; الإسلام والمعاصرة (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والمعاصرة (1 من 2)

الكاتب علي عزت بيجوفيتش

تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1994

مشاهدات 102

نشر في العدد 1128

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 06-ديسمبر-1994

·         الإسلام حرر الإنسان من الخضوع للآلهة الكاذبة أصنامًا كانت أو فراعنة أو ملوكًا مؤلهة أو زعماء ملهمين معصومين

·         حقق الإسلام المساواة بين الناس جميعا فصارت واقعا حياتيا يعيشه الناس دون تكلف أو تظاهر

ما مفهوم المعاصرة؟ هل هي مجموعة الأفكار والأهداف التي تحرك عالمًا ما؟ أو هي واقع العالم العام لحظة التأمل فيه؟ أو هي الأمران الأول والثاني معًا؟

على أية حال، ليست المعاصرة حالة انسجام داخلي منطقي؛ إنها من جهة ثورة تقنية مستمرة تصاحبها زيادة رخاء المجتمع، وانتشار التعليم والكلمة المكتوبة المبنية على عالمية وسلمية الأفكار وإنسانيتها، وفي الوقت نفسه هي صراع الأفكار، و700 مليون إنسان جائع، ونظرية مقياس التطور.

ولا شك في أن موسيقى بوب في الفن (Pop-art) واتجاه منافاة العقل في الفلسفة (Absurd) جزء من معاصرتنا –كل هذه التناقضات جزء مما نسميه بالمعاصرة– إن صرامة وانضباط حركة ماو تسي تونغ (maoism)، وحركة الانحلال العدمية (nihilism) لدى الهبيز (hippies) جزء من المعاصرة أيضًا. فأية هاتين الحركتين معاصرة، أو هل العالم المعاصر «معاصر» فعلاً؟ وما المقاييس التي يجب استخدامها في ضبط تلك؟

علينا ألا نجعل هذا المصطلح غير المحدد مثاليًا، لأنه –في نهاية المطاف– ليست معاصرتنا الحاضرة، شأنها كشأن أية معاصرة ماضية، سوى مجموعة الحقائق والأوهام في عصر ما. فلنحاول، بدلاً من ذلك، تقديم الإجابة عن السؤال الذي يوحي إليه عنوان المقال: هل جعل التطور والزمان الإسلام غير صالح؟ أو هل يقف الإسلام أمام أو وراء الزمن؟ وهل بقي هناك شيء مهم في رسالة الإسلام لتقدمه إلى عالمنا المعاصر؟

يمكننا تقديم إجابة دقيقة عن الأسئلة السابقة –كما سنرى هنا– فقط بمشاركة القارئ الكريم. إنه لا يمكن الحديث عن معاصرة الإسلام بشكل عام، ولكن يمكن أن نسأل: هل هناك حكم معين من أحكام الإسلام معاصر؟ أو هل هناك حكم من الأحكام الإسلامية يتعارض صراحة مع احتياجات الإنسان وتطور المجتمع الإنساني؟

الحرية الفردية

إن شهادة «لا إله إلا الله» أساس الإسلام، وهي الشهادة التي يتلفظ بها كل مسلم عدة مرات يوميًا، ويقول أحد العلماء عند شرحه لمعنى هذه الشهادة: إنها تعني البشارة بقيام الثورة الحقيقية لتحرير الإنسان من جميع الآلهة الكاذبة التي تسلطت على حياته، كما تعني إسقاط حق الكهنة ورجال الدين ورؤساء القبائل والأمراء والنبلاء وجميع أصحاب السلطة في التحكم في أرواح وحياة الناس، وعزو هذه السلطة إلى الله وحده. ولقد قضى القرآن الكريم عمليًا على الخضوع لأي شيء غير الله بهذه الشهادة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175).

فبدلاً من الخضوع للآلهة الكاذبة من العظماء والوجهاء، أقر القرآن الكريم الخضوع لله الواحد الأحد، وعلى أساس هذا الخضوع لله وحده، بنى القرآن الكريم حرية الإنسان وتحرره من الخضوع لشيء آخر أو الخوف منه.

