العنوان الإسلام والكونجرس: مغزى التحالفات الإسرائيلية في جنوب لبنان «47»
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1990
مشاهدات 67
نشر في العدد 964
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 24-أبريل-1990
4- خطأ حسابات إسرائيل:
توقع العديد من قادة الشيعة بعد
الغزو الإسرائيلي في يونيو 1982م تحالفًا ضمنيًّا وغير معلن بين حركة أمل
وإسرائيل، وقد فكرت إسرائيل جديًّا في أن توجد لها عملاء يصلحون كوكلاء عنها في
الجنوب بطريقة تجعل الجنوب تحت رقابتها الفعالة، وبدلًا من أن تتعامل إسرائيل مع
الشيعة آثر الرسميون الإسرائيليون إيجاد حزام أمن يعتمد بشدة على غير الشيعة مثل
ميليشيا سعد حداد.
وقد دافع المسؤولون الإسرائيليون في
أجهزة الأمن عن هذه الفكرة إلى درجة أنهم قد ربطوا سمعتهم المهنية بنجاح قوة سعد
حداد، وادعى أحد المسؤولين الإسرائيليين الكبار أن أحد القادة الإسرائيليين في مرج
عيون قد هدد بالاستقالة إذا اتخذت إجراءات جادة تتحدى دور سعد حداد المركزي تتم عن
طريق التعامل مع الشيعة.
5- الشيعة في جيش لحد وميلشيات القرى:
تولى أنطون لحد قيادة جيش لبنان
الجنوبي بعد أن مات سعد حداد بالسرطان في يناير 1984م.
ولحد جنرال لبناني مسيحي متقاعد كان
شريكا لأعمال إبراهيم طنوس- قائد الجيش السابق- وتتكون قوة لحد من ألفين من رجال
الميليشيا المسلحة بمعدات إسرائيلية، ولا تضم هذه القوات أكثر من 10% من الشبيبة،
الذين ينظر إليهم الشيعة الآخرون بأنهم زرع صناعي وفاسد، وقد سأل أحد المراسلين
الإسرائيليين لحد عن الفترة التي سيبقى فيها هذا العدد الصغير من الشيعة في جيشه
بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب، فأجاب بقوله: خمس دقائق، وقد كان المسؤولون
الإسرائيليون مستائين من إعلان ذلك صراحة. وسلم الكثيرون بفشل جيش لبنان الجنوبي،
ولم يكن رابين واهمًا حينما تجاهل في مجلس الوزراء الإسرائيلي مستقبل لحد، وهو
يناقش قرار الانسحاب الإسرائيلي، ولم يكن يعرف بعض الذين يعيشون في قلب الأحداث ما
إذا كان لحد سيبقى أو يغادر، القلة فقط هي التي كانت تعتقد أن جيش لبنان الجنوبي
قادر على لعب دور فعال على حدود إسرائيل، وحتى قدرته على ملء هذا الدور كانت غير
مؤكدة.
وحاولت إسرائيل مع جيش لبنان الجنوبي
أن توجد شبكة من ميليشيات القرى تكون فرقة عسكرية شيعية مستقلة، لكن معظم
المتطوعين فيها كانوا من الهامشيين في المجتمع الشيعي، كما أصبح الذين تعاونوا
منهم مع قوات الغزو الإسرائيلي هدفًا للاغتيال، ولهذا كان من الصعب على إسرائيل أن
تزرع هؤلاء الحلفاء الذين يتعاونون معها، وكانت تعد قوائم المتعاونين بصورة
متغيرة؛ لأن الكثيرين من الذين حددت أسماءهم قد جرحوا أو قتلوا، وقرر العديد منهم
مغادرة الجنوب.
