العنوان الإسلام والمسلمون في جنوب أفريقيا
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1994
مشاهدات 108
نشر في العدد 1090
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 01-مارس-1994
على رأس ربوة تبعد حوالي 100 كيلومتر عن مدينة
[ديربان]، ثالث مدن جنوب إفريقيا، تقع «كلية السلام الإسلامية» التي أنشأها
الداعية أحمد ديدات عام 1960م، بعد أن تبرعت عائلة هندية مسلمة تدعى كدوه بمساحة
75 [هكتارا] من الأرض لغرض إقامة الكلية ومرافقها عليها.
وكان الهدف ولا زال من إقامة هذه الكلية نشر
الدعوة الإسلامية في أوساط الأفارقة ومتابعة من يسلم منهم بالتعليم والتربية حتى
يحسن إسلامهم ويساهموا بدورهم في نشر الإسلام بين أهاليهم.
وهذه المنطقة تسكنها قبائل الزولو التي يحكى
أن أبناءها يمارسون [كثيرا] من العادات الإسلامية دون أن يدركوا أصلها، مما يؤكد
الظن بأن هذه القبائل وصلها الإسلام فيما مضى من الزمان ولكن طمست معالمه في
أراضيها بعد أن غزاها الأوروبيون المستعمرون، وفرضوا عليها التنصير بالقوة.
والذي يرى الكلية ومرافقها لا يتوقع أن يرى في
هذه المنطقة النائية جامعة متكاملة تحتوي على فصول دراسية ومختبرات علمية وسكن
داخلي للطلاب والطالبات ومساكن عائلية للعاملين فيها، ومرافق تغذية وصالة رياضية
ومساحات زراعية شاسعة. وقد تطورت المدرسة بشكل ملحوظ حين استلمت إدارتها حركة
الشباب المسلم في جنوب إفريقيا بعد تفرغ الأستاذ ديدات للعمل الدعوي في [ديربان]،
ثم بعد أن ألقي أمر المدرسة إلى لجنة السلام الإدارية، وهي مجموعة من الأطباء
والمهندسين والأساتذة المسلمين أوكل إليهم أمر المدرسة منذ عام 1978م.
مميزات كلية السلام
والأمر الذي يميز هذه المدرسة عن غيرها من
المدارس الإسلامية في جنوب إفريقيا أنها تتخصص في تعليم الأفارقة من غير المسلمين
أو ممن دخلوا في الإسلام حديثا، بينما تهتم معظم المدارس الأخرى، وهي كثيرة جدا، بتعليم
أبناء الجالية المسلمة من ذوي الأصول الهندية أو المالاوية.
وعلى الرغم مما تتركه هذه المدرسة في وجدان
الزائر من سعادة وانطباع إيجابي، إلا أنها تذكر بمدى المأساة التي سببها نظام
التفرقة العنصرية حتى سنوات قليلة مضت، ذلك النظام الذي كان يعتبر الدين الإسلامي
دينا غير شرعي، والذي منع المسلمين الوافدين من الاختلاط بالأفارقة أو الدخول إلى
أماكن استيطانهم؛ حتى إن الإمام عبدالله هارون الداعية المجاهد لقي الله صابرا
محتسبا في سجون الأبارتيد بسبب إصراره على الدعوة إلى الله بين الأفارقة.
ومع ذلك، يرى أبناء الحركة الإسلامية في جنوب إفريقيا
أن من غير الإنصاف توجيه اللوم كله للنظام العنصري البائد واتهامه وحده بالحيلولة
دون انتشار الإسلام على الرغم من مرور ما يقرب من 300 عام على وصول أول مسلم إلى
البلاد.
ويرى هؤلاء أن المسلمين، وخاصة أولئك الذين
وفدوا على جنوب إفريقيا من شبه القارة الهندية، وهم في الغالب جاءوا طلبا للرزق
والتجارة، لم تشغلهم قضية الدعوة، وتقوقعوا على أنفسهم ومارسوا الإسلام كما لو كان
خاصية هندية أو ثقافة شرقية هي حكر عليهم، ويضربون على ذلك الأمثال، مؤكدين على
أنه بالرغم من أن فصل الجاليات حسب لونها من قبل النظام العنصري ومنع التزاوج
بينها رسخ مفهوم الإثنية، إلا أن المؤسسات الدينية الإسلامية لم تبذل جهدا كافيا
في مقاومة هذه الإجراءات، ومن ذلك تخلي مجالس العلماء عن الإمام عبدالله الهارون
في وقت شدته، وحظرهم على أبناء المسلمين الخوض في القضايا السياسية داخل المساجد
بحجة التقيد بقوانين الدولة العنصرية.
عوائق انتشار الإسلام في جنوب إفريقيا
ويتساءل العاملون للإسلام عن سر عجز المسلمين
في العصر الحديث عن نشر الإسلام بين الأمم الأخرى على الرغم من انتشارهم في مختلف
بقاع الأرض، ويعتبرون ذلك العجز دليلا على خلل كبير يتمثل في تحول المسلمين إلى
تجمعات عرقية أو قومية لا تبالي إلا بمصالحها الذاتية، ولا ترى في الإسلام رسالة
عالمية يتوجب نقلها إلى الآخرين.
ومما يشكو منه هؤلاء النشطاء تعطيل المساجد من
قبل الهيئات الدينية على الرغم من تمتع المسلمين قديما وحديثا بحرية جيدة في إدارة
مساجدهم ومدارسهم وكل ما يتعلق بأمور الدعوة. فعلى سبيل المثال: لا يزال الخطباء
يستوردون من الهند والباكستان على الرغم من أن القليل جدا من أبناء المسلمين في
جنوب إفريقيا يفقهون الأردية، ويصر هؤلاء الخطباء على إعطاء المواعظ والتوجيهات
وحتى الإعلانات قبل صلاة الجمعة وفي غير ذلك من المناسبات باللغة الأردية، بينما
تلقى الخطبة التي يقصد منها تنبيه الناس وتوجيههم وحثهم على الخير ونهيهم عن
المنكر باللغة العربية، ولا يستغرق أداؤها سوى دقائق معدودة، حيث تتمثل في تلاوة
آية من القرآن الكريم وحديث شريف ثم الدعاء للصحابة والأتباع.
وفي صحوة من نوع خاص تتزايد أعداد الشبان
المسلمين الذين يشكون من هذه المشكلة، والذين باتوا يصرحون علنا بأنهم لم يعودوا
يحتملون هذه الشعائر التي لم تعد تمت لهم بصلة، والتي صاروا يعون أنها ليست من
الإسلام في شيء. فهؤلاء الخطباء المستوردون الذين يطلق عليهم لقب «مولانا» يحرمون
إلقاء الخطبة باللغة الإنجليزية أو بأي لغة أخرى غير العربية، كما لا يجوزون
للمسلمين الاطلاع على ترجمة معاني القرآن الكريم بحجة أن ذلك سيؤدي بهم إلى سوء
الفهم، مصرين على أن القرآن إنما يتعبد العامة بتلاوته دون الحاجة إلى إدراك
معانيه، لأن تلك هي مهمة «مولانا» وحده وهو الذي يشرح المعاني للسائلين باللغة
الأردية التي كما أشرنا سابقا لا يفهمها إلا القليل من الناس.
وهذا الذي يحدث في جنوب إفريقيا إنما هو صورة
لما يشاهد في أوساط الجاليات المسلمة التي استوطنت في البلاد الغربية؛ ففي
بريطانيا مثلا تمنع الخطبة باللغة التي يفهمها الناس، وتعطى المواعظ بالأردية التي
لا يفهمها سوى المسنين، ولا يبذل المسلمون جهدا في نشر الإسلام بين غير المسلمين،
وكأن الإسلام هو حكر عليهم وثقافة خاصة بهم. وكم هو الفرق الشاسع بين هؤلاء وأولئك
الدعاة المجاهدين الذين نقلوا الإسلام بسلوكهم ومنطقهم وحسن تعاملهم إلى كثير من
بلدان آسيا وإفريقيا، حتى إن ماليزيا وإندونيسيا وكثيرا من أقطار إفريقيا اعتنق
أهلها الإسلام على أيدي التجار المسلمين الذين صدقوا الناس في أقوالهم وأعمالهم،
وأوصلوا إليهم مشاعل الهدى، دون أن تحول تجارتهم واهتماماتهم الخاصة دون ذلك.
ويواجه منتسبو الحركة الإسلامية في جنوب إفريقيا
هذه الأيام مشكلة أخرى ربما كانت نتيجة مباشرة لما يصفه البعض بالظاهرة الكنسية
عند بعض المؤسسات الإسلامية؛ الأمر الذي يتعارض مع الدعوة الإسلامية إلى العدل
والمساواة والحرية.
ويثير بعض مدعي العلم والمتطفلين على الفقه
الشكوك حول إباحة الإسلام للطائفة المسلمة في المجتمع غير المسلم المشارك في إدارة
أمور البلاد، مقترحين أن على المسلمين الانغلاق على أنفسهم والانعزال حتى يقبل
المجتمع كله، الذي لا يشكل المسلمون فيه أكثر من 2,5 بالمئة، بتحكيم الشريعة
الإسلامية، ويخشى الشبان المسلمون أن تؤدي هذه السلبية إلى الإساءة إلى الإسلام من
حيث يدري أو لا يدري المسيئون؛ إذ كيف يمكن أن تشرح مثل هذه المواقف السلبية
لملايين الأفارقة السود الذين ناضلوا عقودا طويلة للتحرر من نظام الأقلية البيضاء
الذي جردهم من إنسانيتهم وحرمهم أبسط حقوقهم في العيش بكرامة وحرية؟ كيف يمكن
للمسلمين، ودينهم دين الحرية والعدل والمساواة، أن يعارضوا عملية سياسية تستهدف
تحقيق هذه المعاني النبيلة؟
وما يدهش المراقب هو أن الفئات التي تطالب
بالمقاطعة والانعزال، على الرغم من قلتها، تتمتع بقدرات إعلامية لا بأس بها
وتنظيمات كلامية تنطلي على كثير من العوام، وتتحرك بموجب تنسيق دقيق مع جماعات
تحمل نفس هذه الأفكار في شبه القارة الهندية، كما لو كانت جنوب إفريقيا ولاية من
ولايات الهند. والبعض الآخر من هذه الفئات يحمل أفكارا تشبه تلك التي تنادي بها
بعض الأحزاب المنحرفة فكريا والمعروفة بالمغالاة والتطرف.
