العنوان الإسلام والكونجرس (١٠) .. شاروخ أخافي وأساليب أخرى للرصد
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1989
مشاهدات 65
نشر في العدد 923
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 04-يوليو-1989
الإسلام والكونجرس -١٠- شاروخ أخافي وأساليب أخرى للرصد
يجب
أن تتحمل الولايات المتحدة مخاطرة تغيير سياستها والآثار التي تنجم عن ذلك.
وهذا
أفضل من الاستمرار على نفس السياسة التي يترتب عليها تهديد مصالحها.
• يجب ألا تنظر الولايات المتحدة إلى أمور السياسة الخارجية في
حدود النصر أو الهزيمة، وألا تنظر إلى الهزيمة على أنها تعني انتصار أعداء
الولايات المتحدة.
سيطرة
الغرب على المنطقة لم تكن تعتمد على العامل بقدر اعتمادها على سياسة طويلة المدى
في علمنة البلاد
لا زلنا مع وقائع الجلسة الثانية التي خصصنا لها
الحلقتين الماضيتين لتحليلي الدكتور «فؤاد عجمي» لما أسماه بالشيعية الجديدة
وتحليل الدكتور «نورتون» لوضع حركة أمل وحزب الله وكذلك للفهم الأمريكي لمسألة
مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية.
وستخصص هذه الحلقة لخطاب ومذكرة الدكتور «شاروخ
أخافي» أستاذ العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة ساوث كارولينا التي كان
موضوعها «من يحكم إيران». إلا أننا لن نسرد نص مذكرة «أخافي» وإنما سنحاول أن ننظر
إليهما كمادة نستخلص منها نموذجًا آخر من نماذج الغرب في رصد الحركة الإسلامية «بغض
النظر عن موضوع المادة ذاته». هذا من ناحية ومن ناحية أخرى سنعتبر أن الموضوعات
المثارة في هذه المادة عن «إيران» بمثابة تطبيق عملي لهذا النموذج آخذين في
الاعتبار أن المادة نفسها تكشف عن قضايا ومسائل تختلف عن تلك التي تعودنا على
التعامل معها من قبل.
وباستقرائنا لدراسة «أخافي» يمكننا أن نقول إن
أساليب رصد الحركات والأنظمة الإسلامية «بدون النظر في مسألة تقييمها» يمكن أن
تشمل ما يلي:
١- البحث في طبيعة
تكوين قيادة النظام والأصول الاجتماعية لرجاله وتأثير خلفياتهم الاجتماعية على
قراراتهم وسلوكياتهم.
٢- البحث عن العقليات
المنفتحة على الغرب التي يمكن التعامل معها للحد مما يسمونه بجمود العقليات
الدينية الأرثوذكسية.
٣- البحث عن إمكانية
تفسير سياسة قادة النظام بردها إلى الحقبة الاستعمارية التي عايشتها البلاد مع
محاولة مقارنة النظام بنظم أخرى قريبة الشبه به.
٣- البحث عن العوامل
التي تؤدي إلى زيادة ثقة قيادة النظام الدينية في إمكانية تطبيق القانون الإسلامي.
٤- البحث عن أهداف
النظام الحقيقية ومدى تأثيرها على منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج.
٥- الموقف الفعلي
للنظام من القضية الفلسطينية ومدى إمكانية التلاعب بهذا الموقف.
٦- البحث عن
احتمالات تغير علاقات النظام الاقتصادية مع الدول الغربية واليابان.
٧- البحث في علاقة
النظام بالحركات الأصولية خارج بلاده.
