; الإسلام والكونجرس (36).. قراءة في فكـــــــــر زعيم ديني لبناني | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والكونجرس (36).. قراءة في فكـــــــــر زعيم ديني لبناني

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1990

مشاهدات 83

نشر في العدد 953

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 06-فبراير-1990

  •  

    فضل الله يقول: ليس للإسلام شأن بالتعصب الطائفي إنه فلسفة أيديولوجية تسمو على أي أيديولوجيات أخرى.

    لا شبهة في كون الدولة العثمانية المتمسكة بقانون الشريعة الإسلامية لا تظلم أحدًا من سكان بلادها مهما كان جنسه أو دينه. الأمريكيون يدفعون عن فضل الله الاتهام بالتورط بالأعمال الإرهابية.

    انتهينا في الحلقة الماضية من بيان خطأ تصور ارتباط كل الحركات الإسلامية بطهران، وتعرضنا خلالها لموضوعات عدة كان آخرها إجراءات الولايات المتحدة لمواجهة التطرف ونظرة نورتون إلى الولايات المتحدة على أنها جزء من سياسة الشرق الأوسط وأنه عليها ألا تعمي بصرها عن مصالحها الهامة في المنطقة وتنشغل بالإرهاب.

    سنخصص هذه الحلقة لقراءة في فكر أحد الزعماء الدينيين اللبنانيين وهو الشيخ "محمد حسين فضل الله" عبر المقابلة الأمريكية التي أجراها معه "جورج" "نادر" بمنزله في بئر عبيد بالقطاع الجنوبي من بيروت خصص الملحق رقم 7 لهذه المقابلة التي ضمت إلى ملاحق اجتماعات لجنة أوروبا والشرق الأوسط مع مقدمة لها كتبها أوغسطس نورتون..

    يعتبر محمد حسين فضل الله -كما جاء في مقدمة الدكتور نورتون- أحد الشخصيات البارزة التي يتجاوز تأثيرها حدود التنظيمات الدينية العاملة في لبنان.

    ولد فضل الله في عيناتا بالقرب من الحدود الإسرائيلية وتلقى تعليمه في إحدى المدارس الدينية في النجف بالعراق وعاش لفترة طويلة في ضواحي بيروت ويعتبر واحدًا من أكثر الزعماء الدينيين تأثيرًا في لبنان وخارج لبنان.

    يرى بعض المراسلين أن فضل الله هو قائد حزب الله ورأى آخرون أنه متورط بصفة أساسية في الأعمال الإرهابية التي أودت بحياة 250 نفسًا -كما يقول نورتون- ويدعي فضل الله دائمًا أنه ليس قائدًا لأي حزب أو أي حركة لكنه يتمتع بنفوذ خاص بين جماهير الشيعة.

    ويستطرد -نورتون- قائلًا: "لا يهم هنا أن يكون فضل الله هو القائد أو لا يكون، وأنا لا أعتقد أنه من حزب الله لكن الحقيقة الأكثر أهمية من هذا كله هو أن رسالة فضل الله يتردد صداها في المجتمع الشيعي، ولا يعتقد فضل الله أن ظروف لبنان مناسبة لتأسيس دولة إسلامية وقد رفض فضل الله في زيارته لإيران في 1985 طلب إنشاء دولة إسلامية في لبنان ولهذا اتسم استقباله هناك بالبرود".

     

    فضل الله في عيون الأمريكيين

    وفضل الله في عيون الأمريكيين رجل متسامح حتى وإن دعا إلى التمسك بالقانون الإسلامي ولم ينكر رغبته في أن يعيش في دولة إسلامية. وحينما يقارن الأمريكيون فضل الله بغيره من الزعماء يجدونه ليس بالرجل المتعصب ويصفون المقابلة معه بأنها مقابلة مشرقة وهامة وأن له دورًا جوهريًّا في توحيد قيادة المجتمع الشيعي.

    ويدفع الأمريكيون عن فضل الله الاتهام بالتورط في الأعمال الإرهابية ويقولون في ذلك: "إن أبسط الحقائق تقول إنه من المشكوك فيه أن يعرف أحد في الغرب حقيقة هذا الأمر.. إنه لا ينكر أحد أن رسالة فضل الله قد ألهمت المعارضين للولايات المتحدة وإسرائيل لكن حقيقة قيامه بدور مباشر في ذلك أمر غير واضح".

     

    آراء فضل الله

    وقبل أن ننظر في حيثيات المقابلة التي أجراها "جورج نادر" مع الشيخ فضل الله نقف عند بضع آراء للشيخ صرح بها للأمريكيين نرى أن هناك آراء أخرى تخالف ما ذهب إليه الشيخ.

