; الإسلام وحده عالج المجاعة وحارب الجوع | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام وحده عالج المجاعة وحارب الجوع

الكاتب عبدالكريم محمد حسن بكار

تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1986

مشاهدات 82

نشر في العدد 792

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 18-نوفمبر-1986

لم يعد خافيًا على أحد ما يعانيه المسلمون في إفريقيا من خطر الموت جوعًا؛ حيث ساد القحط والجفاف، وحيث توفي السواد الأعظم من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنتين في بعض المناطق، وكثيرًا ما تبدأ الأسرة المكونة من عشرة أشخاص الرحلة من أرتيريا عبر الصحراء إلى السودان، فلا يصل منهم إلا شخصان أو ثلاثة، وأما الباقي فيموتون جوعًا وظمأ. 

مأساة عظمى يعجز اليراع أن يرسم حتى ملامحها، وما حدث كان نتيجة عوامل عدة ليس أهمها الجفاف القاسي الذي مضى عليه عشر سنوات متتابعة، ولكن تشرذم الجسد الإسلامي الكبير وتهاون المسلمين بالالتزام بتعاليم دينهم وتوجيهاته.

ذلك أن أكمل تصور لأوضاع هذا الكون هو ذاك التصور الذي جاء به الإسلام «الرسالة الخاتمة» تصور شامل لمادة هذا الكون وإحيائه وسنن إعماره، وبالتالي فإن أنجع الحلول لمشكلات هذا العالم تلك الحلول التي جاء بها القرآن الكريم، وليس هذا تعصبًا منا لديننا أو كتابنا؛ ولكنه ما يقضي به المنطق المستقيم، فكما نعتقد أن أسلم الطرق وأقصرها للاستفادة من جهاز ما هو أن نسترشد بالوصفة المصاحبة له من الشركة الصانعة ينبغي أن نسلم من باب أولى بأن الكتاب الذي جاء من عند الله تعالى خالق هذا الكون هو الكتاب الصالح لحل مشكلاته المتجددة المتنامية في كل زمان وكل مكان.

ومن أخطر الأزمات التي تواجه العالم اليوم مشكلة نقص الموارد الغذائية، أو بعبارة أدق عدم القدرة على جعل الموارد الغذائية تواكب الزيادة المضطردة في عدد السكان.

ويقدر المهتمون بهذه المسائل أن سكان هذه المعمورة سيتضاعف عددهم -إذا شاء الله- خلال أقل من أربعين عامًا ليصبح قرابة ثمانية آلاف مليون نسمة، وإذا بقيت معاملات البشرية جارية على النحو الذي هي عليه الآن، فإن ذلك هو الفاجعة الحقيقية التي سيفاجأ بها العالم كله.

ذلك بأن العالم المتقدم يؤمن اليوم أكثر من أي وقت مضى بنظرية «مالتوس» القائلة بأن الكوارث العامة التي تزهق أرواح الملايين من البشر هي وسيلة طبيعية للخلاص من التنامي البشري المضطرد، وفي سبيل رفاهية الشعوب المتقدمة، وفي سبيل الحفاظ على أسعار المواد الغذائية من الانخفاض تفرق أمريكا ملايين الأطنان من القمح سنويًّا، وهناك تفكير جاد في إيطاليا لإعدام خمسة وسبعين ألف بقرة حلوب بغية عدم انخفاض أسعار مشتقات الألبان، وإذا أضفنا إلى هذا السرقات المتعددة الأشكال والألوان لخيرات العالم الثالث وثرواته، علمنا أي كارثة ستواجه الفقراء والمستضعفين على هذه الأرض.

والإسلام حين يضع المناهج والخطط لمعالجة مشكلات الحياة فإنما يضع المناهج المتصفة بالديمومة والاستمرار، ومن ثم فإن حلوله تكون جذرية وشاملة، وليس بإمكاني في مقال كهذا أن آتي على كل وسائل الإسلام في مكافحة المجاعة وتأمين العيش الكريم لكل مخلوق؛ إذ إن هذا باب واسع فلأقتصر إذن على وسيلتين من تلك الوسائل الكثيرة:

الوسيلة الأولى: تشكيل الإسلام لمشاعر المسلم تجاه الحياة الدنيا؛ حيث ركز القرآن الكريم والسنة النبوية والتوجهات الفقهية العامة على أن الدنيا متاع هين زائل ينبغي للمسلم أن يأخذ منه بالمقدار الذي يبلغه الآخرة، وآن الآخرة هي الأجدر بصرف الجهد وتعلق القلب بها؛ قال جل ذكره: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (العنكبوت: 64)«۱»، وقال عز اسمه: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (النساء: 77)«2».

وقال عليه الصلاة والسلام: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع»«3»، وقال أيضًا: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»«4»، وقال كذلك: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء»«5»، والآيات والأحاديث في هذه القضية تفوت الحصر. وقد أتت التعاليم الإسلامية السامية أكلها فنشأت أجيال من المسلمين ضربت أروع الأمثلة في الزهد في الدنيا والتقلل منها وإيثار الآخرين بمقادير عظيمة من الثروات، وما زالت الأوقاف الإسلامية وهيئات الخير والبر شواهد ماثلات على ذلك.

وهذا مناقض تمامًا لما يفعله العالم الغربي والشرقي على حد سواء من تدمير المحاصيل الكثيرة بغية الحفاظ على الأسعار ومخالف لما يفعلونه من وضع العقبات الكثيرة في طرق نهوض الشعوب ومحاولاتها لتنمية مواردها واستغلالها، وهذا كله في كفة وسرقاتهم لخيرات الشعوب بوسائل مختلفة قديمًا وحديثًا في كفة أخرى، ولا غرابة من هذا الوضع، بل هو نتيجة منطقية للإلحاد وتحكيم شهوات النفس ونزواتها.

ومما يتكامل مع هذا المنهج حث الإسلام للمسلم على الاقتصاد في الإنفاق من الثروات المتاحة؛ إذ إن إنسان القرن العشرين قد تمكن بسبب الفتوحات العلمية من السيطرة على الكثير من الموارد في البحر وعلى اليابسة تمكنًا لم يسبق لأحد مثله، وهذا جعله ينفق عشرات أمثال ما كان ينفقه الفرد فيما مضى، بل ومئات الأمثال في بعض الأحيان. وخطة الإسلام هنا تكمن في إرشاد المسلمين وتوجيههم إلى عدم البذخ والإسراف فيما مكنهم الله تعالى منه من ألوان الخيرات حتى يتاح الانتفاع بكنوز الأرض، وخيراتها لأكبر عدد ممكن من الأجيال المتعاقبة ومن توجيهات الإسلام في الاقتصاد وذم الإسراف والتبذير ما قاله الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (الأعراف: 31)«6» وجعل أي -عز اسمه- المبذرين الذين لا يضعون أموالهم في المواضع المشروعة بالمقادير المقبولة عرفًا إخوانًا للشياطين؛ لأنهم بعملهم ذاك يفسدون كما تفسد الشياطين، قال تبارك وتعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا(الإسراء: 26، 27)«7».

وجعل من صفات الصفوة من عباده الاعتدال في الإنفاق حين قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا (الفرقان: 67)«8»، وقد نال عباد الرحمن التنويه بهم لأنهم اتصفوا بهذه الصفة الوسط لهذه الأمة الوسط.

روی معاذ بن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك اللباس تواضعًا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان يلبسها»«9». وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض»«10».

وقال عليه الصلاة والسلام: «ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه»«11»، وأخرج البخاري في الأدب عن عبد الله الرومي قال: «دخلت على أم طلق بيتها فإذا سقف بيتها قصير فقلت: ما أقصر سقف بيتك يا أم طلق! قالت: يا بني، إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عماله ألا تطيلوا بناءكم، فإن شر أيامكم يوم تطيلون بناءكم»«12».

وأتى سليمان الفارسي أبا بكر رضي الله عنهما في مرضه الذي مات فيه فقال: «أوصني يا خليفة رسول الله، فقال أبو بكر: إن الله فاتح عليكم الدنيا فلا يأخذن منها أحد إلا بلاغًا»«13».

وإن من أعظم المشكلات التي يعاني منها المسلمون اليوم تخلف واقعهم العملي عن معتقداتهم وتصوراتهم للحياة، ولا يخفى اليوم ما أصاب المسلمين من البذخ والإسراف والتباهي والتفاخر حتى وصل الأمر بكثير من المسلمين إلى حد السفه والطيش في إنفاق الأموال على الأدوات الكمالية والترفيهية، على حين أن شريحة عريضة من العالم الإسلامي تعيش تحت مستوى الفقر ويشكو أطفالها من سوء التغذية، بل من الموت جوعًا ففي إفريقيا وحدها مائة وخمسون مليونًا من الناس تهددهم المجاعة، وهذا العدد أكثر من نصفه من المسلمين، وهناك في آسيا أعداد غير قليلة من المسلمين تعيش هي الأخرى حالة من البؤس والفقر فدخل الفرد في بنغلاديش مثلًا لا يتجاوز سنويًّا مائة وخمسين من الدولارات، وهو مبلغ يدفعه كثير من المسلمين في بعض مناطق العالم ثمنًا لزوج من النعال!

لقد غاب عن أذهان كثير من المسلمين سنة الله في خلقه من الابتلاء بالغنى والفقر ليكون هناك تكامل وتوازن في هذا الوجود، ففرح الموسرون بما آتاهم الله، غافلين عن أداء حقه، متغافلين عن عاقبة ما يفعلون.

ومشكلة الإسراف عند المسلمين لم تأخذ حقها من العناية والاهتمام؛ وذلك لضعف «الحساسية» تجاهها من الذين يمثلون القدوة في المجتمع، وذلك عائد في المقام الأول إلى أن كثيرًا ممن يرجى منهم الإصلاح قد انغمسوا في الترف، ودخلوا في سباق مع الكماليات ووسائل الراحة فسابقوا في هذا المضمار جيادًا لا تسبق!

ولقد كان السلف من الأصحاب والتابعين -رضوان الله عليهم- أكثر تفهمًا لهذه المسألة فوقفوا بالمرصاد لكل المتغيرات الترفيهية التي أخذت تغزو المجتمع الإسلامي من جراء اختلاط المسلمين بالأمم المترفة كفارس والروم، ومن ثم فإن التوسع في الملبس والمسكن والمطعم كان يقابل بالإنكار، فقد كان الناس في زمان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرفون المناخل فيكون خبزهم لذلك خشنًا، وحين اتخذ الناس المناخل أنكرت ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها، وعدت ذلك من أولى البدع التي أحدثها الناس بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، ونظرة الناس إلى البدع الآن نظرة مختلفة عن نظرة السلف؛ لأن الناس اليوم يعدون التوسع الذي ابتلينا به اليوم من الأمور الهينة ما دامت في دائرة المباح؛ وليس الأمر كذلك لأن هذا التوسع غير معالم الشخصية الإسلامية وقلب كثيرًا من المثل الإسلامية رأسًا على عقب، وأصبح الذي يرفع الإنسان في نظر الناس ما ملكه لا ما يحسنه، وصار المسكن الواسع والمركب الرافه واللقمة الناعمة أهدافًا عليا في المجتمع لدى كثير من المسلمين، وبذلك فقدت التعاليم الإسلامية في الحفاظ على الثروات الكثير الكثير من فاعليتها.

فعلى الحكومات في البلدان الإسلامية أن تضرب المثل للناس في ضغط النفقات العامة والشخصية، وعليها أن تعلم الناس ذلك وتحثهم عليها، وعلى العلماء والمثقفين أن يكونوا القدو الحسنة في هذا الشأن.

إن الترف ليس مضيعة للثروات ومجلبة للمجاعات، ولكنه عدو لكثير من المثل العلياوالأهداف السامية في المجتمع.

إن عشرات الملايين من المسلمين يتضورون جوعًا اليوم، وأكثر المسلمين في غفلة عن هذا.. يتقلبون في النعيم، وقد هبت المؤسسات الصليبية فدفعت بالأغذية والأدوية والمبشرين والقساوسة، وبدأت بتغيير كثير من عقائد المسلمين من خلال البطون الجائعة والأجسام العارية، فأين المؤسسات الإسلامية؟ وأين الدعاة إلى الله؟!

«۱» العنكبوت ٦٤، ومعنى الحيوان هو الحياة، فهو مصدر مثل: النزوان والغليان.

«2» النساء: ۷۷.

«3» رواه مسلم.

«4» رواه مسلم.

«5» رواه الترمذي.

«6» الأعراف: ٣١.

«7» الإسراء: ٢٦، ٢٧.

«8» الفرقان: ٦٧.

«9» أخرجه الترمذي.

«10» أخرجه الشيخان.

«11» أخرجه الترمذي.

«12» حياة الصحابة: م/ ٢٥٨.

«13» السابق: ٢/ 259.

الرابط المختصر :