; الإسلام وتحقيق المجتمع الإنساني | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام وتحقيق المجتمع الإنساني

الكاتب الدكتور جعفر شيخ إدريس

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أغسطس-1973

مشاهدات 17

نشر في العدد 163

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 14-أغسطس-1973

الحلقة الأخيرة

لقد كنا نحاول حتى الآن أن نثبت بالنظر العقلي وحده أن الفكرة الإسلامية حَرِية بطبعها أن تثمر في المؤمن بها قيما إنسانية، ولكن الدليل النظري ليس هو شاهدنا الوحيد على ما نقول؛ بل إن الواقع العملي يصدق هذا الاستنتاج النظري ويوُيّده أيضاً تأييداً.

 فالواقع التاريخي يحدثنا أن الجماعة التي التأمت حول الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة والذي نصرته بالمدينة تحولت بعد إيمانها بالله والدار الآخرة تحولاً عجيباً. فالعرب الذين كانوا يعيشون في جاهلية غلاظ الأكباد جافي الطباع، يئدون البنات ويزنون بغير حرج، ويجمعون في الزواج بين الأخوات، ويعاقرون الخمر، ويلعبون الميسر، ويشنون حروب العدوان؛ هؤلاء ما إن صدقوا في إيمانهم بالله وأيقنوا بالدار الآخرة إلا وتركوا كل هذه الموبقات، وصاروا مثالاً للمجتمع الإنساني، مجتمع الأخوة والحب والشجاعة والعفة والرحمة والتوقير والإيثار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل الدائب والطمأنينة النفسية. ذلكم هو واقع الفكرة التاريخي. ولكن واقعها الماثل أمامنا فيه أيضاً الشهادة على ما نقول. ولبيان ذلك يمكن أن نقوم بتجربة نقارن فيها "نوع" الإنسان الذي تصنعه الماركسية والذي تصنعه الأفكار السائدة في العالم الرأسمالي. وذلك بأن نأخذ عدداً من المسلمين الملتزمين بأركان الإسلام الخمسة، الواعين بفكرتهم، الداعين لها، نأخذهم بغض النظر عن موقعهم الجغرافي، أو واقعهم الاقتصادي، أو نظامهم السياسي، أو مستواهم العلمي، أو رباطهم القومي، ونأخذ عدداً مماثلاً من قادة الفكر الرأسمالي، وعدداً مماثلاً من أكثر الماركسيين فهماً لفكرتهم والتزاماً بها وعيشاً في واقعها، ونقارن بين هذه المجموعات. ولنكون منصفين، فليكن مقياس المقارنة هو مدى قربهم أو بعدهم من الإنسان الحقيقي كما تصوروه، أو كما تصورته الماركسية كما سبق شرحنا لها. أنني واثق من أن نتيجة المقارنة لا بد أن تكشف أن أقرب الناس إلى هذا المثال الإنساني الذي تصوره الماركسيون هم المسلمون.

قلنا إن منبع القيم وأسسها هو فطرة الله التي فطر الناس عليها.

وأن الأفكار أو فلسفات الحياة تأتي مؤيدة لهذه الفطرة فتقويها وتكفلها، أو تضادها وتضعفها.

وأن البيئة بما فيها من تربية وأوضاع اقتصادية ونظم سياسية وتشريعات قانونية، وعلاقات اجتماعية.. إلخ، تأتي مؤيدة للنظرة السوية والفكرة القويمة فتكمل للإنسان العوامل المحققة لإنسانيته، أو تأتي مضادة لفطرته وفكرته، فيعيش في مجتمع الفتنة ويكون رقيه الإنساني بقدر التزامه بفكرته ومقاومته لأوضاع الفتنة المضادة لها. أي أن البيئة وإن كانت تساعد الإنسان في استكمال إنسانيته إن كانت موافقة لها، فإنها لا تسلبه بالضرورة هذه الإنسانية إذا كانت مضادة لها، بل إنه يستطيع أن يحتفظ بإنسانيته رغم وجوده في مجتمع الاغتراب. ولا مجال هنا لإثبات موافقة الهدى الإسلامي في التربية والاقتصاد والسياسة والقانون.. إلخ للفطرة الإنسانية، والتوسع فيه مجال الأخوة المتخصصين في هذه الفروع المدركين لفلسفة الإسلام العامة في الحياة، كما حاولنا أن نرسم الخطوط العريضة لمعالمها.

