; الإسلام والكونجرس 41 : حركة أمل.. مرحلة ما بعد اختفاء الصدر | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والكونجرس 41 : حركة أمل.. مرحلة ما بعد اختفاء الصدر

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1990

مشاهدات 109

نشر في العدد 958

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 13-مارس-1990






بدأنا اعتبارًا من الحلقة الماضية في تناول مذكرة «نورتون» عن حركة أمل وخصصناها لبيان تطور الحركة منذ ظهور الصدر وحتى اختفائه. عرضنا في هذه الحلقة لملابسات وصول الصدر إلى لبنان وحصوله على الجنسية اللبنانية، ثم تعبئته للمجتمع الشيعي وتأسيسه لحركة المحرومين المدعمة بالميليشيا. كما عرضنا أيضًا للأحداث التي ساهمت في زيادة النفوذ السياسي الشيعي ولآثار عملية الليطاني في عام 1978، وأخيرًا لواقعة اختفاء الصدر والروايات المختلفة التي تفسر قصة هذا الاختفاء وانعكاسات ذلك على حركة أمل.

وسوف نخصص هذه الحلقة للجزء الثاني من مذكرة نورتون عن حركة أمل لمرحلة ما بعد اختفاء الصدر.

 نجيب في هذا الجزء من المذكرة عن الأسئلة العامة الآتية:

أولًا- ما هي حقيقة العلاقة بين حركة أمل وكل من إيران وسوريا؟ وما هو موقف الحركة من إمكانية تطبيق النموذج الإيراني في لبنان؟

ثانيًا- كيف تسير العلاقة بين شيوخ الشيعة والقيادة العلمانية للحركة؟

ثالثًا- ما هي الأهداف غير المعلنة للحركة وموقفها من الحكومة؟ رابعًا- كيف كانت تجري تطورات العلاقة بين أمل وفتح؟ وما هي الاتجاهات الأساسية داخل الحركة نحو العمل الفدائي الفلسطيني؟

هذا وتأتي الإجابة عن الأسئلة الأربعة السابقة في ثنايا الجزء الثاني للمذكرة، الذي سنتناوله طبقًا لتسلسل القضايا التي تعرضت لها.

 

30- الوفاة الغامضة للدكتور شمران وحقيقة العلاقة بين أمل وإيران:

«ليس هناك من شك في أن انتصار الثورة الإيرانية قد أثر بشدة على الشيعة في لبنان. ويُعد الدكتور مصطفى شمران أحد الأمثلة البارزة للعلاقة الوطيدة بين طهران والمجتمع الشيعي اللبناني. شمران رجل إيراني شغل منصب مدير المعهد الفني للبرج الشمالي الذي كانت تموله إيران جزئيًّا حتى عام 1979.

غادر شمران لبنان إلى إيران ليكون عضوًا في مجلس الدفاع الأعلى في الحكومة الإسلامية الجديدة. وقد ألقت الوفاة الغامضة لشمران في 1981 حينما كان يقوم بزيارة للجبهة العراقية ظلالًا من الشك حول الارتباط بين منصبه في مجلس الدفاع الأعلى والمساعدات الإيرانية لأمل. وهناك العديد من اللبنانيين ممن انضموا إلى أمل يعتقدون بأن موت شمران كان من تدبير أشخاص أو أحزاب تتبع الخميني الذي رأى أن هذا المهندس الذي تعلم في أمريكا يمثل تهديدًا لسيطرته على النظام. ومن هنا يمكن القول بأن الفكرة الشائعة عن التأييد المتدفق والمكثف من طهران إلى أمل فكرة غير دقيقة. وصحيح أنه ليس من غير الممكن أن نقيس بدقة مدى وأبعاد التأييد الذي تقدمه إيران إلى أمل، إلا أنه يظهر أن العلاقة بينهما علاقة متوترة بأكثر مما تشير إليه التقارير الصحفية العفوية».

 

31- اللبنانيون يخشون الخمينية:

«وحتى مع افتراض القول بأن الحكومة الإيرانية لم تمد الشيعة اللبنانيين بتأييد له اعتبار، فإن الثورة الإيرانية كانت مصدر فخر واعتزاز عندهم، لكنهم لم يكونوا يطمحون في أن تكون هذه الثورة نموذجًا صالحًا للتطبيق في لبنان. ومن هنا كانت الثورة تمدهم بدافعية معنوية أكثر منها سياسية. وقد حاول بعض صغار رجال الدين من الشيعة اللبنانيين محاكاة إخوانهم في إيران والقيام بدور مسلح في الشؤون العلمانية، لكن ذلك كان استثناءً ولم يكن هو القاعدة. ولم يكن هناك ما يشير إلى أن الشيعة والسنة في لبنان مهتمون بزرع ثورة إسلامية في بلادهم، وكان العديد من اللبنانيين يخشون هذا الذي يصفونه بالخمينية».