ولذلك، تبذل الحركة الإسلامية في جنوب إفريقيا
جهودا كبيرة عبر عقد الندوات واستقدام المحاضرين ذوي الاختصاص من العالم العربي
والإسلامي، وإقامة الحوارات على مختلف المستويات لتوعية المسلمين بأهمية المشاركة
في العملية السياسية القادمة، معتمدين في ذلك على استنباطات الفقهاء والمفكرين
السياسيين القدماء منهم والمعاصرين.
تضحيات الإمام هارون
وضمن حملات التوعية هذه تبرز قصة الشيخ
المجاهد الإمام عبدالله هارون الذي ضرب أروع الأمثلة في الوقوف في وجه نظام
الأقلية العنصري مستيقنا بأن البشرية بحاجة إلى الإسلام حتى تتغلب على المآسي
الناجمة عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وفي الوقت الذي كان فيه معظم العلماء
المسلمين في جنوب إفريقيا يلتزمون موقفا اعتذاريا سلبيا، عكف الإمام هارون على
استخلاص العبر من الحوادث التاريخية بعقلية المسلم المتفكر، فتوصل إلى أن الإسلام
ليس مجرد قائمة طويلة من الأفكار والتعاليم، بل هو المفتاح الصحيح لفهم العالم
الذي نعيش فيه، وأثارت فيه آيات القرآن الكريم حماسا منقطع النظير للعمل من أجل
تحرير البشر من استعباد البشر، فقد كرم الله بني آدم وحق لهذه الكرامة ألا يعبث
بها أو ينتهكها الرجل الأبيض في جنوب إفريقيا.
تنقل الشيخ في مستوطنات الأفارقة السود من
لاتفا إلى نياتها إلى كوفوليتو وغيرها في نشاط أثار المخابرات العنصرية ضده فوضعوه
تحت المراقبة ثم ألقوا القبض عليه في الثامن والعشرين من مايو (أيار) 1969م بينما
كان يستعد للتوجه إلى المسجد لإلقاء درس بمناسبة المولد النبوي الشريف، ويرى
المسلمون أن اختيار يوم المولد الشريف لإلقاء القبض على الشيخ كان مقصودا للإمعان
في امتهانه وتوجيه صفعة للجالية المسلمة جميعًا. وبعد 133 يوما من الاعتقال تعرض
خلالها الشيخ لضروب شتى من الإيذاء لقي الله شهيدا بعد أن ألقى به الحرس من أعلى
الدرج.
إن التضحيات التي قدمها الإمام هارون والجهود
التي يبذلها الدعاة الصادقون هي التي تجعل الإسلام يتقدم رغم الصعاب، وفي المرحلة
الجديدة التي تقبل جنوب إفريقيا عليها، يمكن للإسلام أن ينتشر ويترسخ بسرعة كبيرة
إذا ما توفرت الإمكانيات المناسبة لدعم الدعوة إلى الله، وبناء المزيد من مراكز
التوعية الإسلامية لتربية من يعتنق الإسلام حديثا، وتأهيل عدد أكبر من المسلمين
الأفارقة عبر المنح والبرامج الدراسية محليا وخارجيا للعمل في مجال الدعوة حتى لا
يظل الإسلام في أذهان الناس هنديا، وكذلك تيسير السبل لتعلم اللغة العربية على
نطاق واسع لأنها لغة القرآن، وهي لذلك أحرى بأن يتعلمها المسلمون من غيرها من
اللغات الوافدة.
ويرى الشبان المسلمون العاملون في حقل الدعوة
أن جنوب إفريقيا بحاجة إلى عدد كبير من الدعاة العرب المثقفين القادرين على تفهم
أوضاع البلاد وشرح الإسلام للأفارقة بلغة إنجليزية بسيطة والمشاركة ببرامج تعلم
اللغة العربية.
هناك حاجة ماسة إلى تكرار نموذج كلية السلام
في مختلف أنحاء جنوب إفريقيا، تلك البلاد التي كان كثير من أهلها قبل الاستعمار
الهولندي مسلمين ولم يتبق لهم من ذلك الإسلام سوى بعض الممارسات التي لا تكاد تعرف
أجيالهم المعاصرة أصلها، مثل الختان والطهارة من النجاسة والامتناع عن أكل لحم
الخنزير.