أود أن أختم هذه الكلمة ببعض الملاحظات في المقارنة بين الإسلام والنظريات الأخرى. فالماركسية تعتبر الملكية الفردية السبب الأساسي لاغتراب الإنسان عن ذاته، ولكنها تعتبر هذه الملكية الفردية أمرًا محتومًا على الإنسان في الفترة ما بين المشاعية البدائية والشيوعية الحقيقية؛ وإذن فاغتراب الإنسان أمر مفروض عليه غير خاضع لإرادته، ولا أمل له في وجدان نفسه، إلا حين تتهيأ الظروف التاريخية لذلك.

أما في الإسلام، فإن الإنسان يولد حين يولد إنسانًا حقيقيًا، وإن حادت به عن هذه الفطرة أفكر نشئ عليها، أو بيئة نشأ فيها، فهو قادر بإرادته على اعتناق الفكرة الصحيحة التي تعيده إلى ذاته، فالاغتراب ليس أمرًا مفروضًا على الإنسان.

وبينما تعتبر الماركسية الأوضاع الاقتصادية شرطًا ضروريًا لاكتشاف الإنسان لذاته وعودته من الاغتراب، فإن الإسلام يعتبره وسائر المؤسسات الاجتماعية عوامل مساعدة لا شروطًا ضرورية.

وإذا كان الشائع في فلسفات اليوم، وفي افتراضات علمائه، هو مقابلة الطبيعة بما وراءها أو الفيزيائية بالميتافيزية، فالميتافيزية عندهم إنما يتحدث عنها الناس بمجرد التأمل المجرد المنفصم عن حقائق الطبيعة، والطبيعة ينبغي لكي نتعامل معها تعاملًا علميًا أن نغض النظر عن أصلها وسبب وجودها، وأن نأخذها كما هي. فالإسلام كما قلت لا يعرف هذا الانفصام المفتعل ذا النتائج البالغة الضرر.

إن حقيقة ما وراء الطبيعة إنما يتوصل إليها بالتأمل في الطبيعة نفسها، والصفة المشتركة بين كل مظاهر الطبيعة هي كونها حادثة، وإذن فإن الطبيعة نفسها تشير إلى ما وراءها، تقول إنها ما دامت حادثة فلا بد لها من موجد أزلي غير حادث، وطبيعتها -كأثر من آثار هذا الخالق- تدل على صفاته، وتجاهل هذه الحقيقة التي تدل عليها الطبيعة نفسها أمر تعسفي لا يقتضيه علم ولا عقل.

ثم إذا كانت الطبيعة تدل على أن لها خالقًا أوجدها وهو الذي بيده أمرها، فكيف يمكن أن نفترضها مستقلة عن هذا الخالق؟

ليس صحيحًا إذن ما يقوله الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه آنف الذكر، من أن لدى کل إنسان "قوة ما"، مهما يكن اسمها، فهو يسند إليها ما لا يعرف سببه، وهو يؤمن بصحة إسناده إيمانًا غيبيًا لأنه لا يستطيع أن يثبته علميًا.

وفي مشكلة الألوهية بالذات ليس الملحدون أقل إيمانًا من غيرهم؛ غيرهم "يؤمن" بأن الله موجود، وهم "مؤمنون" بأن الله غير موجود، "وكلهم عاجزون عن إثبات إيمانهم بالاختبار والتجربة العلمية، وكلهم فيما يؤمنون متدينون".

هذا كلام غاص بالأخطاء، لكنني سأكتفي بالرد على مـــــــا يتعلق بموضوعنا هنا:

أولًا: لا تناقض في الإسلام بين عزو الأثر إلى سببه الطبيعي المباشر وعزوه إلى قوة الله تعالى. لا تناقض في قولي إن فلانًا قتل فلانًا فلا بد أن يعاقب على فعله، وقولي إنه إنما مات لأن أجله قد تم وكان مقدرًا له أن يموت؛ فالله تعالى خالق الأسباب وجاعلها أسبابًا لآثارها، والله تعالى إنما يقدر الأشياء حين يقدرها بأسبابها. فنحن المسلمين لا ننسب إلى الله تعالى فقط ما لا نعرف أسبابه، كما ظن كثير من المفكرين الغربيين الذين تأثر بهم الدكتور عصمت، بل ننسب إليه ما نعرف أسبابه وما لا نعرف أسبابه.