وقبل أن نتحدث تفصيلًا في هذه المسائل هناك بعض
من القضايا التي تعرض لها «أخافي» في مذكرته التي قدمها إلى اللجنة، لكنها لم ترد
في نص خطابه الذي ألقاءه أمامها نرى أنه من المهم هنا عرضها وبيانها وهي على النحو
التالي:
١- في مسألة معنى
الأصولية ووحدة الحركة الإسلامية:
١- فسر «أخافي»
الأصولية بأنها تعنى العودة إلى الأصوليات والتمسك بالماضي وإعادة إظهاره في قالب
ديني. وأيد «أخافي» النتائج التي وصل إليها من سبقه من الشهود في الجلسة الأولى من
أن الأصولية الإسلامية تشتمل على تنوع عريض من جماعات وحركات تجعل العقيدة
والشعائر الإسلامية مرجعها العام. وأكد من المهم على الأمريكيين أن يضعوا هذا
التنوع في اعتبارهم عند النظر إلى الحركات الإسلامية، بمعنى أن عليهم ألا ينسبها
إلى هذه الحركات وحدة ليست موجودة فيها فعلًا. لكن «أخافي» بين للجنة أن هناك
قاسمًا مشتركًا واحدًا بين هذه الحركات وهو معارضتها للنموذج الغربي من التغير
الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والحكم السياسي.
٢- في مسألة تأثر
المثقفين الأوائل بالنماذج الغربية التي تأكد أنها لا تصلح للمجتمعات الإسلامية.
بين «أخافي» أن الفترة الحالية التي تعيشها منطقة
الشرق الأوسط الآن تختلف عن تلك الفترة التي عاشتها في أوائل هذا القرن. وإنه قد
كان للصفوة من رجال الشرق الأوسط فرصة كبيرة في التعرف على النماذج الغربية سواء
على مستوى المجتمع أو الاقتصاد أو السياسة وخاصة مبدأ «دعه يعمل، دعه يمر» في
الاقتصاد وتجربة البرلمانات في السياسة إلا أن هذه النماذج لم تنجح في بلاد الشرق
الأوسط ،لأن بناء هذه المجتمعات يختلف عن بناء المجتمعات الغربية.
وصاحب رفض النماذج الغربية عند «أخافي» بعث أصولي
كانت «مصر» مركزه.
٣- في مسألة تفسير
العنف المصاحب لهذا البعث.
أعطى «أخافي» تفسيرًا خاصًا لما يسميه بالعنف
المصاحب للبعث الإسلامي، فقال إن هناك اختلافات أساسية بين عدم الافتنان بالنماذج
الغربية في أوائل هذا القرن والوقت الحالي. وأرجع ذلك إلى أن الغرب كان يسيطر على
المنطقة في بداية هذا القرن «عسكريا». وأن عدم توفر هذا العامل هو الذي لم يؤد إلى
مقاومة النماذج الغربية فقط بل رفضها أيضًا. وهذا التفسير في نظرنا غير مقبول لأن
السيطرة المسلحة لا زالت قائمة حتى الآن وإن لم يكن للغرب وجود عسكري بالفعل
وللأنظمة القائمة المعادية لهذا البعث أساليبها ذات الطابع المخابراتي والعسكري
المدعم من الخارج. كما أن سيطرة الغرب على المنطقة لم تكن تعتمد على العامل
العسكري بقدر اعتمادها عالى سياسة طويلة المدى في علمنة البلاد وربطها بالنموذج
الغربي.
نعود الآن إلى بيان أساليب الرصد التي استقرأناها
من مذكرة الدكتور «أخافي» بالتطبيق على النموذج الإيراني.
أولًا:
طبيعة تكوين قيادة النظام أو الحركة.
بتطبيق هذا الأسلوب على النظام الإيراني يقول
«أخافي» في مستهل خطابه في ص ۱۲۱ «فيما يتعلق بمسألة من يحكم إيران، يبدو لي بالطبع أنه حكم أکلیريكي
أي طبقة حاكمة من رجال الدين المحترفين الذين يعاونهم مثقفون علمانيون ذوي عقلية
دينية».
وحدد «أخافي» في ص ١٢٦ من مذكرته ما يقصده بهؤلاء
العلمانيين فقال «يشمل هذا المصطلح بدرجة واسعة ما نسميهم في الغرب بالبيروقراط
والمديرين والمنظمين والمحامين والأطباء والمهندسين والمعلمين الخ». وتقوم هذه
الجماعة إما بتنفيذ القرارات الأساسية لرجال الدين أو تضع جدولًا للأعمال أو خططًا
تتعلق بقضايا فنية تحتاج الى قرارات يصوغها رجال الدين.
