; معالم على الطريق.. الإسلام وبعثه للطاقات الإنسانية | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. الإسلام وبعثه للطاقات الإنسانية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 11-نوفمبر-2006

مشاهدات 64

نشر في العدد 1726

نشر في الصفحة 43

السبت 11-نوفمبر-2006

يلفتُ الإسلام الإنسان إلى قواه العقلية والفكرية، بما لم يسبق إليه في دعوة من الدعوات، أو مذهب من المذاهب، أو نِحلة من النِّحَل، لأنَّ عقل الإنسان وفكره، هو موطن الإبداع والعبقرية فيه، ومحل الريادة والتقدُّم، فإذا صح هذا الفكر، انبعثتْ في الإنسان طاقات مذهلة لا حدود لها، وتفجرّتْ فيه ينابيع عارمة لا انحسار لها ولا هدوء.

يدرب الإسلام هذا الإنسان على النظر والبحث والتقصي، كما يدرب الأبطال عضلاتهم على حَملِ الأثقال، وتحمّل المشاق، فيناديهم إلى تحسس كل ما حولهم، ومطالعة أسراره، وكشف مغاليقه، وارتياد مجاهله، واختبار أحواله واستقراء ظواهره، وخوض أعماقه، ولا يَترُك الإسلام الإنسان يعيش تلك الحياة ببطنه دون عقله، ولا بشهوته دون فكرته، ولا بغرائزه دون فضائله، وإنما يقول له: انظر إلى ما حولك فهناك سماء وأرض وزروع وثمار، وطير وحيوان وليل ونهار، وشموس وأقمار أترى كل هذا وتحس به، وتشعر بوقعه وتلتفت إليه؟ إنّه محيط بك، ومخالط لك، يجب أن تلحظ ذلك، وتنتبه إليه خلقًا وجمالًا وبحثًا وانتفاعًا وشكرًا وعرفانًا واعتبارًا وارشادًا.

يحدِّثنا عن ذلك قراننا فيقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (الفرقان:62) ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ (النور:44).

والتأمُّل في تقلب الليل والنهار، والتدبر في هذا النظام الذي لا يفتر ولا يسكن ولا يختل ولا يتوقف، يوقظ في القلب الإحساس بتدبر هذا الناموس الذي يصرف هذا الكون ويدير شؤونه.

 كما يوجه القرآن القلب إلى هذه المشاهد - خشية أن يذهب الإلف بوقعها الموحى المثير- ليواجه «القلب» هذا الكون وتلك الحياة دائمًا بحس جديد، ونظر بهيج، وهي هي لم تتغير ولم تتبدل، رغم ما مر عليها من كر الليالي والأيام، وهي هي شاخصة شامخة لم تفقد جمالها وإيحاءها، وروعتها.

فالقرآن يجدِّد فينا حسِّنا الخامل الخامد، ويوقظ فينا فكرنا الملول، ويلمس قلبنا البارد، لنرتاد هذا الكون دائمًا بحب ويقظة، ونقف أمام كل ظاهرة فيه تتأملها ونسأل عما وراءها من سر دفين وسحر مكنون، ونرقب يد الله تفعل فعلها في كل ما حولنا من عوالم وكائنات وأسرار بطريقة لا مجال فيها للعناد أو المكابرة أو المراء، وبأسلوب الإقناع والملامسة والمشاهدة والإحساس العقلي والحسي والجمالي.

ننظر إلى تلك اللوحة وهذا الإطار الجمالي الفريد في أي القرآن الكريم، حيث يقول ويخاطب ويوجه ويستنطق قوى الإنسان وعقله وإحساسه ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (النمل:60-64).

كما ينبه الإسلام المسلم إلى طاقته العملية والفعلية، فيقول له: وإن كنتَ صغير الجسم، قليل الحجم ولكنَّك كبير القيمة قوي التأثير، وصدق القائل:

دواؤك فيك وما تبصر

  وداؤك منك وما تشعر

وتشعر أنك جرم صغير

  وفيك انطوى العالم الأكبر

أنظر إلى هذا العالم وتلك الكائنات، إنّها خلقت لك، تنظر فيها وتعمل، وتستفيد وتبدع فلا تطأطئ لشيء في هذا العالم رأسًا، ولا تحنّ لأحد - إلا لله - قامة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا (البقرة:٢٩) ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (فصلت:37) ولكن واركب متْنَها برًا وبحرًا وجوًا، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (الملك:15).

فإذا استعصى عليك شيءٌ من تلك العوالم فاعلم أنّك متهم بالتقصير والكسل والتبلد ومتهم أيضًا بتبديد طاقتك في غير ما ينفع أو يفيد، وفي غير الطريق المرسوم الذي أراده لك ربك، وذلك عليه إسلامك.

وهذا لا يعني أنَّ الطريق سهل ومزين بالرياحين، بل هو طريق الكفاح والصبر واستعمال الحواس والطاقات والغرائز والقوى التي وهبها الله لك بصبر ومصابرة وجلد وقوة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران:200).

والعوالم لا تفتح مغاليقها لعمي البصيرة، أو مغلقي العقول، أو خائري العزائم أو مبتوري السواعد، ولا تسلس قيادها للكسالى، أو النائمين والمخمورين ولا للمبددين المبذرين المغرورين، وإنّما تسلس قيادها وتسلم زمامها لمن عرف رسالته في الأرض، وفتح آفاقه للهدى، واستشرف أسرار الكائنات وتفكر فيها، وتأمل في طبيعتها، وترسم خلقها وتكوينها.

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (البقرة:164).

إنّ الإسلام يفجر الينابيع العذبة في قلب الإنسان المسلم ليروي زروع الحياة وأشجارها وحدائقها وأزهارها ويكشف عن الطاقات التي تحتاجها الحياة ويحتاجها الإنسان، ويضع المصابيح والشموس على طريقه ليبصر الدروب الهادية، ويسمع النداءات المنبعثة من المخلوقات فتتعانق الروح والمادة، والحقيقة والإلهام، والخيال والواقع، في جو مسبحٍ عابد، سائر إلى غاية وليس كريشة في مهب الرياح، أو كسراب يحسبه الضمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.

حقيقة.. إنّ الإسلام هو حياة الطاقات الإنسانية مفتاح انطلاقها، وشعاع هداها وأنوار آفاقها ومستقبلها.

الرابط المختصر :