 

32- الأبعاد الاجتماعية والسياسية لحركة أمل:

«ويشكل النمو المطرد لحركة أمل منذ عام 1978 أهمية لها اعتبارها، لكن الأهمية الأساسية لهذه الحركة لا تكمن في بنائها كحركة، وإنما في معانيها السياسية والاجتماعية. استفادت حركة أمل بدرجة كبيرة من الظروف التي أوجدتها وغذتها. لم تكن الحركة غامضة عند الكثيرين، لأنها قدمت مثلًا ووعدًا بتحقيق الأمن للشيعة اللبنانيين الذين نجوا من دفع الضريبة لحساب الفلسطينيين والإسرائيليين واللبنانيين من غير الشيعة، في وقت لم يكن فيه ما يحتم ظهور أمل أو تنظيم مثل أمل. ولو كان موسى الصدر قد عاد من ليبيا أو بقي الشاه في إيران أو كان الفلسطينيون أكثر انسجامًا وأقل عداءً لمستضعفيهم من اللبنانيين، فإن الأعوام الماضية ربما كانت مختلفة تمامًا -طبقًا للمصطلحات السياسية- بالنسبة للشيعة. ولهذا فإنه ليس من الصعب إدراك الظروف التي يمكن أن تكون فيها عملية التعبئة السياسية للشيعة جاذبة أو طاردة. حقيقة الأمر أن العملية كانت بالنسبة إليهم طاردة بسبب الموقف الأمني في الجنوب الذي أوقع الشيعة بين تقاطع النيران الفلسطينية الإسرائيلية. أما الذي قيد لحساب أمل فهو أنها قد استفادت من فرصة تاريخية في ظروف تمكنت فيها من ملء فراغ كان سيملؤه إما الزعماء وإما الحكومة وإما الأحزاب المندمجة مع الجبهة القومية اللبنانية».

 

33- بري يتحدث عن العلاقة بين الفلسطينيين وشعب الجنوب:

«شغل نبيه بري في أوائل 1980 منصب رئيس مجلس قيادة أمل، وهو محامٍ ولد في مدينة لبنانية شديدة القرب من الحدود الإسرائيلية. علق بري في عام 1982 على العلاقة بين الفلسطينيين وشعب الجنوب قائلًا: إن شعب الجنوب بما فيهم الشيعة قد أعطوا القضية الفلسطينية أكثر مما أعطاها العرب مجتمعين. لقد أعطوا القضية أرضهم وأطفالهم وأمنهم وبساتينهم، أعطوها كل شيء حتى الشرف والعزة».

 

34- القرويون يرون أن الوجود الفلسطيني هو أساس متاعبهم.

«رأى القرويون اللبنانيون أن لغة نبيه بري الفصيحة لغة دبلوماسية غريبة، ولهذا فإنهم صاغوا أقواله بلغة أكثر بساطة قالوا فيها: "إننا أعطينا الفلسطينيين كل شيء ولم يعطونا مقابلًا إلا الإهانة ودروس الفساد والجيفة". وحينما سُئلوا عن مصدر مشكلاتهم، أجاب الفلاحون الشيعة ومن يعلوهم في السلم الاقتصادي: إن أساس مشكلتنا هو الوجود الفلسطيني. ولهذه الأسباب كان الفلاحون والعمال والمهندسون مستعدين لتأييد حركة ما تحميهم هم وعائلاتهم».

 

35- مواطن الضعف والقوة في حركة أمل:

«هذا وقد تركز الانتباه على أمل لأن الشيعة قد نظموا أنفسهم في تنظيم شبه عسكري لمواجهة الجماعات شبه العسكرية المعروفة على المسرح اللبناني. ولما تعرض معارضوها لها، أسرع قادتها بالاعتراف بالضعف العسكري للحركة. قال بري: إذا كنت ستنظر من زاوية السلاح والمعدات فنحن أضعف الأطراف في لبنان، ويحتمل أن تكون التنظيمات الصغيرة أفضل منا تسليحًا وإعدادًا، ولكن قوتنا تكمن في قدرتنا على صنع الناس والجماهير، وعلى أن نضع أوامرنا موضع التنفيذ، إنهم ينفذون أوامرنا لأنهم يعرفون أننا أقرب الناس لهم في تحقيق مطالبهم. وبالرغم من أن هذا التصريح لبري يتضمن مبالغة في وصف الضعف العسكري للحركة، فإنه يلقي الضوء على مكمن قوتها الحقيقية وهو قدرتها على تجاوز مسألة القوة العسكرية إلى بسط نفوذ له أهميته في لبنان».