6- كانت الصفقة ممكنة إذا
تمت بهدوء:
اعترف المسؤولون الإسرائيليون بأنهم
أساؤوا التصرف في كيفية التعامل مع الشيعة، وسلموا بأنه كان بإمكانهم أن يحصلوا
على نتائج وإجراءات أفضل، ولا يعني هذا القول اعتقاد هؤلاء المسؤولين بأن جهودهم
كانت ستكلل بالنجاح، ولكن المحاولة كان يجب أن تؤخذ بجدية وبدهاء أكثر مما أخذت
به، وأنا أشعر (أي نورتون) بأن الشكوك التي كانت تحيط بهذه المحاولة إنما هي نوع
من التبرير الذاتي، والحقيقة أن الصفقة كانت ممكنة إذا عقدت بهدوء، ولقد اتهم
العديد من المسؤولين الإسرائيليين بالتفكير في سياسة تحقق لإسرائيل هيمنة سريعة
على لبنان لكنه لم يكن لديهم أي اهتمام بالوصول إلى اتفاق مع جماعة هامة مثل
الشيعة. وعلى عكس الدروز الذين أوجدوا لأنفسهم جماعة لوبي تمثلهم عبر إخوانهم في
إسرائيل كانت تصورات الشيعة في لبنان منحصرة في الخميني وإرث التضحية في الجنوب.
7- لم ينجح الإسرائيليون في استقراء الوضع
العام في الجنوب:
لم تكن ديناميات الموقف صعبة
القراءة؛ لأن الآثار الموهنة للاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة لم تجعل
للاعتدال مكانًا بل أفسحت الطريق للتطرف، ودفعت حتمية البقاء السياسي والطبقي
القادة المسؤولين إلى المقاومة، ولهذا لم تجد إسرائيل استجابة عند أي قائد شيعي
هام لمبادراتها الهادئة.
8- مأزق إسرائيل في الجنوب:
تقلصت أهداف إسرائيل في لبنان بشدة
في عام 1984م خاصة بعد أن ألغيت اتفاقية 17 مايو. وفشل الرسميون الإسرائيليون
وقتها في أن يجدوا الشريك المفاوض الذي يخلصهم من مأزق الجنوب، لم تكن المحادثات
العسكرية المتخبطة في الناعورة بقادرة على أن تستحضر اتفاقًا مرضيًا لكل الأطراف
في وقت واحد، وقال مسؤول إسرائيلي كبير: إن المنتصر في لبنان لا يريد بوضوح أن
يقبل أي اتفاق يسمح بوجود إسرائيلي صريح في الجنوب، والجهود المستمرة لإيجاد قوات
نائبة عن إسرائيل كانت مرفوضة أيضًا، ولهذا واجهت إسرائيل مشكلة صعبة في سعيها
المنفرد عن سبيل يحقق لها الأمن بعد أن تنهي غزوها للجنوب، وقد اكتشفت إسرائيل وهي
تتلمس مخرجًا لها في الجنوب أن بقاء جيشها يولد مزيدًا من عداء الشيعة لها، وقد
كان لهذا الاكتشاف أثره في تغيير حسابات صانعي القرار في إسرائيل.
9-
موشى آرون لا يرى أن عداء الشيعة لإسرائيل ناتج عن غزو
الجنوب:
لكن ذلك لا يعني أن كل المسؤولين
الإسرائيليين يتفقون على هذا الرأي، مثال ذلك أن موشى آرون لا يرى أن عداء الشيعة
ناتج عن الاحتلال الإسرائيلي للبنان، هذه هي وجهة نظر الأقلية لكنها تظل مهمة مع
ذلك. ويرى آرون وحلفاؤه في مجلس الوزراء الإسرائيلي ومنهم شارون وشامير بوجه خاص
أن على الجيش الإسرائيلي أن يعيد خندقة قواته في الجنوب من 20 إلى 25 كم شمال
الحدود الإسرائيلية، وأن هذه الخطوة من شأنها أن تكسب الوضع الإسرائيلي قوة،
بالرغم من التهديدات المحيطة بالانسحاب.