إن هذه الآلهة الكاذبة التي كانت في الماضي في صورة الأصنام والفراعنة والملوك المؤلهة، واليوم في صورة آباء الوطن ومنقذيه والزعماء الحكماء الأوحدين المعصومين، تتظاهر بأن الفضل يعود إليها وحدها في كل ما يتمتع الناس به من الحرية إلى الرفاهية –وفي الحقيقة الحرية والرفاهية اللتان لا أثر لهما:

أقنعت أجهزة إحدى كبرى الدول الآسيوية شعبها بأن الفضل في كل نجاح يتحقق، ابتداءً من الزراعة وزيادة المحاصيل وانتهاءً بالأساليب الحديثة في إجراء العمليات الجراحية المعقدة في مخ الإنسان، يعود إلى الزعيم الأوحد الملهم وحده! وعلى الجميع أن يرفع إليه الشكر وفي كل المناسبات.

وفي إحدى الدول الأوروبية قبل مدة وجيزة، قام أحد هؤلاء الموصوفين بالعظمة والحكمة الفائقة -أو الزعيم الذي يعلو على الآخرين جميعًا بمقدار الرأس، كما وصفه شاعره الرسمي- بفرض النظام الاستبدادي «الديكتاتوري» ومن فرط حكمته قتل ملايين البشر؟ وفي دولة أوروبية أخرى، معروفة بدولة العلماء والشعراء تحمل «الزعيم العليم» عن شعبه مشقة التفكير واتخاذ القرار، لأنه يفكر ويتخذ القرار عن الجميع بدفع شعبه والشعوب المجاورة إلى المهالك والمسالخ... وهناك أمثلة كثيرة، ولكن المثالين المضروبين من أبرز تلك الأمثلة.

وعلينا أن نتساءل الآن: في هذا العالم المكتظ بسلطات الآلهة الكاذبة المطلقة.. هل يبقى أي دور لرسالة الإسلام التي رفعت شعار عدم ألوهية الإنسان، وأن الإنسان لا يستحق هذه المنزلة، وأن الله واحد له الحكم والملك كله، وأن الإنسان خلق ضعيفًا يكفيه شرفًا أن يكافح من أجل أن يكون إنسانًا حقيقيًا، بدلاً من سعيه أن يكون إلهًا كاذبًا؟ إننا نرى هنا أن هذا المبدأ الإسلامي الداعي إلى تحرير الإنسان من الآلهة الكاذبة سيظل مبدأ معاصرًا لا يعفو عليه الزمن.

تقرير المساواة بين البشر جميعًا

إن القضية الثانية التي تبقى عصرية وسوف تظل عصرية إلى الأبد –هي قضية مساواة ومؤاخاة الناس جميعًا. لقد أنزلت هذه القضية واضحة ومحددة في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء: 1)؛ وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (البقرة: 213)؛ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

وقد يستدعي المقام هنا التركيز على أن هذا المبدأ القرآني في مساواة الناس جميعًا لم يبق مجرد نظرية وإعلان، ويمكننا أن نتأسف على أن بعض المبادئ القرآنية الأخرى لم تلق مثل هذا القبول العملي ولم تصبح جزءًا لا يتجزأ من الشعور والحياة اليومية للشعوب الإسلامية مثلما كان مع مبدأ المساواة وانتفاء فوارق اللون والقومية والنسب والمنزلة الاجتماعية.

ومن سنحت له الفرصة بأداء صلاة الجمعة في مسجد من مساجد الدول الإسلامية بين رجال بيض وسود اللون، فقراء وأغنياء، استطاع التأكد من مدى حقيقة هذه المساواة، وليس هناك أحد يعمل على إبراز وتأكيد هذه المساواة لأن الجميع يراها أمرًا طبيعيًا فطريًا ويشعر بها كذلك. وفي أجزاء أخرى من العالم التي تحترم مبدأ مساواة الناس، اكتسب هذا المبدأ إما تعلمًا أو أصبح عادة أو مظهرًا من المظاهر، بينما نشأ مبدأ المساواة نفسه في العالم الإسلامي على صدق مطلق وتجنب التكلف الكاذب، يتنفسه المسلمون مع الهواء ويتلقونه كابرًا عن كابر كجزء من فهم العالم والتفاعل معه.