ثانيًا:
الأصول الاجتماعية لرجال الدين.
وقد أشار «أخافي» إلى أن رجال الدين المسلحين
كانوا قد شجعوا هذه الفئة من المتخصصين على ترك البلاد في فترة الحماس الأولى من
الثورة لاعتقادهم فيها يسمونه «بالنقاء الأيديولوجي» وضرورته إلا أنهم رجعوا يسعون
بشدة إلى إعادتهم إلى البلاد مرة أخرى.
اعتبر «أخافي» أنه بتحليله للأصول الاجتماعية
لرجال الدين في إيران فإنه يقدم للجنة معلومات جديدة وعبر عن ذلك في خطابه قائلًا
«من المحتمل أن يكون أكثر اهتمامًا لكم الوقوف على نوع جديد من المعلومات عن خلفية
هذه الفئة من رجال الدين. من أين أتوا أو ما يعبر عنه بالأسس الاجتماعية لقوتهم.
تبين الدراسات أن هؤلاء الناس ينتمون في خلفيتهم
إلى الطبقة الدنيا- الوسطى الحضرية أصلًا بمعنى أنهم أبناء لصغار التجار أو أصحاب
حوانيت أو ذوي مهن حرة أو أنهم في جانب آخر أبناء أو أبناء عم لقرويين فقراء
وبمعنى آخر أنهم ذوو خلفيات ريفية.
وقد حاول «أخافي» أن يقف على تأثير هذه التنشئة
الاجتماعية لرجال الدين في إيران على الكيفية التي يفكرون بها وعلى نوعية تصوراتهم
عن السياسة العالمية والعالم بصفة عامة.
ما يريد أن ينتهي إليه «أخافي» في هذا الصدد أن
يبين للجنة أن التنشئة الدينية المرتبطة بالخلفية القروية تؤديان إلى ضيق أفق
أصحابهما ومحدودية نظرتهم للسياسة والعالم؛ لأنهم يفتقدون إلى الخبرة الضرورية
التي تؤثر على تفكيرهم وسلوكهم. يقول «أخافي»: «وبسبب تدريبهم في المعاهد الدينية
نجدهم يحملون عقليات يمكن أن تسمى- كما أتخيل بعقليات أبرشية ريفية ضيقة» ويبرز
«أخافي» ذلك بصورة أكثر وضوحًا في مذكرته في ص ۱۲۷ فيقول «هناك جماعة كبيرة منهم تلاميذ للخميني
بالفعل قبل أن ينفى إلى العراق في عام ١٩٦٤. وتقوم تنشئتهم الاجتماعية في الغالب
على خبرة داخل إيران فقط ،وبالتالي فإن معلوماتهم عن الغرب تكون ملونة بحقيقة.
سكناهم في القرى». وعن نفس النقطة يكتب «أخافي» في مذكرته «بأن الأصول الاجتماعية
لهذه الطبقة من رجال الدين العميقة الجذور في السوق والقرية تشير إلى محدودية عقولهم
وضيق خبراتهم» ويقول في ص ۱۳۰ من المذكرة «أن الخلفية الريفية تعمل على تقييد فكر الشخص وتجعله
يبحث عن الإجابات البسيطة للقضايا المعقدة».
ونجده يقول في موقع آخر «بأن الربط بين الأفق
الضيق مع الخلفية الريفية في النظرة إلى تسلسل الأحداث يفسر الأسباب التي تجعل هذه
القيادة ترفض الأجنبي بعنف وتنظر إليه على أنه عدو».
ثالثًا:
الارتباط بين سياسة قادة النظام وبين الحقبة الاستعمارية التي مرت بها البلاد.
