتسب إلى المسيحية أو اليهودية أو غيرها..
فإن الدين يتبرأ منهم وقد تبرؤوا هم عمليًا من الدين؛ هذه الطبقة ليست مشكلتها
الدين لأنها لا تمت إلى الدين بصلة، إنما في المادية الجائرة التي لا تعرف سوى نهب
الشعوب المستضعفة وسرقتها وإذلالها.
والفئة الثانية: هي الجماهير.. أو عامة الشعب
الذي لا يعرف دينه ولم يدرسه أو يتدبره.. فأنت لو سألت أي واحد من هؤلاء.. لماذا
تكره الإسلام؟ لن تظفر بإجابة تنتمي إلى عقل أو تمثل شيئًا.. هذه الطبقة العادية
نمت على كراهية الإسلام لسببين:
السبب الأول: لأن كراهية الإسلام زرعتها في
نفوسهم الطبقة الأولى المجرمة الظالمة وجعلت ذلك من مناهجها.
والسبب الثاني: إنهم يجهلون دينهم أصلًا.. فهم
يأخذون كلمة من هنا وكلمة من هناك ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ
أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا
لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ (التوبة: ٣١) هذه الجماهير الضخمة تتحرك بعاطفة
الكراهية التي غرست فيها..
ولذلك فأنا أؤيد الحوار العاقل الهادئ مع
عقلاء الغرب لتجنب هذا الموج والافتراء قدر الإمكان، وعلينا أن نسعى إلى هذا
الحوار ونعمل على أن نجيد أدبياته وقناعاته وأدواته..
دلائل الصحوة الإسلامية
المجتمع: ولكن في ظل هذه الظروف
القائمة.. هل للصحوة الإسلامية من دلائل على الساحة العالمية؟
د. عدنان النحوي:
لا شك في أن صورة الصحوة تظهر بشكل أوضح عندما نقارن مرحلة سابقة بمرحلة حالية..
فبالرغم من المآسي التي يمر بها العالم الإسلامي.. هناك حركة بين الشباب المسلم
أقوى وأكثر مما كانت عليه قبل سنوات، وأيضًا قيام المسلمين في بقاع كثيرة من
العالم بالدفاع عن حقوقهم وأنفسهم بالرغم من ضعف الإمكانات، وأيضًا انتعاش التحرك
الإسلامي في الدول التي كانت خاضعة للاتحاد السوفيتي، وانتشار المد الإسلامي في
أمريكا وأوروبا وإسلام عدد كبير من قادة الغرب ومفكريه، وتفهم الكثير من الشعوب
للفكرة الإسلامية. ولولا الصحوة وظهورها على الساحة لما كان هذا العداء المحموم
لنا، ولكن لا تزال هذه الصحوة المباركة بحاجة إلى الخطة المشتركة والمسؤولية
المتماسكة.. فلو كانت هذه المسؤولية موجودة لدى المسلمين لما كانت الانتفاضة تمثل
بلدًا واحدًا، إنما كانت تمثل أمة كاملة وبكل حزن.. لما كان هذا هو حال البوسنة..
ولكن سوف تظل هناك قلوب ثابتة لا تستطيع كل
قوى الأرض أن تقضي عليها.. تلك الفئة التي حدث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم
على ذلك» (أخرجه مسلم) أو (حتى تقوم الساعة).. هذا الحديث الشريف يأتي عن طريق سبع
روايات كلها صحيحة.. وفي كل رواية يرسم ظلًا جديدًا.. ولو جمعت معانيها معًا
لتوفرنا على خصائص هذه الفئة الظاهرة.. وهذه الفئة أنا أعتبرها محور الصحوة
الإسلامية التي لن تختفي من الأرض أبدًا بإذن الله تعالى، ولو اجتمعت عليها كل
الأسلحة النووية وكل قوى المجرمين والمستكبرين والظالمين؛ لأن هذه الفئة الظاهرة
قد سبقت بها كلمة الله تعالى وأمرت وقضت، وعلى كل فرد منا أن يركض ويتسارع لأن
يوجد ذلك النموذج في نفسه ليكون من أبناء الصحوة.. فالصحوة إذن ليست شعبًا محددًا
ولا حزبًا معينًا.. إنما هي وعد من الله له خصائص إيمانية محددة..
المجتمع: نعود إلى ما بدأنا به..
كيف يستطيع الأدب الإسلامي أن يأخذ بعده الإنساني الكامل؟
د. عدنان النحوي:
لي بفضل الله على طريق الأدب الإسلامي ثلاثة دواوين وأربع ملاحم وكتابان تنظيريان
وهما: «الحداثة من منظور إيماني» و«الأدب الإسلامي إنسانيته وعالميته».. وأستطيع
أن أقول لك: إن الأدب الذي لا ينتمي إلى عقيدة إنما هو أدب مهزول مرذول.. فكل
عقيدة تعطي الأدب قوة وتضيف إليه عزة، ولكن عقيدة الإسلام هي العقيدة الوحيدة التي
تدفع الأدب إلى منزلته الحقة والأمينة، وترفعه إلى علو مستمكن صاعد. إنه الإسلام
وحده الذي يفتح للأدب كل الميادين النظيفة ويطوف به في كل الميادين الطاهرة، ليكون
خيرًا وبركة للإنسان كله للعالم كله للبشرية كلها، ليمتد نورًا وتاريخًا وحضارة
وعزة. فالإسلام وحده هو الذي يعيد صياغة الموهبة والقدرة ويشق لها المنافذ ويفتح
لها الآفاق..
«لا يسف الهوى ولا يهبط الحس، ولا ينحني لعض
قيود شرف القول من هدى الحق، وسحر البيان بالتوحيد.. أدب يرتوي البيان لديه من
حديث، من الكتاب المجيد».
إذن لابد لكي ينطلق الأدب الإسلامي إلى أبعاده
الإنسانية الكاملة من:
1. التمكن من العناصر الفنية للأدب.
2. تمثل القوى الأساسية التي ينطلق منها العمل الفني.
3. العقيدة التي ترعى ذلك كله وتغذيه وتحدد أهدافه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل