; الإسلام وتحقيق المجتمع الإنساني | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام وتحقيق المجتمع الإنساني

الكاتب الدكتور جعفر شيخ إدريس

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يوليو-1973

مشاهدات 16

نشر في العدد 161

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 31-يوليو-1973

(الحلقة الأولى)

السؤال الذي تحاول كل النظريات والفلسفات الاجتماعية الإجابة عليه يمكن وضعه بالصيغة التالية: كيف يتخلص الإنسان من المعوقات التي تحط من قدره الإنساني، وما هي الشروط التي يجب توفرها ليصبح الإنسان إنسانًا حقيقيًا أو يصبح المجتمع مجتمعًا إنسانيًا.

تقول النظرية الفردية في شكلها المتطرف إن الإنسان أساسًا فرد، وأن وجوده في المجتمع أمر طارئ عليه، وكان مضطرًا إليه، ولذلك فإن أهم ما ينبغي أن يسعى إليه التنظيم الاجتماعي هو تقليل أثر المجتمع على الفرد إلى أقصى حد، وتمكين الفرد من أن يمارس حريته إلى أقصى حد، ومن هنا جاءت فكرة «دع يعمل» التي كانت حلم الرأسمالية في شكلها السياسي والاقتصادي، والذي تحقق منه ما تسنى لها فلم تكن النتيجة أن تحرر الفرد، بل أن ظهرت في المجتمع بطلتان فقدت إحداهما إنسانيتها بظل البؤس والاستغلال والعبودية وفقدت الأخرى إنسانيتها ببطر الثراء والترف والانغماس في الشهوات الحيوانية، وبقي بالطبع بين هاتين أفراد كثيرون لم يبلغوا من الثراء أن يكونوا رأسماليين، ولا من البؤس أن يكونوا «مسحوقين» فتفرقوا مذاهب واتجاهات «كل حزب بما لديهم فرحون» فمنهم الشيوعيون ومنهم الاشتراكيون غير الماركسيين، ومنهم المدنيون، ومنهم الهيبيون، ومنهم الرافضون لما أسموه بمجتمع الاستهلاك، الراغبون في مجتمع أكثر إنسانية وإن كانوا لا يدرون الطريق إليه. ومنهم أفراد المفكرين والفلاسفة ذوي الآراء والمذاهب الخاصة ومنهم... ومنهم... ومنهم... ذلك ما آل إليه واقع النظرية الفردية. وجاءت بعدها النظرية الماركسية لتقول إن الملكية الفردية لوسائل الإنتاج والتوزيع هي العامل الأساس الحاسم في المصير المؤسف الذي آلت إليه الرأسمالية. فالعلاج إذن سهل ميسور، وهو الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والتوزيع فإذا ما تحقق هذا الإجراء الاقتصادي حلت تدريجيًا كل العُقَد التي أقعدت الإنسان عن تطوره الإنساني، فحلت الأريحية أو الجماعية محل الأنانية والفردية، وحل الإخاء محل التنافس والبغضاء، وصار عمل العامل ــ شأنه في ذلك شأن الشعر والموسيقى- عملًا خلاقًا يعبر عن جوهر الإنسان ويعلي من قدره، وزالت أمراض الكذب والخيانة والسرقة والإدمان وغيرها.

لماذا يحصل كل هذا؟ لأن الوضع الاقتصادي للمجتمع هو أساسه، وكل ما عداه من أدب وفن وخلق وقانون ودين وعلاقات اجتماعية، إنما هي بنى فوقية تابعة لذلك الأساس، فإذا تغير تغيرت معه، ولا أمل في تغييرها إذا ظل هو ثابتًا.

ووجدت الماركسية الفرصة لتطبيق نظريتها وأزيلت الملكية الفردية، وتحققت الملكية الجماعية، أو بالأحرى الملكية الدولية لوسائل الإنتاج والتوزيع وانتظر الناس أن يتغير البناء الفوقي بعد أن تغير الأساس، وطال الانتظار، وبقي البناء الفوقي شابكًا يتحدى الدين زاعمًا أن أساسه الوضع الاقتصادي، فقد بقي الكذب وبقيت الخيانة وبقي النفاق بل ازداد، وبقيت السرقة والإختلاس، وازداد الانغماس في الشهوات المادية وتفاقم الإدمان. هذا إلى جانب شرور أخرى صاحبت النظام فبدلًا من أن تكون إزالة الملكية الفردية كسرًا لقيد العبودية وتحريرًا للإنسان ــ كما تصورها المفكرون الاشتراكيون، ارتبطت الملكية الجماعية في تجربة الاتحاد السوفيتي بأسوأ أنواع القهر السياسي التي عرفتها البشرية، ولم يكتفِ هذا النظام بخنق الحريات الداخلية وتسليط المخابرات لحصر أنفاس الناس، ومراقبة ألسنتهم وأقلامهم، وعلاقاتهم، بل أرسل جنده المسلح لإسكات أي صوت خارج الاتحاد السوفيتي زعم أنه سيجعل للاشتراكية وجهًا إنسانيًا. وبدلًا من أن تكون الماركسية تلبية تصدم بنتيجة التجربة التي أثبتت كذب الافتراض، راحوا يبحثون عن المبررات التي حالت دون ظهور النتيجة المرجوة.

فقالوا مرة إن الأساس المزال لم تزل معه كل آثاره الفوقية لأن رواسبها بقيت في الرؤوس وفي الكتب وفي كثير من العادات والتقاليد وظلت لهذا تعوق عملها ولكنها لا شك زائلة بالتدريج.

وقالوا مرة إنه ما دام الأساس الرأسمالي ما زال باقيًا بأدواره الفوقية في كل البلاد غير الاشتراكية، وما دامت البلاد الاشتراكية مفتوحة لتلقي آثاره ليس من الغريب أن تتأثر به.

وقال بعض الماركسيين خارج الاتحاد السوفيتي إن النتيجة السوفيتية ليست بالضرورة النتيجة الحتمية لتطبيق الماركسية، نعم إن السوفييت طبقوا من الجانب الاقتصادي جانب إزالة الملكية الفردية ولكنهم جعلوا ملكية دولة، وملكية الدولة لا تزيل الاغتراب أو الاستلاب. بل الملكية الجماعية هي التي تفعل هذا. إن المهم في الاشتراكية أن يكون الإنتاج لصالح الجماعة كلها، وهذا يحتم ارتباط الاشتراكية بالديمقراطية الحقيقية، بحرية التعبير ومشاركة الشعب في صنع القرارات، لأنه ما دام المقصود أن يكون الإنتاج لصالح الجماعة فينبغي أن تقرر الجماعة ما تراه صالحًا لها.

وقال بعض هؤلاء إننا والماركسيين داخل البلاد الاشتراكية لم نكن محقين في أن نتوقع ما توقعناه، لقد أخطأنا فهم الماركسية الحقة وتأثرنا بالتفسير الاستاليني لها. وذلك إن ستالين هو الذي قال إن العامل الاقتصادي هو الذي يؤثر في غيره من البنى الفوقية فحسب، بل هو الذي يحتم شكلها ومصيرها. أما ماركس فكل ما قاله إنه في الفترة التاريخية التي تقوم فيها العلاقات الاقتصادية على أساس الملكية الفردية فإن العامل الاقتصادي يكون أهم العوامل في تحديد سائر العلاقات الاجتماعية، أما حين تزول الملكية الفردية فإن العامل المادي يفقد هذه الأهمية ويبقى الناس أحرارًا في اختيار المجتمع الذي يريدون بعد أن كُسرت أغلال الملكية الفردية، أي أن العامل الثقافي الفكري يصبح أهم العوامل، ولتأكيد هذا الفهم ودعمه رجع أصحابه إلى كتابات ماركس الأولى سيما مخطوطات عام 1844. ذلك ما قيل في الغرب.

ولقد كرر شيء من هذا التاريخ في عالمنا العربي، فحين بدأت التجربة الاشتراكية عندنا، قال المتأثرون بالماركسية منا إن أخلاقنا ستتغير تبعًا لتغير أوضاعنا الاقتصادية. فتقريبًا تحل الأخلاق الاشتراكية محل الأخلاق الرمزية الزراعية المرتبطة بالمفاهيم الدينية القديمة، قريبًا تزول الأنانية وتأخذ مكانها الجماعية، قريبًا يحل التفكير العلمي محل التفكير الخرافي. فلما مرت السنون ولم تأتِ النتيجة المرجوة تحول الشعار، فبعد أن كان تبشيرًا بحلول الأخلاق الاشتراكية الناتجة عن الأوضاع الاشتراكية، أصبحنا نسمع نداءً مثل «نحو أخلاق اشتراكية لحراسة منجزاتنا الاشتراكية» أي إن المنجزات بدلًا من أن تنتج الأخلاق أصبحت هي المحتاجة إليها لتحرسها.

وإذن فالنتيجة التي خلصت إليها الماركسية واعترف بها كثير من الماركسيين والمتأثرين بالفكر الماركسي هي إن إزالة الملكية الفردية لا تكفي وحدها لتحقيق المجتمع الإنساني. فما هي إذن الشروط اللازمة لتحقيق هذا المجتمع؟ يقولون - كما رأينا - إنه لا بد من أن تحل الملكية الجماعية محل ملكية الدولة، ولا بد - لذلك - من توفير الحرية والمشاركة الجماهيرية.

هب أن كل هذا حدث فهل يكفي للوصول بنا إلى النتيجة التي نريدها ولنتذكر أن النتيجة التي نريدها - كما ذكرت في صدر هذا الحديث - هي أن يصبح الإنسان إنسانًا حقيقيًا، أو بعبارة أخرى أن يصبح المجتمع مجتمعًا إنسانيًا.

ولكن هذا يقودنا إلى سؤال آخر: ما هو الإنسان الحقيقي؟ وقد اضطربت الماركسية في الإجابة على هذا السؤال فماركس يقول لنا تارة ليس هناك ما يسمى بالجواهر الإنسانية، فطبيعة الإنسان إن هي إلا مجموعة علاقاته الاجتماعية. وبما أن هذه العلاقات تختلف حسب نظريته من طور إلى طور تبعًا لاختلاف الأساس الاقتصادي للمجتمع، فالطبيعة الإنسانية إذن ليست ثابتة، فلكل مرحلة اقتصادية إنسانها المختلف كيفًا عن المرحلة السابقة والمرحلة اللاحقة، وهذا ما يقتضيه القول بأن طبيعة الإنسان إن هي إلا مجموع علاقاته الاجتماعية. ولكن ماركس يتحدث - لا سيما في مخطوطات عام 1844 - عن «الإنسان الحقيقي»، وإدانته للرأسمالية ترتكز أساسًا على أنها مسخت هذا الإنسان، وشوهت حقيقته، وجعلته مغتربًا عن ذاته، بل جعلته حيوانًا، وهو لن يعود من غربته ولن يستعيد حقيقته إلا في المجتمع الشيوعي. وهو يقول في هذا الصدد في كتابه آنف الذكر: «ونقلنا هناك الشيوعية التي تزيل الملكية الفردية إزالة إيجابية فتزيل اغتراب الذات الإنسانية، فهي - لذلك - أن يستعيد الإنسان - من أجل الإنسان - جوهره الحقيقي استعادة حقيقية. هذه هي الشيوعية بما هي عودة الإنسان عودًا تامًا وواعيًا محتفظًا بكل ثراء التطور السابق للإنسان بما هو كائن اجتماعي، أي كائن إنساني.. الشيوعية بما هي الطبيعية المكتملة هي الإنسانية، وبما هي الإنسانية المكتملة فهي الطبيعية، إنها الحل الحقيقي للعداوة بين الإنسان والطبيعة وبين الإنسان والإنسان. إنها الحل الحقيقي للصراع بين الوجود والجواهر، بين الفعل الموضوعي وتأكيد الذات، بين الحرية والضرورة، بين الفرد والتنوع، إنها حل معضلة التاريخ وإنها لتعرف أنها هذا الحل.»

ويقول بعد قليل من هذا: «إن الإزالة الإيجابية للملكية الفردية، واكتساب الحياة الإنسانية، هي إذن الإزالة الإيجابية للاغتراب كله فهي لذلك عودة الإنسان من الدين، ومن الأسرة، ومن الدولة إلى كينونته الإنسانية أي الاجتماعية».

ما هو الإنسان؟ لا مجال هنا ولا داعي للدخول في التفاصيل الشائكة للإجابة على هذا السؤال وفي مناقشة الإجابة الماركسية له. ولذلك سنكتفي بالقدر المشترك بيننا وبينهم في تصور هذا الإنسان الحقيقي غافلين عن نقاط الاختلاف وعن الاضطراب والتناقض الذي وقعوا فيه.

ما سمات المجتمع الإنساني الذي يتكون من أناس حقيقيين غير مشوهين ولا مغتربين؟

إنه مجتمع تزول عنه الأنانية والأثرة، فيعمل فيه كل إنسان حسب جهده ليكفي حاجات نفسه وحاجات غيره من غير أن يطلب الأولى على الثانية ومن غير أن يشعر بالتناقض بينهما. فهو مجتمع تقوم علاقات الناس فيه على الإخاء والحب والتعاون، لا التنافس والتدافع، وهو مجتمع يتسم أفراده بالصدق والأمانة، فلا يكذبون ولا يخونون ولا يسرقون ولا يحاولون الهروب من أنفسهم بالإدمان أو البقاء أو غير ذلك من الملهيات القاتلة، ذلك أهم ما قالته الماركسية في تصورها للمجتمع الإنساني.

والمجتمع الإنساني شيء أعظم من هذا بكثير، ولكن لنقف عند هذا الحد الذي يمثل جزءًا كبيرًا من التصور الماركسي وهو حد نتفق معها فيه وإن كنا نراه ضئيلًا.

كيف نصل إلى هذا المجتمع الإنساني؟

(يتبع)

الرابط المختصر :