يفسر «أخافي» الأسباب التي ينظر بها الخميني إلى
الغرب وإلى الولايات المتحدة بصفة خاصة على أنها التهديد المميت لثورته،
وكيف أنه كان يلقن طلابه ذلك قبل الثورة، ويرجع ذلك إلى أن إيران كانت في أواخر
القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين منطقة تتصارع عليها القوى الكبرى وأن
المبادرات السياسية لم تكن نصًا من إيران قبل عام ۱۹۷۹ وإنما في لندن وموسكو وفي واشنطن اعتبارًا من عام
١٩٦٣. وقد شعر الشعب الإيراني بذلك وعلى رأسهم رجال الدين، وأدرك الأخيرون أنه لا
بد من القضاء على هذا التدخل الخارجي، ولهذا شاركوا بشدة في المظاهرات الجماعية
التي أدت إلى إسقاط عائلة بهلوي.
ونلاحظ هنا أن التحليلات الغربية- كعادتها- ترجع
الأحداث إلى أسباب سياسية أو اجتماعية أو نفسية والتي تصور «أخافي» بمقتضاها أن
الموقف المضاد للغرب إنما يعود إلى هذه الأسباب كربطه بين الخلفية الاجتماعية أو
ما يسميه بالتنشئة الاجتماعية الدينية والقروية وبين انغلاق عقلية أصحابها والنظرة
إلى السياسة والعالم.
وبعيدًا عن تفسير «أخافي» لكراهية الخميني
والقيادة الدينية في إيران للغرب والولايات المتحدة بإرجاعها إلى ما يسميه
بالعقلية الدينية القروية الانغلاقية أو بإرجاعها إلى طول حقبة الاستعمار الأوروبي
والأمريكي لإيران. فإن هذا التفسير لا يمكن تعميمه على كل الحركات الإسلامية التي قد
يكون لها موقفًا مشابهًا.
فالغرب والولايات المتحدة هم إما يهود وإما نصارى
وإن كان الإسلام قد أجاز التعامل معهم فإنه منع المسلمين من موالاتهم ومودتهم، وقد
جاءت الآيات صريحة في ذلك كما في قوله تعالى: ﴿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ﴾. (المائدة: 51). ﴿ لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. (سورة
المجادلة: 22). وقال الرسول صلى الله عليه وسلم «اليهود مغضوب عليهم والنصارى
ضالون». وقد كشف الله تعالى موقفهم من المسلمين كما جاء في قوله عز وجل: ﴿وَدَّت
طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾. (سورة آل
عمران: 69). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. (سورة
آل عمران: 100). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ
اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
(المائدة: 57). ﴿ وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ
حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾. (البقرة: 120).
أما عن حقيقة أهل الكتاب أنفسهم فقد بين الله
تعالى في مواضع مختلفة من كتابه العزيز كيف أنهم يكفرون بآيات الله ويصدون عنها
ويلبسون الحق بالباطل ويلوون ألسنتهم ويؤمنون بالجبت ويغلون في الدين ويقولون على
الله غير الحق. فبغض النظر إذًا عن تفسير «أخافى» لموقف القيادة الإيرانية من
الغرب والولايات المتحدة تكون المسألة بالنسبة للحركات الإسلامية الأخرى مختلفة
تمامًا ولا تفسر سلبية المشاعر نحوهما بعوامل سياسية أو نفسية، إنما هي أمور قطع
الله عز وجل فيها وحد لها حدودها بما لا يترك مجالا لتأويل أو تفسير.
رابعًا:
الأنظمة المشابهة التي يمكن مقارنتها بالنظام القائم على فكر ديني، وما يمكن أن
تلقيه من ضوء يساعد على فهمه.