    أولًا: يقول الشيخ في ثنايا رده على سؤال عن برنامجه السياسي: "لم يكن هؤلاء الذين حكموا العالم الإسلامي في الماضي يحكمون باسم الإسلام فنحن لا نعتقد على سبيل المثال أن الحكم العثماني كان عادلًا وحرًّا وإسلاميًّا".

     

    آراء مخالفة

    أما الآراء المخالفة لما ذهب إليه الشيخ فهي كما يلي:

    1.     يقول السفير الفرنسي إنكلهارد في مؤلفه عن تاريخ تطور الدولة العثمانية في عام 1882 الذي بحث فيه عن صلة هذه الدولة بالإسلام: "إن الإسلام كان في هذه الدولة مؤسسًا للحكومة وبقي بعد ذلك حاكمًا مطلقًا فوق الحكومة أكثر من 500 سنة إلى زمان التنظيمات الحديثة". وأكد إنكلهارد أن مقاومة إسلام هذه الحكومة كان شغلًا شاغلًا لدول أوروبا المسيحية حتى أن تلك الدول لجأت إلى طريق الحيلة بعد أن رأت عدم نفع الشدة في المقاومة. علمًا بأن إنكلهارد لم يقل هذه الشهادة مدحًا في الدولة العثمانية وإنما جاء في معرض عيبه عليها لصلتها القوية بالإسلام، ومعتبرًا أن ذلك من رأس الأسباب التي أدت إلى ضغائن الدول الأوروبية المسيحية عليها.

    عدالة الدولة العثمانية

    2.     عن عدالة الدولة العثمانية جاء في مقال كتبه أمين الجامعة العربية عبد الرحمن عزام في عام 1944: "كانت القرون الأولى لسيطرة آل عثمان عصورًا ذهبية شمل فيها الناس الأمن والرخاء والسلام الروحي، ولم يكن فوز آل عثمان كما يظن بعض الناس مستمدًا من سيف وشجاعة بل مما هو أعظم من السيف والشجاعة احترام الحق والوفاء بالعهد والخضوع لسلطان القانون والشرع.. وصل في دولتهم الرقيق الشركسي والصقلي وغيره إلى أكبر مقام في الدولة كما وصل النابه من عامة الناس حتى المجهول الأصل إلى مقام الصدارة العظمى والقيادة العليا وتعلمت أوروبا الشرقية على يد محرريها سيادة القانون على الأحساب والأنساب والطوائف والملل والنحل".

    3.     وعن عدالة هذه الدولة يقول إنكلهارد أيضًا: "ولا شبهة في كون الدولة العثمانية المتمسكة بقانون الشريعة الإسلامية لا تظلم أحدًا من سكان بلادها مهما كان جنسه ودينه".

    4.     أشار الشيخ مصطفى صبري إلى أن السلطان سليم الأول بعد فتحه لمصر استولى على عرش الشاه إسماعيل الصفوي المحفوظ الآن بخزينة المتحف التركية، كما أشار أيضًا إلى أن "معاهدات الدولة العثمانية كانت تحوي نصوصًا تتضمن الكف عن شتم سيدنا أبي بكر وعمر وسيدتنا عائشة". راجع مصطفى صبري، موقف العقل والعلم والعالم ج1 ص 79-82 وهامش 85-86 على وجه الخصوص.

     

    وجهات نظر للشيخ فضل الله

    ثانيًا: للشيخ فضل الله وجهات نظر خاصة نعتقد أنها تعبر عن منظور خاص جدًّا، وقد رأينا هنا أن نلقي الضوء عليها حتى لا ندخل في إطار العموم، وهذه الآراء على النحو التالي:

    1.     "ونحن نعتقد في حرية الإنسان والصراع من أجل الحرية وهذا أساس صراعنا مع إسرائيل".

    2.     "نحن نقول إنه حتى لو أصبح اليهود الإسرائيليون مسلمين فإنه ليس لهم الحق في البقاء في فلسطين لأنهم سرقوا مساكن وأرض الآخرين سرقة غير قانونية".

    3.     "ليس للمشكلة شأن باليهود أو غير اليهود. إنها فقط إعادة الأرض إلى مالكيها وأصحاب الحق فيها".

    4.     "ليس للإسلام شأن بالتعصب الطائفي، إنه فلسفة، إنه أيديولوجية تسمو على أي أيديولوجيات أخرى. إن فيه مكانًا لكل شيء ولكل أحد بما فيهم هؤلاء الذين يتبنون أيديولوجيات معارضة. إنه ليس تعصبًا. هناك قضية ما يتفق فيها الإسلام والأيديولوجيات الأخرى وهناك قضية أخرى لا يتفقان فيها".