التمييز العنصري في أعرق الدول تقدمًا

هل استطاع مفهوم مساواة الناس السيطرة بنفس الدرجة والقدر على الرأي العام وروح جميع الناس في العالم؟

لنترك جانبًا الأقطار المتخلفة من العالم لأنها في أصل الحديث عن المعاصرة لا تمثل شيئًا، ولنتحدث عن الولايات المتحدة الأمريكية أكثر الدول المعاصرة تقدمًا. إن القانون الذي يقرر الحقوق المدنية ومبدأ المساواة بين البيض والسود في الحياة العامة صدر قبل عدة سنوات فقط (سنة 1965م تحديدًا) وما زال إلى الآن قانونًا تعارضه شريحة كبيرة من الأمريكيين، وما زال التمييز العنصري بين البيض والسود قائمًا في جنوب إفريقيا وروديسيا. كان العلماء الألمان في الأربعينيات يقدمون دلائل علمية تثبت عدم مساواة الناس، وليست هذه سوى أدلة قاطعة على وجود التمييز العنصري الذي نشعر به في دول كثيرة تعلن المساواة شكليًا، ولا تتوقف التفرقة المعاصرة على التمييز في لون البشرة فقط بل تظهر أعمق وأعمق في التفرقة القومية والطبقية والسياسية والفكرية.

فهل يبقى للإسلام دور في عالم ما زالت فيه مساواة الناس حلمًا بعيد المنال، وما زالت التفرقة بين المخلوقات البشرية –التي خلقها الله سبحانه وتعالى متساوية– مظهرًا يوميًا؟ وهل المجتمع المعاصر في صورته هذه تجاوز مبدأ المساواة في الإسلام، أو أنه على عكس ذلك تمامًا - مجتمع رجعي يتقدمه الإسلام بمراحل ومراحل؟

في معرض حديثهم عن المعاصرة لا يفرق الناس بينها وبين التقدم والثقافة والتربية وحرية التحرر من الخرافة والأحكام المسبقة على الأشياء، والإنسانية والتسامح. إن العالم المعاصر في حقيقة أمره، عالم رجعي إلى أبعد الحدود، وهذا أقل ما يمكن القول عنه. ولنورد هنا صورة عن أكثر دولة تقدمًا وعصرية.

العالم المعاصر عريق في رجعيته

بلغت نسبة الطلاق 50% من مجموع حالات عقد القرآن في كاليفورنيا سنة 1960م؛ أي إن نصفها انتهى بالطلاق، وبالمعدل نفسه كانت تنتشر جرائم الأحداث وإدمان المخدرات والأمراض النفسية، وبناءً على تقرير إدارة شؤون الصحة العامة سنة 1968م عاش كل أمريكي خامس حالة الانهيار العصبي أو شارف عليها، ويعالج واحد من بين ألف أمريكي في مستشفيات الأمراض النفسية.

سجلت في مدينة نيويورك سنة 1963م (23,000) حالة إدمان المخدرات بين الأحداث، بينما يزيد هذا الرقم على (100,000) حالة بناءً على معلومات غير رسمية. كشفت السلطات في كلية هانتر في نيويورك أن أكثر من 50% من الطلبة يدمنون المخدرات، وكانت سنة 1964م في أمريكا تحدث جريمة كل 12 ثانية، وجريمة قتل كل ساعة، وسطو مسلح كل 5 دقائق، وجريمة اغتصاب كل 25 دقيقة، وسرقة سيارة كل دقيقة «بناءً على تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالية».

ويكون من الخطأ أن نظن أن هذه هي حالة أمريكا وحدها، ولكن الأمر يعود إلى كون الأمريكيين يقدمون للرأي العام معلومات أكثر من غيرهم فيما يتعلق بالصفحات السود من مجتمعهم وحضارتهم، بينما تفعل ذلك الدول الأخرى على مضض واستحياء وفي نطاق ضيق أو يخفونها بكل وسائل متاحة. ونجد هذه الظاهرة في جميع دول أوروبا ولكنها تنتشر أيضًا في كبرى مدن الصين واليابان، وتزداد هذه الظاهرة مع زيادة تقدم ومعاصرة تلك الدول.

هل يبقى الأمل في قدرة تقدم هذه الحضارة وزيادة التعليم وتحسين الأحوال المادية ومستوى المعيشة -ما دامت خارج قوانين الدين والأخلاق- على وضع الحل النهائي لهذه المشكلات التي لا نهاية لها؟

إن المعلومات المتوافرة لدينا لا تشجع كثيرًا ولا تفتح باب الأمل.. سجلت السلطات الأمريكية سنة 1951م 3.1 حادثة قتل على كل مائة ألف أمريكي، و5 حوادث سنة 1960م، و9 حوادث سنة 1967م؛ إذن على مدى 16 سنة ازدادت جريمة القتل ثلاث مرات.

فهل بقيت هناك كلمة يمكن أن يقولها الإسلام لمثل هذا المجتمع الرجعي المعيب؟

الرابط المختصر :