نلاحظ هنا أن «أخافى» قد أجرى مقارنة بين قيادة
النظام الإيراني والثورة البلشفية في بداية عهدها رغم وضوح التباين بينهما. وفي
تصورنا أنه حاول إجراء هذه المقارنة ليفهم الثورة الإيرانية من خلال فهمه للثورة
البلشفية. يقول «أخافى» في خطابه في ص ۱۲۲ إنك إذا حاولت مقارنتهم بالقيادة البلشفية بعد
الثورة السوفياتية في ۱۹۱۷ وتأملت فيهم وفي شخصياتهم، فإن ذلك سيقودك إلى حقيقة ،وهي أن معظم
رجال الثورة البلشفية قد قضوا وقتًا طويلًا خارج بلادهم قبل أن يسيطروا على مقدرات
الأمور، وكانت أفكارهم عالمية وليست بالمحلية إلا أنهم قد مهدوا الطريق الأناس
آخرين مثل ستالين ومولوتوف وكاجانوفتش الذين يمثلون أصلًا عقلية ذات نظرة داخلية
ضيقة. ويريد «أخافي» من هذه المقارنة أن يقول إن الصفوة الثورية البلشفية كانت في
الفترات الأولى من ثورتها ذات عقلية عالمية غير محلية وإن سلمت زمام الأمور إلى
عقلية منغلقة بعد ذلك هذا على عكس الثورة الإيرانية التي تولتها أصلًا قيادات ذات
عقلية منغلقة على حد قوله.
خامسًا:
- الآمال الأمريكية فيها يسمونه بالعقليات الانفتاحية التي يمكنهم التعامل معها في
مواجهة العقليات المنغلقة.
استمرار للمقارنة السابقة التي عقدها «أخافي» بين
النظام الإيراني وقيادة الثورة البلشفية فإنه أراد أن يبين أن القيادة الإيرانية
تتحرك في اتجاه معاكس للاتجاه الذي سار عليه البلاشفة من ذوي العقليات المنفتحة
التي مهدت الطريق فيما بعد لعقليات تقليدية. يقول «أخافى»: إن القيادة الإيرانية
ذات الفكر الديني الضيق تواجه الآن تحديًا من جانب عقليات انفتاحية على الغرب،
وألقى الضوء على شخصيات مثل «مطهري» و «بهاشتي» وركز اهتمامه على «رافسنجاني»
ووصفهم «أخافی» بأنهم أكثر دراية وأكثر إدراكًا
للعالم حولهم وإن فيهم لمسة من اتجاه إلى البراجماتية. وأثنى «أخافى» على
«رافسنجاني» في عدة مواقع في حين أنه حمل على ما يسميهم بأصحاب وجهات النظر
الأرثوذكسية الانعزالية مثل قاضي المحكمة العليا والمدعي العام وأمام مسجد الجمعة.
ونبه «أخافي» الأمريكيين إلى ضرورة المراقبة المستمرة للتغيرات التي تحدث في
القيادة نحو الاتجاه الانفتاحي على الغرب.
وبعد أن عرض لتصوراته لمن يحكم إيران بعد الخميني
قال: «لن تظل القيادة جامدة متطرفة إلى الأبد كالحال الذي كانت عليه عند بداية
الثورة، وعلى واشنطن أن تكون يقظة للتغيرات المحتملة في تكوينها ونظرتها».
سادسًا:
العوامل التي تزيد من ثقة القيادة الدينية في تطبيق القانون الإسلامي.
يحاول «أخافي» تحليل أوضاع من يعتبرون أنفسهم
حراسًا للقانون الإسلامي والذين يريدون الدفاع عنه ضد مكائد الغرب الساعية لإضعاف
الإسلام وكذلك الأسباب التي تجعل القيادة واثقة من قدرتها على تطبيق القانون
الإسلامي
وفي دراسته على القيادة الإيرانية ارجع «أخافي»
هذه الثقة إلى ما يلي:
١- التاريخ الطويل
لرجال الدين الشيعة منذ القرن السابع عشر الذي تميز بمعارضتهم الفعالة والناجمة
للسياسات الغربية
٢- الإرث الإيراني:
من تحكم الأجانب في سياسة البلاد بمساعدة الصفوات العلمانية.
٣- الطاعة المطلقة
من الاتباع لرجال الدين، وهي طاعة يشعر معها المواطن العادي بالارتياح، وتمتزج هذه
الطاعة بروابط عاطفية قوية بين الطرفين، تبرز فيها ما يسميه «أخافي» بشعيرة
الاستشهاد عند الشيعة.
سابعًا:
البحث عن أهداف النظام الحقيقية.