    5.     قال الشيخ في معرض حديثه عن إمكانية تعايش الإسلام مع الماركسيين وغير اليهود والنصارى: "ولأننا نؤمن بأن الأيديولوجية لا يمكن أن تفرض بالقوة فإننا نؤمن بالحوار مع كل من يعارضنا ويدخل في ذلك الماركسيون وغيرهم؛ لأننا نعيش في مجتمع تعددي ونؤمن بالتعايش. كان الإسلام من الناحية التاريخية ديانة تعايش وبالرغم من أنه حكم مناطق في العالم لمدة 1400 سنة وأخرى لمدة 1300 سنة فإنه سمح بوجود الأديان الأخرى مثل اليهودية والمسيحية وغيرهما".

    6.     "الدين شيء خاص في الإسلام. سوف أتحدث عن التغيير ذاته، إنك من حيث المبدأ تستطيع أن تقترح أي نظام أو أي أيديولوجية، إنه تبادل للأفكار".

    7.     "لقد عاش المسيحيون دومًا مع المسلمين في لبنان ولم يقتلع المسلمون أي مسيحي، كانت هناك بعض المشاكل مع المسيحيين والدروز ولم تكن هناك صراعات بين المسيحية والدرزية، ما حدث كان ناتجًا عن صراع سياسي. إن المسيحيين لم يحطموا النصارى في لبنان".

    8.     "نحن لا يمكن أن نقول إن عندنا عقدة إسرائيلية وإننا سنذهب لقتل كل إسرائيلي مدني. إنه ليس لدينا شأن بالمدنيين الإسرائيليين. إن مشكلتنا هي مع دولة إسرائيل مع الإدارة الإسرائيلية والجنود الإسرائيليين، والآلة السياسية العسكرية الإسرائيلية".

     

    ونعود الآن إلى حيثيات المقابلة.

    الإسلام الأيديولوجي الفلسفي

    •       جورج نادر: هل لك أن تحدثنا يا شيخ فضل الله عن برنامجك السياسي. الشيخ فضل الله: "إن الإسلام هو أساس لكل فكري وآرائي السياسية والاجتماعية، وأنا لا أعتبر الإسلام دينًا بالمعنى الذي يُفهم به الغربيون الدين، أي أنه مجرد علاقة بين الإنسان والله وليس له شأن بحياة الإنسان وحاجاته، ويقتصر فقط على هذه المسائل الأخلاقية والقيمية يتمسك بها المتدينون ريثما اتفق. إني أعتقد أن ديننا أكثر من مجرد علاقة مع الله، طريقة كلية للحياة ويشتمل على قوانين تنظم حياة الإنسان. وقد بنيت ذلك على دراستي للشريعة -القانون الإسلامي المقدس- وأنا أرفض أن يُنظر للإسلام في حدود هذه الطائفية التي يفضلها الناس داخل وخارج لبنان. ليس للإسلام شأن بالتعصب الطائفي. إنه فلسفة، إنه أيديولوجية تسمو على أي أيديولوجيات أخرى قائمة. إن فيه مكمنًا لكل شيء ولكل أحد بما فيهم هؤلاء الذين يتبنون أيديولوجيات معارضة. إنه ليس تعصبًا. هناك قضية ما يتفق فيها الإسلام والأيديولوجيات الأخرى وهناك قضية أخرى لا يتفقان فيها."

     

    مسألة الحرية والتعايش

    "إن للإسلام قواعده وإجراءاته للتعايش وبناء على ذلك فإنه ليس لأحد الحق في أن يفرض إرادته على الآخرين إلا بالحق، هناك في بعض الحالات يكون للناس فيها الحق في فرض إرادتهم، لكن الإسلام ينظم كيفية حدوث ذلك". المهم أن ذلك الرجل حر كما قال الإمام علي: "أنتم لستم عبيدًا لرجال آخرين لأن الله خلقكم أحرارًا" وقد قرر الله في القرآن ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وكما قال أحد أئمتنا: "إن سمح للمؤمن بأن يفعل كل شيء لكنه لم يسمح له بأن يذل نفسه، إن الإنسان لا يكون عبدًا برضاه أو بدون رضاه."

     

    لماذا المعارضة للاستعمار

    "ولهذا نحن نعارض الاستعمار لأنه يسرق حرية الإنسان ويستغل وجوده الاجتماعي والثقافي والاقتصادي لمصلحته. إن لكل الناس المستغلين أن يعيشوا في شرف وفي عزة ولهذا نحن نعارض الاستعمار أيًّا كان أمريكيًّا أو أوروبيًّا أو سوفياتيًّا".

     

    لماذا المعارضة للأنظمة الظالمة؟

    "نحن نعارض كل الأنظمة الظالمة لأننا نؤمن بالعدالة لكل الناس بما فيهم المدنيون".

     

    الإسلام والتعايش مع الماركسيين

    "ولأننا نؤمن أن الأيديولوجية لا يمكن أن تُفرض بالقوة فإننا نؤمن بالحوار مع كل من يعارضوننا ويدخل في ذلك الماركسيون وغيرهم؛ لأننا نعيش في مجتمع تعددي ونؤمن بالتعايش. كان الإسلام من الناحية التاريخية ديانة تعايش وبالرغم من أنه حكم مناطق لمدة 1400 عام وأخرى لمدة 1300 عام فإنه سمح بوجود الأديان الأخرى مثل اليهودية والمسيحية وغيرهما أن توجد، ومع الزمن كانت هناك مشاكل بين اليهود والنصارى ولكنها لم تكن بين المسلمين وأي منهما".

     

    هل كانت الدولة العثمانية غير عادلة ولا تحكم بالإسلام

    "وعلاوة على ذلك لم يكن كل هؤلاء الذين حكموا العالم الإسلامي في الماضي يحكمون باسم الإسلام فنحن لا نعتقد على سبيل المثال أن الحكم العثماني كان عادلًا وحرًّا وإسلاميًّا".

     

    الصراع مع إسرائيل صراع من أجل الحرية

    "نحن نعتقد في حرية الإنسان والصراع من أجل الحرية. وهذا أساس صراعنا مع إسرائيل التي نعتقد أنه ليس لها الحق في فلسطين. وادعاؤهم بأنهم يعيشون هناك لأنهم حكموا هذه الأرض عبر ألفي سنة مضت فهذه نكتة سياسية أو تاريخية. إنهم سرقوا هذه الأرض وطردوا شعبها، وهذا هو الذي يجعلنا نقول للإسرائيليين أن يخرجوا من فلسطين وأن يعودوا إلى الأرض التي قدموا منها. إن اليهود الذين كانوا يعيشون فيها من قبل لهم الحق في البقاء فيها كالمسلمين والنصارى تمامًا".

     

    على اليهودي أن يخرج من فلسطين حتى ولو أسلم

    "نحن نقول إنه حتى ولو أصبح اليهود الإسرائيليون مسلمين فليس لهم الحق في البقاء في فلسطين لأنهم سرقوا مساكن وأراضي الآخرين سرقة غير قانونية. ليس للمشكلة شأن باليهود أو غير اليهود إنها فقط إعادة الأرض إلى مالكيها أصحاب الحق فيها".

     

    في قضية الفصل بين الدين والدولة

    جورج نادر: كيف تنظر إلى الدعوة إلى الحكم الإسلامي في جانب ومبدأ فصل الدين عن الدولة في جانب آخر. الشيخ فضل الله: "كما قلت في البداية إن للإسلام نظريته الخاصة بالسلطة وله قواعد وإجراءات للحكم وله طريقته السياسية الخاصة بالتعامل مع العالم، وطبقًا لذلك فإننا كمسلمين لا نقبل مبدأ فصل الدين عن الدولة. هذا المبدأ غريب عن الإسلام. إن هذه الديانات التي تتضمن قواعد للحكم مشتقة منها هي فقط التي تعارض فصل الدين عن الدولة. هناك في المسيحية على سبيل المثال اختلاف واضح بين المجالات الروحية والزمنية كما يقولون "دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر" إن المسيحية لا تُعنى بالدولة ولهذا فإنها لا تملك قواعد للحكم، ولكن المسلمين على الجانب الآخر عندهم هذه القواعد، وأنه ليجب علينا الحفاظ عليها في كل مسارات الحياة أيًّا كانت سياسية أو اقتصادية أو تجارية. يجب علينا أن نرتبط بالقانون الإسلامي في غياب الدولة الإسلامية في حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما أن علينا التزامًا بأن نصلي وبألا نأخذ الربا فإننا ملزمون باتباع القانون الإسلامي حتى مع غياب الدولة الإسلامية. إن المسلمين الذين يعيشون في دولة غير إسلامية يواجهون مشكلة ولهذا فإنهم يعملون على أن يعيشوا تحت ظل حكم إسلامي".

     

     

الرابط المختصر :