10- إسرائيل تصنع أعداءها:
أدرك المسؤولون الإسرائيليون أنهم قد
صنعوا لهم أعداء في لبنان، وأصبحوا يخشون ألا يرضى الشيعة المسلحون بالانسحاب
الإسرائيلي فقط، وأن يفكروا بدلًا من ذلك في الهجوم على أهداف داخل إسرائيل، ورأوا
أنه إذا انسحبت القوات الإسرائيلية وهاجم الشيعة شمال إسرائيل بالصواريخ، فإن
إسرائيل ستجد نفسها ملزمة بالعودة إلى لبنان مرة أخرى.
11- هل يوازي العداء لإسرائيل العداء للوجود
الفلسطيني؟
ليس بإمكان أحد أن يتحقق من قدر
العداء، الذي سيخلفه الجيش الإسرائيلي وراءه إذا انسحب، وهل سيكون هذا العداء
قويًّا إلى درجة أن يشن الشيعة عمليات عسكرية ضد إسرائيل من الجنوب، ومع ذلك فإن
هناك اتفاقًا بين سكان الجنوب على العداء الشديد للفدائيين الفلسطينيين، الذين
أخضعوا الجنوب لهيمنتهم حتى غزو 1982م.
لقد أدت دروس العشر سنوات الأخيرة
إلى أن بصر الشيعة في الجنوب على ألا يسمحوا بإعادة بناء مواقع للمنظمة فيه، وإذا
كان الشيعة منقسمين على أنفسهم فإنهم متفقون على هذه النقطة. إن هذا لا يمنع من
ظهور حوادث عارضة لكن إعادة بناء شبكة لمواقع المنظمة في الجنوب أمر غير محتمل.
12- العداء لإسرائيل مستقل عن الغزو
الإسرائيلي:
إن المخاوف هنا هي أن يحل الشيعة محل
المهاجمين الفلسطينيين، ومن ثم يكون السؤال: هل ستنجح أمل في تأكيد سلطتها على
المجتمع الشيعي؟ لقد شهد العامان الماضيان تحديات خطيرة واجهت قيادة أمل في الجنوب
من قبل الشيوخ المحليين، الذين نجحوا في جذب أتباع لهم، ومن قبل تنظيمات منافسه
مثل حزب الله، وكذلك من قبل بقايا الأحزاب اليسارية ذات الفاعلية في المقاومة
والعديد من الجماعات الإرهابية مثل الجهاد الإسلامي وغيرها، إن بعض الجماعات تهاجم
إسرائيل وحلفاءها بغض النظر عن موقعها، وهذا فإن عداءها لإسرائيل مستقل عن الغزو
الإسرائيلي للجنوب.
13- ليس من سمات الشيعة التطرف أنه رد فعل
فقط:
ومن قبيل التنبؤ المعقول فإنني أتصور-أي
نورتون- أن هناك سببًا وجيهًا للاعتقاد بأن منطق القانون والنظام سوف يحل محل منطق
المقاومة، وإذا صغنا ذلك بطريقة أخرى نقول: إن التطرف ليس سمة دائمة من سمات
الشيعة، إنه رد فعل فقط.
14- موقف الدروز والنصارى من الغزو
الإسرائيلي:
ومع ذلك هناك من يعادي عملية
الانسحاب الإسرائيلي الشامل سواء في لبنان أو في إسرائيل، وهناك من يخافون الشيعة
ويرون أن مطالبهم تهدد امتيازات وأوضاع الجماعات الأخرى.. الدروز الذين وازنوا
بمهارة علاقتهم مع سوريا وإسرائيل يسلمون حتمًا بأن الانسحاب الإسرائيلي يعرض هذا
التوازن للخطر.
النصارى في الجنوب وخاصة في صيدا
وعلى حدود إسرائيل من مصلحتهم أن يبقى الجيش الإسرائيلي في الجنوب خاصة مع ضعف جيش
لبنان الجنوبي.
ولم يتخل البعض من قادة الليكود داخل
إسرائيل نفسها عن أهدافهم الرامية إلى وضع الجنوب اللبناني تحت الرقابة
الإسرائيلية.
(يتبع)