بتطبيق ذلك على النظام الإيراني يقول «أخافي» في
مذكرته في ص ۱۳۲ «إن أهداف القيادة الإيرانية هي تعزيز حكم رجال الدين في الداخل،
وتصدير الثورة إلى الخارج. وإني لن أضيع الوقت في الحديث عن الأهداف الداخلية لهذه
القيادة طالما أنها ذات مرتبة أقل من الاهتمام بالنسبة للجنة، ولكني أرى أن أهداف
السياسة الخارجية هي تأسيس نموذج جمهورية إسلامية في منطقة الشرق الأوسط أما الهدف
الحقيقي فهو الدفاع عن نظامها في الوقت الذي تحافظ فيه على توجيه البلاد اقتصاديًا
نحن الغرب».
ثامنًا:
احتمالات تغير علاقات النظام الاقتصادية مع البلاد الغربية واليابان
يراقب «أخافي» هنا إلى أي مدى سيتجه النظام إلى
تدعيم علاقاته مع الكتلة السوفياتية، وبتطبيق ذلك على إيران يقول «أخافى» في
مذكرته ص ۱۳۳ مبددًا
المخاوف الغربية في هذا المجال «وإني أقول بإصرار بأنه لیست هناك مسائل خطيرة
تتعلق بتوجيه تجارة هذا النظام مع الكتلة السوفياتية. وفي أغسطس ١٩٨٤ أعرب «هانز
دیتریش جنشر» وزير خارجية ألمانيا الديمقراطية عن اعتقاده بأن الحكومة الإيرانية
ترغب في استمرار علاقات مستقرة مع البلاد الغربية واليابان. وتوضح إحصائيات
التعامل التجاري أن حجم التصدير والاستيراد بين إيران والكتلة السوفياتية ليس أكثر
من ٢٠- 25%وصحيح أن الكفة ليست في صالح أوروبا واليابان ذلك لأن هناك بلاد أخرى
تمثل شريكًا تجاريًا مهما مع إيران مثل الهند وباكستان وتركيا.
تاسعًا:
دراسة التأثير الذي يمكن أن يتركه النظام على سياسة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج.
بتطبيق هذه النقطة على النظام الإيراني يقول
«أخافي» في مذكرته في ص ۱۳۰ «يذعن كل رجال الدين في إيران إلى الرؤية المانوية العامة للخميني،
ورغم أن هناك اختلافات سياسية حادة بينهم، فإننا يجب أن نكون على وعي بتأثير هذه
الاختلافات على سياسة الشرق الأوسط ككل». أما عن منطقة الخليج فقد كتب أخافي في
نفس المذكرة في ص ۱۲۹ وهو يحاول أن يعطى اللجنة مثالًا للكيفية التي تفكر بها عقول
القيادة الإيرانية التي أرجعها كما قلنا من قبل إلى ما يسميه بالخلفية الدينية
القروية الانغلاقية وما يترتب عليها من تفسير الأحداث على غير وجهها الصحيح. يقول
«أخافي» «وفي ضوء ذلك يفهم رجال الدين في إيران أسباب قدرة صدام حسين على البقاء.
إن أحد أثار الحرب بين العراق وإيران هو التقارب القوي بين الولايات المتحدة
والعراق. وقد رأى رجال الدين في إيران أن هذا هو السبب في غزو العراق لإيران، ولا
تترك القيادة في إيران يومًا إلا وتذكر الشعب فيه، بأن الإيرانيين لا يحاربون
العراق فقط، ولكنهم يحاربون الولايات المتحدة. أما العقلية الغربية فإنها تنظر
نظرة مختلفة لهذا التقارب بين بغداد وواشنطن حيث ترجع عودة العلاقات الدبلوماسية
بين البلدين إلى الخوف الأمريكي المتزايد من تصدير الثورة الإيرانية إلى البلاد
المجاورة وتهديد استقرار منطقة الخليج.»