ثانيًا: لا تناقض كما قلت بين الإيمان الغيبي والإثبات العلمي إذا كان الحس هو الذي يدل على الحقيقة الغيبة كأثر من آثارها، واستنتاج خصائص الشيء من آثاره منهج علمي معترف به. فالعلماء يتحدثون عن الذرة وعن خصائصها ولم يرها ولن يرها منهم أحد، وإنما يستنتجون خصائصها من آثارها.

ثالثًا: الإثبات العلمي ليس محصورًا في الاختبار والتجربة، بل إن كثيرًا من حقائق العلم إنما تستنبط استنباطًا منطقيًا عقليًا من حقائق أخرى. وكذلك الأمر بالنسبة لوجود الخالق، كما قلت لا يعرف هذا الانفصام المفتعل ذا النتائج البالغة الضرر. إن حقيقة ما وراء الطبيعة إنما يتوصل إليها بالتأمل في الطبيعة نفسها، والصفة المشتركة بين كل مظاهر الطبيعة هو كونها حادثة، وإذن فإن الطبيعة نفسها تشير إلى ما وراءها، تقول إنها ما دامت حادثة فلا بد لها من موجد أزلي غير حادث، وطبيعتها -كأثر من آثار هذا الخالق- تدل على صفاته، وتجاهل هذه الحقيقة التي تدل عليها الطبيعة نفسها أمر تعسفي لا يقتضيه علم ولا عقل.

ثم إذا كانت الطبيعة تدل على أن لها خالقًا أوجدها وهو الذي بيده أمرها، فكيف يمكن أن نفترضها مستقلة عن هذا الخالق؟

رابعًا: التقابل بين العلم والإيمان ليس أمرًا ضروريًا؛ فمن الإيمان ما يقوم على علم يقيني وهو الإيمان الصحيح الذي يدعو إليه القرآن، ومنه ما يقوم على مجرد الهوى والخرافة والأباطيل وهو إيمان يذمه القرآن. الإيمان علم معه إقرار وهو يستلزم عملًا.

خامسًا: وأما قوله وقد انفصلت الميتافيزية عن العلم عندما قبل الناس أن يتعاملوا مع الوجود "كما هو"، وأن يحاولوا اكتشاف قوانين حركته ووجدوا في هذا ما يكفيهم لتحقيق ما يريدونه في المستقبل دون حاجة إلى البحث في الماضي عن القوة التي حركت الوجود أولًا، وكان هذا الانفصال مقدمة لانطلاق العلم إلى مزيد من المعرفة، فهو أيضا مليء بالأخطاء. أصحيح أن الناس وجدوا في هذا النهج ما يكفيهم لتحقيق ما يريدونه في المستقبل؟ إن هذا كلام غامض، فما هو هذا الذي أراده الناس ووجدوه؟ ومن هم هؤلاء الناس الذين وجدوا ما يريدون؟ والعلم بين أيدينا غاص بالمشاكل التي تفتقر إلى حلول، والبشر الماثلون أمامنا تكاد أن تقتل الكثيرين منهم الحيرة والاضطراب! هذا إلى أن الله في التصور الإسلامي لا يقتصر عمله على تحريك العالم تلك الحركة الأولى، بل هو الذي يحفظه ويرعاه ويصرف أمره وإليه مصيره: (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) [سورة الأنعام: 59].

وبعد، فإن ما بيناه من ضرورة التلازم النظري والواقعي بين الإيمان بالله وتحقيق المجتمع الإنساني، ليدل دلالة قاطعة على عقم الرأي القائل بإمكانية التعامل مع الكون كما لو كان مستقلًا عن القوة التي خلقته.

سادسًا: وإذا كان البحث العلمي لا يعني أكثر من البحث عن أسباب الظواهر والقوانين التي تحكم أفرادها، فليت شعري لماذا يستثنى من هذه الأسباب سببها الأول والأكبر الذي هو علة وجودها وسبب فعاليتها؟

إنه مجرد التحكم الناتج عن التصور الغربي الخاطئ لطبيعة الصلة بين العلم والدين.

 

الرابط المختصر :