 

36- الاندماج الشعوري لا العددي مع الحركة:

«إن الأعضاء الفعليين للحركة في الجنوب، ذلك الموقع الذي نمت فيه أمل وترعرعت واكتسبت الكثير من قوتها، قليلون جدًّا. في واحدة من القرى الشيعية الأساسية انضم إلى أمل تسعون شخصًا فقط من الذكور البالغين من مجموع مقداره ألفًا وخمسمائة، وفي قريتين أخريين هناك ما يتراوح بين 30-40 عضوًا رسميًّا فقط. ومع ذلك فإن هذه القرى تُعتبر من حصون أمل. والمسألة هنا ليست المبالغة في أهمية الحركة، وإنما في المعنى السياسي لها، ذلك الذي يندمج فيه الشيعة شعوريًّا إن لم يكن رسميًّا. هناك في بعض قرى الجنوب من أعطوا هوية لأنفسهم بأنهم أمليون، وبالرغم من ذلك فإن صلتهم الرسمية بالحركة محدودة. ويرى العديد من القرويين أن أفضل سياسة هي ألا تكون هناك سياسة على الإطلاق، وهذا الشعور يلخصونه في مثلهم الشعبي: ربح البقر أحسن من سياسة البشر. لكن السياسة على وجه الخصوص هي من المتغيرات التي لا يمكن الهرب منها، ومن الشائع تمامًا أن تجد في واحدة من القرى العديد من الإعلانات مزينة بصور الصدر والخميني، وتجد أيضًا أن المختار ووجهاء القرية والفلاحين فيها يرفعون أصواتهم بالحديث عن أمل، ومع ذلك لا تجد لهم عضوية واحدة فيها».

 

37- القرويون يبحثون عن الأمن:

وحينما يقول لك القروي: أنا مع حركة أمل، فإنه هنا يصادق فقط على رسالة أمل الشيعية ويشهد لها بالمصداقية. وفي حين تجد أن العضوية في أمل تدور حول الرغبة في إعادة بناء النظام السياسي اللبناني وإعادة بناء دور الشيعة فيه، فإن أهداف القرويين أقل طموحًا من كل ذلك، إنها تنحصر في كلمة واحدة: إنهم يبحثون عن الأمن.

 

الممولون غير النشطين للحركة:

استمدت أمل قوتها من القرى والمدن، وفيها أيضًا كان سبب ضعفها. التجار من الطبقة الوسطى الزراعية والشيعة خارج لبنان كانوا ممولين مهمين للحركة، لكنهم في واقع الأمر لم يكونوا يمثلون القوة الضرورية المستعدة والمعبأة لها. وبمعنى آخر لم يكن هناك نظير للميليشيات المسلحة على الجبهة اللبنانية. وعلى سبيل المثال تجد أن أثرياء الشيعة على الساحل اللبناني وخاصة في جنوب مخيم لاجئي الرشيدية متحمسون للحركة بشدة، ومع ذلك فإنك تجد أن مشاركتهم النشطة في شؤون أمل خارج قراهم محدودة جدًّا.

 

39- عدم تورع الحركة عن القيام بعمل هجومي:

لم يكن أعضاء الحركة يتورعون عن القيام بعمل هجومي إذا كان ذلك ممكنًا. واقع الأمر أن الحركة لم تكن تشعر بالحرج عند التفكير في اتخاذ موقف ضد معارضيها. ففي 18 فبراير 1981 على سبيل المثال، كانت هناك محاولة في مجدل سليم لاختطاف الشيخ أحمد شوقي الأمين الذي كان يعارض أمل، كما كانت الحركة تفكر في اتخاذ مبادرات هجومية في بيروت في العديد من المناسبات.

 

40- ليست هناك حركة أمل واحدة:

وليس من الدقة في الواقع أن تحدث عن حركة أمل واحدة. ففي كل قرية يسيطر عليها المتعاطفون مع أمل كانت هناك حركة أمل منفصلة، ونتيجة لذلك لا تجد هناك إلا تنظيمًا ممتدًّا بدرجة قوية، لكنه لم يكن قادرًا على تحقيق ضبط فعال على أعضائه وعلى أنشطته.

 

41- مظاهر ضعف أخرى في الحركة:

في الوقت الذي لا تفتقد فيه الحركة إلى التمويل والسلاح، فإن الواقع يقول إن أوضاعها في الجنوب ضعيفة للغاية حتى أواخر 1982. صدامات مع المعارضين اللبنانيين والفلسطينيين، والعديد من قادتها المؤسسين مشغولون بالسعي لكسب عيشهم وظل الأمن شاغلًا أساسيًّا لهم، وسكن العديد من القادة في القرى الآمنة الداخلية القريبة من المواقع العسكرية لرجال المقاومة المشتركة.

 

42- لماذا ينظر إلى أمل على أنها أساس التنظيم الشيعي؟

كان عنوان أمل في الجنوب وفي البقاع، حيث تفتقر الحركة إلى التنظيم الجيد المتكامل له دوره عند العديد من القرويين الشيعة. وكان يرادف عندهم أي نشاط دفاعي ذاتي جماعي عن القرية، وهذا في حد ذاته عامل مقنع وطموح جعل النظرة إلى أمل على أنها جوهر التنظيم الشيعي. وفي بعض الحالات تبنَّى بعض شباب القرية اسم أمل الذي أمدهم بإحساس بشرعية أنشطة كانوا يفتقدونها من قبل.

 

43- الشيوعيون والحركة:

هناك البعض من الشيعة ممن ينتمون إلى جبهة التحرير العربية أو إلى بعض التنظيمات الشيوعية المختلفة. كان هؤلاء يختبرون اتجاه الريح، وتبين لهم أن الأوان قد آن لتغيير اللافتة. وقد بلغ هذا الاتجاه من الخطورة إلى درجة أن حركة أمل أوقفت في ربيع 1981 أنشطتها التجنيدية وقتيًّا في الجنوب بسبب شدة شكوكها في ولاءات وخلفيات عدد من أعضائها. لكن من المهم الإشارة إلى أنه في الوقت الذي كانت تنعم فيه أحزاب اليسار بظل أمل، كانت هناك حملة تجنيدية ناجحة في أوائل الثمانينيات قام بها الحزب الشيوعي اللبناني حتى غزو 1982.

 

44- الشيوخ وقيادة الحركة العلمانية:

إلا أن هذه الخصائص والتطورات لا تبعث على الدهشة في تنظيم يقوم على أساس جماهيري مثل أمل. وقد أدى الضعف الداخلي في الحركة إلى تعرضها للمتاعب التي نتجت عن محاولتها التعاون مع هؤلاء الذين يحملون نفس رموزها وهم رجال الدين الشيعة. إن القيادة التي احتلت موقع الصدر قيادة علمانية الاتجاه، وفي الوقت الذي كانت تحافظ فيه هذه القيادة دائمًا على اتصالاتها مع رجال الدين الشيعة، كانت إمكانات مساهمة الأخيرين في الحركة محدودة. ومما لا شك فيه أنه كان هناك من كانوا يودون أن يروا تكاملًا بين الحركة والشيوخ، لكن هذا الاتجاه كان ضعيفًا. في أوائل 1982 كان هناك دليل على أن الإمام محمد مهدي شمس الدين نائب رئيس مجلس الشيعة الأعلى «حيث لا يزال موسى الصدر هو الرئيس الرسمي» يتحدى قيادة نبيه بري للشيعة، وكان يسير في تحديه بخطى ناجحة. وقد خفت حدة الصراع بين الطرفين بعد الغزو الإسرائيلي، لكنه عاد إلى الظهور على السطح مرة أخرى. وعلى المستوى المحلي كان هناك بعض الشيوخ المتعاطفين مع أهداف أمل مستائين من التسليم بالقيادة العلمانية لها، خاصة وأنهم يرون في الملالي الإيرانيين نموذجهم المفضل. وقد قام العديد منهم بدور مباشر في تنظيم جماعات قروية وأنشطة أمنية. وقد سخط أحد الشيوخ في واحدة من القرى لأن منزله تعرض للضرب من قبل جبهة التحرير العربية، فتجاهل ممثلي الحركة في القرية وقاد ميليشياتها. وحينما حاول الرسميون في الحركة إعادة سلطاتهم فوق الشيخ المارق، رفض ولم يكن أمام الحركة إلا الشيخ شمس الدين ليعيد استمرار التعاون الذي كان قد بدأ بين الطرفين، لكن الشيخ المتمرد كان يتذمر ويستاء من حق هؤلاء الرسميين العلمانيين في تمثيل دائرته وتوجيه جهوده.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

209

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 14

131

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4