عاشرًا:
متابعة موقف النظام من القضية الفلسطينية ومدى إمكانية التلاعب بهذا الموقف
ارجع «أخافی» تأیید إيران للقضية الفلسطينية إلى
حالة المزاج العقلي أو الحالة النفسية للنظام ،مستدلًا بأن العلاقات بين الخميني
وياسر عرفات بدأت طيبة في السنوات الأولى للثورة، لكنها فترت بعد الصراع الفلسطيني
الشيعي في لبنان وبعد إعلان ياسر عرفات أثناء زيارته لبغداد الخط العلماني
لمنظمته، لكن «أخافي» رأي أن تأييد رجال الدين في إيران للقضية الفلسطينية أمر هام
إلى حد ما، وبين أن لدى الولايات المتحدة القدر على أن تبعد ما يسميه برياح إبحار
النظام الإيراني عن المشكلة الفلسطينية، وضرب مثلًا لذلك بأن المبادرات الأمريكية
في هذه القضية يمكن أن تقطع على النظام الإيراني إمكانية اتخاذ موقف فعال من قضايا
الشرق الأوسط.
حادي
عشر: علاقة النظام بالحركات الأصولية خارج بلاده.
كانت هذه النقطة من أهم النقاط التي انتبه إليها
«أخافي» وخرج من تحليل موقف النظام الإيراني من الحركات الأصولية الأخرى بقوله في
ص ١٣٥ من مذكرته« إن للمساعدة الإيرانية للعناصر الساعية إلى التغيير في لبنان والخليج
أولويات عالية. يساعد النظام الإيراني هذه العناصر ماليًا وروحيًا ومعنويًا. إلا
أنه يجب ملاحظة أن النظام الإيراني لم ينجح في تحقيق اختراق أساسي للحركات
الأصولية في الشرق الأوسط وخاصة الحركات السنية بل إن تأثيره عليها سلبي.
وليس لنظام الخميني علاقة قوية مع «الإخوان
المسلمون» مثلما له مع قطاعات الشيعة المنفصلة.
وينظر الفرع السوري من الإخوان المسلمين إلى
تأييد سوريا لإيران باهتمام إلا أن القادة الإيرانيين يبذلون كل جهودهم في السعي
لتدعيم قوة الشيعة في لبنان وإزالة النفوذ الأمريكي فيه، وأنا لا أشك في وجود أي
اختلافات بين القادة الإيرانيين على هذين الهدفين.
وانتهى «أخافي» في مذكرته التي أعدها أمام اللجنة
إلى مجموعة من الملاحظات يمكن حصر أهمها فيما يلي:
أولًا: دعوته إلى أن تتحمل الولايات المتحدة
مخاطرة تغيير سياستها والآثار التي تنجم عن ذلك، وهذا أفضل في نظره من الاستمرار
على نفس السياسة الذي يترتب عليه تهديد مصالحها.
ثانيًا: دعوته إلى ألا تنظر الولايات المتحدة إلى
أمور السياسة الخارجية في حدود النصر أو الهزيمة، وألا تنظر إلى الهزيمة على أنها
تعني انتصار أعداء الولايات المتحدة، وضرب مثلًا بهزيمة فرنسا في فيتنام والجزائر،
وكيف أن البعض كانوا ينظرون إلى أن هذه الهزيمة تعني نهاية دور فرنسا في العالم
وإن العكس هو الذي حدث.
ثالثًا: أوضح أن إيران لن تنجح في تصدير ثورتها
إلى شيعة العراق، ولن تنجح كذلك في لبنان خاصة مع عدم وجود حدود مشتركة بينها وبين
لبنان، وأن هناك حدودًا لما يستطيع الإيرانيون أن يفعلوه مع الشيعة خارج بلادهم.
رابعًا: إن النظام الإيراني لن يبقى طويلًا إذا
قطع علاقته مع العالم الخارجي وخاصة الغرب.
خامسًا: إن على الولايات المتحدة أن تبحث عن
العناصر الراغبة في التغيير في الشرق الأوسط وأن تنظمها وتعمل معها على تحقيق
الأهداف المشتركة بالأفعال لا بالكلمات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل