; الإسلام والكونجرس.. (إسرائيل) والخليج وقانون الاحتمالات الأمريكي (۱۷) | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والكونجرس.. (إسرائيل) والخليج وقانون الاحتمالات الأمريكي (۱۷)

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1989

مشاهدات 53

نشر في العدد 930

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 29-أغسطس-1989

بدأنا اعتبارًا من الحلقة الخامسة عشرة في فتح السجل الأمريكي لحرب الخليج وتحدثنا في الحلقة السادسة عشرة عما ورد في الجزء الأول من مذكرة الدكتور «أولسن» الأستاذ بمعهد الدراسات الاستراتيجية التابع لكلية الحرب بكارلايسل بولاية بنسلفانيا التي تناول فيها تصوره لأسباب حرب الخليج ثم تطوراتها والدروس الاستراتيجية التي تعلمها الأمريكيون منها.

ونتابع في هذه الحلقة الجزء الثاني من مذكرة الدكتور «أولسن» الذي قسمه إلى ثلاثة موضوعات تتناول الاحتمالات الأمريكية في الخليج ثم السياسة الأمريكية تجاه الحرب العراقية- الإيرانية.

عبر هذه الموضوعات الثلاثة التي احتوتها المذكرة هنا مسائل ذات أهمية بالغة يمكن إبرازها على النحو التالي:

المسألة الأولى: وتتناول القضايا الآتية:

(1) العلاقة بين (إسرائيل) وسياسة الولايات المتحدة في الخليج.

(2) النتائج المترتبة على احتمالات انتصار أحد الطرفين المتحاربين على أوضاع المنطقة.

(3) احتمالات تطلع إحدى الدولتين المتحاربتين- إلى توسيع حدودها وعمقها الدفاعي.

المسألة الثانية: تتناول هذه المسألة قضية كنا قد أشرنا إليها في حلقة سابقة وهي الاعتقاد بأن كل ما يجري في المنطقة إنما هو من صنع الدول الكبرى وأن قادة هذه المنطقة ما هم إلا دمى في أيدي واحدة من القوتين العظميين وحقيقة ذلك في نظر الأمريكيين.

المسألة الثالثة: وتتناول هذه النتائج الخطيرة التي ترتبت في المنطقة على ما يسمى «بمبدأ كارتر»، وكيف صاغت إدارة ريجان ما أسمته بتكتيك «الظلال القائمة» للتحكم في المشاعر المحلية التي قد تثور عند اكتشاف الوجود الفعلي الحقيقي للولايات المتحدة في المنطقة.

وفيما يلي عرض لبيان الجزء الثاني من المذكرة وفق خطوط عريضة حددناها طبقًا لتسلسل القضايا التي تناولتها المذكرة:

أولًا: بالرغم من الاستفادة التكتيكية التي حصل عليها الأمريكيون من تطورات الحرب وكذلك الدروس الاستراتيجية التي تعلموها منها فإنهم مهتمون بدرجة كبيرة بمستقبل الحرب ونتائجها وتأثيرها على المصالح الأمريكية.

«وكما أننا نهتم الآن بالتطورات الراهنة لحالة الحرب فإنه من المهم لنا أن نُعنى بمستقبل الحرب ونتائجها، ولابد لنا من نظرة تأملية دقيقة للكيفية التي قد تنتهي بها الحرب وكيف تتجه إلى هذه النهاية وما هو تأثير هذه النهاية على المنطقة وعلى مصالح الولايات المتحدة، كل هذه الأمور يجب أن نضعها في الحسبان».

ثانيًا: الاحتمالات الأربعة التي قدرها الأمريكيون لنهاية الحرب وكيف تؤدي كل نهاية منها إلى تغيير أساسي في منطقة الخليج.

«هناك أربعة احتمالات لأربع نهايات قد تنجم عن هذه الحرب تؤدي كل نهاية منها إلى تغيير أساسي سوف يؤثر بدوره على مستقبل الخليج:

الاحتمال الأول: أن تستمر الحرب مع تلازم استمرار خطر تصاعد القتال.

الاحتمال الثاني: أن تنتهي الحرب بنوع من التسوية القائمة على أساس الاعتراف بالأمر الواقع.

الاحتمال الثالث: أن يكسب العراق الحرب.

الاحتمال الرابع: أن تكسب إيران الحرب.

ثالثًا: سيناريو الحرب الجاري ودلالته والنتائج المترتبة عليه.

«إن سيناريو الحرب الأكثر احتمالًا الآن هو عدم قدرة أي من الطرفين المتحاربين على الهزيمة الكاملة لخصمه ومادامت إيران مصممة على أن تغير خط العلاقات السياسية والاجتماعية في العراق معتمدة على حرب الاستنزاف فإن احتمال النهاية القريبة للحرب أمر غير ممكن مما يعني استمرار خطر تصاعد الصراع، ولأن كلاً من الطرفين المتحاربين له قدرة محدودة على توسيع دائرة الصراع بصورة مباشرة فيحتمل أن يؤدي هذا التصعيد إلى تزايد النشاط الجوي العراقي في الخليج وإلى لجوء إيران إلى استخدام العنف ضد دول الخليج، بالإضافة إلى جهودها لعزل العراق والتأثير على الرأي العام العالمي».

رابعًا: هل يعني موت الخميني حدوث تغير في موقف البلدين المتحاربين؟
«ويحتمل أن يستمر هذا الموقف حتى لو حدث أي تغير على المستوى القيادي في إيران، ولأن طريق الحرب هو الحل الذي اختاره الخميني فليس من المحتمل أن تؤدي وفاته إلى تجاه نحو التسوية أو إلى التخفيف من حدة الحرب على المدى القصير».

خامسًا: هل يمكن أن يؤدي تسوية النزاع بين الطرفين المتحاربين إلى استئصال أسباب الصراع بينهما وهل من شأن هذه التسوية أن تحقق السلام.

«ومع ذلك فإن الإنهاك أو الإحباط الذي يحيط بالجانبين المتحاربين قد يدفعهما إلى البحث عن تسوية وفق أحكام القانون الدولي لكن هذه التسوية لن تستأصل الأسباب الأساسية للصراع بين الدولتين أو طموحاتهما الجغرافية والسياسية أو العداء الأيديولوجي المتبادل، ومن هنا يمكن القول إن التسوية لن تحافظ على السلام وإن حربًا باردة أو شبه ساخنة سوف تستمر بين الدولتين من شأنها أن تدمر السياسات الإقليمية في الخليج».

سادسًا: إلى أي حد تستفيد إيران من فترة سلام بينها وبين العراق وهل لا تزال إيران مصرة على تصدير ثورتها وما هي الوسائل التي ستلجأ إليها إيران لحماية مصالحها وبحثها عن دور أساسي ومسيطر في المنطقة وهل يمكن أن يؤدي السلام إلى وضع حد لطموحات العراق؟

«إنه من المهم أن نعرف أن فترة السلام بالنسبة لإيران لا تعني إلا جهدًا فعالًا لإعادة البناء الداخلي لأن الحرب سببت أضرارًا شديدة واضطرابا، كما أن للعراق العديد من القضايا التي تشغله، ومن المهم أن نعرف أيضًا أن ديناميكيات الثورة واتجاهها الديني سيعني أن إيران سوف تستمر في البحث عن سبل تصدير أفكارها إلى الخارج وممارسة نفوذها الإقليمي، وهذا يعني أنها ستلجأ في ذلك إلى العديد من الوسائل كجزء من سياستها، كما لا ننسى أن لإيران مصالح اقتصادية وسياسية هامة في المنطقة سوف تبحث في طرق حمايتها وتطويرها ولهذا تبذل جهدها في تجديد قوتها العسكرية، إن الحجم السكاني الكبير لإيران مع خطوط سواحلها الطويلة وديناميكيتها المستمرة يصور لنا أن إيران سوف تبحث عن دور أساسي إن لم يكن البحث عن دور مسيطر في الخليج، وهذا يعني أن التنافس بينهما وبين العراق سيظل حيًا وسيتسبب في عدم استقرار دول الخليج الصغيرة، ومن غير المحتمل أن يؤدي السلام إلى وضع حد لطموحات العراق أيضًا، وصحيح أن الحرب أثرت على اقتصاد العراق لكن العراق قد تطور ونما خلال هذه الحرب فجيشه الآن أكبر عددًا وأكبر إعدادًا عما كان عليه منذ بدء الحرب كما طور العراق علاقاته وقواها مع السعودية والأردن ومصر والكويت ودول الخليج.

وقد يبحث العراق عن تسهيلات جوية أو بحرية في مناطق أخرى من الخليج، كما أنه من المحتمل أن يشعر العراق بأنه في حاجة إلى تسوية علاقاته السيئة مع بعض الدول العربية المؤيدة لإيران، وصحيح أن للعراق مشاكله الداخلية التي لها أولوية عنده مثل إحياء اقتصاده وعلاقاته مع الأكراد إلا أن الحرب علمته أن هناك مخاطر تلازم استخدام القوة ولهذا فمن المحتمل أن يستمر القادة العراقيون في جهودهم لجعل العراق قوة إقليمية إلا أن هذا سوف يذكي من التنافس الإيراني العراقي مما قد يكون له آثاره التي لا يمكن التنبؤ بها في المنطقة».

تاسعًا: ماذا يعني انتصار العراق على إيران وما هي الآثار التي قد تترتب على انهيار إيران داخليًا؟

«قد تنتهي الحرب بانتصار العراق، لكن هذا الانتصار لن يكون ناتجًا عن فعل عسكري عراقي مباشر وإنما قد يكون ناتجًا تراكميًا لانهيار إيراني داخلي بسبب الحصار الاقتصادي والإرهاق العسكري الذي يجبر إيران على التفاوض أو أن يصل بها إلى حالة من الانهيار والحرب الأهلية التي يجعلها لا تتحمل استمرار الحرب مع العراق، بهذا الاحتمال يمكن أن يخرج العراق سليمًا من الحرب ومعه جيش متطور بصورة جيدة يواجه عدوًا ليس بالقوي، إلا أن الأكثر خطورة من هذا هو حدوث انهيار في إيران من شأن هذا الانهيار أن يؤثر بشدة على المنطقة.

لقد كان سقوط الشاه والتحول إلى الجمهورية الإسلامية سلسًا نسبيًا وهذا معناه أن احتمالات الانهيار الداخلي كانت محدودة، أما لو انهارت الحكومة الحالية في ظل ظروف مختلفة عن ظروف سابقتها فإن هذا قد يؤدي إلى مخاطر كبيرة، وأهم هذه المخاطر هو احتمالات التدخل الخارجي، قد يكون هذا التدخل من واحدة من دول المنطقة كالعراق أو تركيا أو باكستان والأكثر احتمالا من الاتحاد السوفياتي سيزيد هذا التدخل الخارجي بالطبع من تفاقم الصراع الداخلي، قد يطيله ويسير به في اتجاهات أكثر خطورة، ومن أمثلة ذلك أن يؤدي التأييد السوفياتي للعناصر الشيوعية في إيران إلى إيجاد حكومة يسيطر عليها الشيوعيون وهذا أمر محبط وغير مرغوب فيه، إذ ستصبح الولايات المتحدة محتواة بالتأكيد في هذه المسألة فتزيد بالتالي احتمالات الصدام الأمريكي- السوفياتي.

ويمكن أن يمتد الصراع إلى الدول المحيطة بإيران لأن الجماعات الإيرانية المختلفة سوف تبحث عن تأييد خارجي فتحمل صراعها الداخلي إلى ما وراء الحدود الإيرانية».

عاشرًا: ماذا يعني انتصار إيران على العراق وما هي الانعكاسات التي قد تترتب على مثل هذا الانتصار؟

«وكما تحدثنا عن أن احتمالات النصر العسكري العراقي لن تأتي عبر عمل عسكري بطولي عراقي فإن هذا هو الأمر نفسه مع احتمالات انتصار إيران، إن مثل هذا الانتصار لن يأتي عبر عمل عسكري وإنما نتيجة لانهيار عراقي داخلي يؤثر على قدرة العراق على المقاومة.

وسيكون لمثل هذا الانهيار العراقي آثاره الخطيرة على النحو التالي:
1- سيؤدي انهيار العراق إلى عدم استقرار خطير في المنطقة بحيث يتبعه شكل من أشكال التدخل كالذي أشرنا إليه.

2- قد يتيح أمام إيران الفرصة لتأسيس جمهورية إسلامية جديدة في جزء من العراق على الأقل، ولن يساعد هذا في إمداد إيران بقاعدة هامة تنطلق منها أفكارها وجهودها الثورية فحسب بل سيعطيها وزنًا وأهمية وسيساهم في اقتناعها الخاص بأنها بلد التقوى والدين، وهذا من شأنه أن يطرح تساؤلات حول مستقبل استقرار دول الخليج وقدرتها على مقاومة الضغط الإيراني».

حادي عشر: حماية أمن (إسرائيل) هو محور السياسة الأمريكية في الخليج.

«تتبع سياسة الولايات المتحدة في الخليج من تطور مصالحها في المنطقة، وقد نما الاهتمام الأمريكي الأساسي بالمنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، لجأت الولايات المتحدة إلى اتباع سياسة تقوم على منع انتشار نفوذ الاتحاد السوفياتي، وكانت ما يسمى بدول المصفوفة الشمالية هي محور التنافس الأمريكي السوفياتي وخاصة التنافس على تركيا وإيران، ولجأت الولايات المتحدة إلى تكوين علاقات ودية مع بعض دول المنطقة، وأسست فيها قواعد عسكرية وزاد اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة بعد السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية وكان العامل الأساسي من عوامل الاهتمام الأمريكي يعود إلى تأسيس (إسرائيل) التي أصبح تأييدها والدفاع عنها أحد المحاور الهامة في السياسة الأمريكية، هذا بالإضافة إلى النفط الذي يعتبر واحدًا من العناصر الأساسية للوجود الاقتصادي والاستراتيجي للولايات المتحدة وحلفائها، فمع نمو اعتماد العالم الحر على النفط أصبح ضمان الإمداد به من منطقة الخليج مصلحة قومية هامة حيث تصل نسبة النفط القادم منها إلى ٣٠٪ من نسبة نفط العالم الحر، ومن هنا كان الاهتمام باستقرار المنطقة».

لقد أدت صدمة النفط في عامي ۱۹۷۳ و۱۹۷۹ التي زادت فيها أسعار النفط تزايدًا فلكيًا إلى التفكير الحيوي والهام في ضمان الإمداد به، صحيح أن الاعتماد الغربي على نفط الخليج قد انخفض كما انخفض استيراد الولايات المتحدة الآن إلى أدنى من 10% من جملة الاستيراد لكن التأثير الاقتصادي الذي قد يترتب على احتمالات توقف الإمداد به قد يؤدي إلى كارثة.

ويضاف إلى مشكلة احتمالات توقف الإمداد بالنفط مشكلة أخرى وهي احتمالات تدخل الاتحاد السوفياتي في المنطقة مما أدى إلى زيادة الاهتمام باستقرار دول المنطقة ودفع الولايات المتحدة إلى تطوير احتياطي استراتيجي بترولي وإلى أن تتخذ الإجراءات الكافية مع حلفائها للتقليل من الاعتماد على نفط المنطقة وأن تصدر إليهم النفط في حالة توقف الإمداد به.

ومع تطور السنين أصبحت هذه العناصر الأربعة «منع انتشار نفوذ الاتحاد السوفياتي- حماية أمن (إسرائيل)- تأمين الإمداد بالنفط- استقرار المنطقة» هي أعمدة السياسة الأمريكية في منطقة الخليج».

ثاني عشر: مبادئ رؤساء الولايات المتحدة والحرص على ضم «تركيا» إلى حلف شمال الأطلنطي.

وقد خرجت هذه السياسة وتطورت إثر اتفاقيات رسمية وغير رسمية أخذت مجراها عبر السنين، وقد حددت الخطوط الرئاسية لتطور هذه السياسة في سلسلة من البيانات الرئاسية التي اصطلح على تسميتها «بمبدأ الرئيس كذا»، تصوغ هذه البيانات المألوفة بالنسبة لمعظم الناس الخطوات الهامة التي طورت موقف الولايات المتحدة في المنطقة، وهذه المبادئ هي مبدأ ترومان (مارس ١٩٤٧) ومبدأ أيزنهاور (١٩٥٧) ومبدأ نيكسون (١٩٦٨) ومبدأ كارتر (۱۹۸۰) وهذا الذي يمكن أن نسميه المبدأ المنبثق من مبدأ كارتر والذي صيغ في عهد ريجان، ومن أهم ما تمخضت عنه هذه المبادئ هو ضم تركيا إلى حلف شمال الأطلنطي وإنشاء تنظيم الحلف المركزي، بالإضافة إلى العديد من الاتفاقيات الثنائية ذات الطابع العسكري والاقتصادي زادت بالتدريج من التزامات الولايات المتحدة في المنطقة، ويدعم هذه الالتزامات الخوف من التدخل السوفياتي والعمل على ضمان الإمداد بالنفط.

ثالث عشر: خطوات أمريكية ناتجة عن اعتراف الولايات المتحدة بعدم قدرتها على الدفاع عن المنطقة منفردة.

«ومن أهم العناصر الأساسية التي تضمنتها بيانات هذه المبادئ هو الاعتراف بعدم قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن المنطقة من طرف واحد، ولهذا فإن الولايات المتحدة وعدت بتقديم مساعدات عسكرية واقتصادية تحميها قوة الردع النووي الأمريكي مضافًا إلى ذلك الالتزام بتأييد دول المنطقة التي تريد أن يكون لها دفاعها الخاص.

وقد تركزت سياسة الولايات المتحدة في المنطقة على إمداد دولها بالمعدات العسكرية الضرورية لتطوير شبكة دفاع إقليمية تمكنها من حماية المصالح المشتركة، وقد تعززت هذه السياسة إبان حقبة نیكسون كانعكاس لورطة فيتنام، وكان الغرض الأساسي من هذه السياسة هو ضمان أمن دول المنطقة من الغزو السوفياتي المباشر ولتقوية هذه الدول داخليًا ضد محاولات التخريب، وكانت الفكرة من وراء ذلك هو التعاون بين الأطراف المختلفة تحقيقًا للمصالح المشتركة للجميع».

رابع عشر: خطورة «مبدأ كارتر» على منطقة الخليج.

«وقد كان مبدأ كارتر هو الانطلاق الأساسي للسياسة الأمريكية التقليدية كرد فعل لاحتمالات الغزو السوفياتي لإيران بعد سقوط الشاه الذي كان العمود الهام في تأييد السياسة الأمريكية في المنطقة.

أعلن الرئيس كارتر تصميم الولايات المتحدة من جانب واحد على حماية مصالحها وأنها سوف تقابل القوة بالقوة، وقد جاهدت الولايات المتحدة في السنوات الخمس الأخيرة في بذل المحاولات الرامية لإيجاد الوسائل المادية التي تحقق لها أهداف سياستها، وكانت ثمرة جهودها تطوير القيادة الموحدة الجديدة والقيادة المركزية الأمريكية وكذلك تطوير مواقع متعددة لانتشار قوات الطوارئ في الخليج.

كما عملت الولايات المتحدة على تحسين روابطها مع دول المنطقة لتضمن توافر التسهيلات القريبة التي تساعدها في تدعيم أي انتشار لقواتها في المنطقة».

خامس عشر: «مبدأ ريجان» والتحكم في المشاعر المحلية التي ترى في الوجود الأمريكي في المنطقة نوعًا من الاستعمار.
«وكان من المهم أن يوضع في الاعتبار الاهتمامات المحلية بالدوافع الأمريكية وتهيئة المناخ والرأي العام المحلي إلى ذلك خاصة إذا كان ينظر إلى القوات الأجنبية على أنها نوع من الاستعمار، لأن هذا من شأنه أن يقيد الجهود نحو بناء واستخدام هذه التسهيلات.. هذا وقد طورت إدارة ريجان حديثًا مدخل «الظلال القائمة» في المنطقة الذي يتسق مع المشاعر المحلية التي ترى في الظهور الأمريكي نوعًا من الاستعمار الجديد وفي الوقت الذي استمرت فيه الجهود لتدعيم القدرات الأمريكية من جانب واحد فإن إدارة ريجان عادت مرة أخرى للتأكيد على سياسة التعاون ومساعدة دول المنطقة».

سادس عشر: الرأي الأمريكي في الاعتقاد السائد بأن كل ما يجري في المنطقة هو من صنع الدول الكبرى وأنها تحرك عملاءها كالدمى تحقيقًا لمصالحها.

«هناك نقطة هامة، وهي أن دول المنطقة ذاتها لها مصالحها واهتماماتها الذاتية كما أنها قد تتعرض لتهديدات من داخلها كل ذلك يجري بعيدًا عن المصالح الأمريكية، وهذا يعني ولا يزال يعني أن لدول المنطقة أهدافًا إما معارضة للولايات المتحدة أو مربكة لمصالحها لأن هذه الدول تواجه مشاكل داخلية خاصة تحد من قدرتها على تأييد المصالح الأمريكية.

وهذا الأمر معروف في أي علاقة تحالفية لكن الناس تنسى أن تعارض المصالح يؤثر على هذه العلاقة ويؤذي المشاعر ويمكن أن يؤدي إلى سوء فهم، ونحن نرى مثالًا لذلك في علاقة الولايات المتحدة بدول حلف شمال الأطلنطي ونرى له اليوم مثالًا فرعيًا في علاقة الولايات المتحدة مع دول الشرق الأوسط».

سابع عشر: إدراك الأمريكيين خطأ تركيز علاقاتهم مع دول الخليج على أساس معارضة السوفيات.

«لقد حاولت سياسة إدارة ريجان في بداية عهدها أن تقيم علاقة الولايات المتحدة مع دول الخليج على أساس معارضة السوفيات أو ما يسمى بمدخل «الإجماع الاستراتيجي» وقد كانت هذه السياسية تتجاهل حقيقة هامة وهي أن دول المنطقة تكره السوفيات أصلًا ومن ثم فإنها لا تشارك الأمريكيين في هذه المسألة ولا تريد أن تكون حجر الزاوية في علاقة أمريكا بالمنطقة، ولقد برزت المشكلة بوضوح حينما سقط الشاه فتحولت إيران من صديق إلى عدو لدود للولايات المتحدة، إن المشكلة هي كيف تصوغ علاقتك مع الحليف، إن العلاقات قد لا تحمل أي ضمان بالنجاح أو التعاون الدائم أو توحد الأهداف في كل قضية».

ثامن عشر: الرؤية الأمريكية للحرب العراقية الإيرانية.

«إن الولايات المتحدة لا ترحب بهذه الحرب وقد كانت تدعم على الدوام أي جهد للوصول إلى تسوية عن طريق المفاوضات، وهذه الحرب شأنها شأن أي حرب أخرى لا تحقق فيها لهدف يسعى إليه أي من الطرفين المتحاربين بل وحتى لجيرانها وأصدقائها، إن احتمال تدمير إمكانيات الإمداد بالنفط أو انتشار الحرب أو هزيمة أحد الطرفين قد يكون له تأثيره الهام وغير الطيب على المنطقة ومن لهم مصالح فيها وهذا الأمر حقيقة قائمة ومن أجل ذلك فإن الولايات المتحدة مهتمة بأن ترى نهاية لهذه الحرب».

تاسع عشر: حياد متحيز وعدم رغبة في كسب العراق الحرب.
«حين بدأت الحرب أعلنت الولايات المتحدة حيادها، لكن هذا الحياد كان حيادًا توفيقيًا منذ بدايته، القضية ليست في أن الولايات المتحدة شجعت العراق أو أنها أرادت الحرب وإنما هي الثورة الإيرانية والشجب الإيراني للولايات المتحدة بشدة وارتهانها لاثنين وخمسين أمريكيًا كل هذا جعل الحياد الأمريكي مبتلا بمشاعر مكبوتة وبتحيز داخلي، لقد كانت مشكلة كبيرة، الولايات المتحدة في أحد جوانب هذه المشكلة لا تريد للعراق أن يكسب وأن يصبح سيد الخليج، كما أنها لا ترحب بانهيار إيران.

وفي الجانب الآخر للمشكلة ليس لإيران صديق في المنطقة ومن ثم فإن أي جهد تبذله الولايات المتحدة لكي تكون وسيطًا أمينًا أمر غير ممكن، ولا تزال هناك بالطبع أسباب للتصور بأن العداء الإيراني والشكوك الإيرانية في الولايات المتحدة من شأنهما أن يدمرا أي مبادرة للسلام تكون الولايات المتحدة طرفًا فيها، ومن هنا وجدت الولايات المتحدة نفسها كمتفرج على الحرب، لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة لم تفعل شيئًا».

عشرون: الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة للتأثير على الحرب.

«بالرغم من أن هذا البلد- الولايات المتحدة- كان غير قادر على التأثير على الحرب بصورة مباشرة فإنه حاول أن يقلل من تأثيرها والحد من انتشارها، وذلك بعديد من الإجراءات التي اتخذها أثناء الحرب، وبعيدًا عن البيانات الأمريكية التي كانت تصدر حول الرغبة في إجراء تسوية عن طريق المفاوضات كانت أكثر المظاهر المدعمة لسياسة الولايات المتحدة تجاه الحرب هي الحظر الأمريكي على بيع المعدات العسكرية لإيران وإمدادها بها، ولأن معظم التسليح الإيراني كان أمريكيًا فقد كان لهذا القرار أثره الخطير على قدرة إيران على إصلاح أو استبدال نظام تسليحها الأساسي، يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة قد شجعت الدول الأخرى على أن تفرض حظرًا مماثلًا على بيع السلاح لإيران وقد تحقق بعض النجاح من جراء ذلك، إن هذا البلد- الولايات المتحدة- لم يشجع بيع السلاح لإيران لكنه لم يذهب إلى أبعد من ذلك في عدم تشجيع هذه المبيعات ولهذا فقد كان حيادها اختياريًا».

وقد وصفت هذه الإجراءات بأنها «ميل» أمريكي نحو العراق، تضمن هذا الذي يسمى «بالميل» عدة مساعدات محدودة تمثلت في ائتمانات سلعية تخص الإنتاج الزراعي، وتأييد جهود العراق في الحصول على قروض بضمان السداد الأمريكي.

هذا بالإضافة إلى إدانة إيران في الأمم المتحدة لهجومها على السفن العابرة في الخليج وغض الطرف عن الهجوم العراقي على هذه السفن، وكذلك استمرار حظر إرسال السلاح إلى إيران، لكن ذلك لا يعكس رغبة الولايات المتحدة في أن يكسب العراق الحرب وإنما لكي يبقى العراق صامدًا فقط والحيلولة دون انتصار إيران، لقد ساعدت هذه الجهود السلبية على فتح الطريق لاستئناف العلاقات الأمريكية العراقية لكنها لم توصل إلى شيء يمكن أن يؤدي إلى إنهاء الحرب.

كانت الولايات المتحدة قد وافقت حديثًا على أن تبيع للعراق عددًا من طائرات الهيلوكوبتر التجارية ذات الاستخدام العسكري، وقد فسر ذلك على أنه «میل» أمريكي نحو العراق، كما نظر إلى هذه المبيعات على أنها جزء من جهد لتحسين العلاقات الأمريكية العراقية على المدى الطويل، وصحيح أن الهيلوكوبتر لم تضعف شيئًا إلى قدرات العراق العسكرية لكنها كانت بمثابة رسالة رقيقة تعبر عن التأييد الأمريكي للعراق وتساعد على تمهيد الأرض لعلاقات مستقبلية حسنة مع العراق كما تمثل توسعًا في الجهود نحو تحويل اعتماد العراق على السلاح والمعدات السوفياتية.

ويجب أن نتذكر أن سياسة الولايات المتحدة يجب ألا تقف عند مجرد السعي لإنهاء الحرب فقط، فقد اتخذت الولايات المتحدة بعضًا من الإجراءات التي ارتبطت بأحداث الحرب التي هددت المصالح الأمريكية، فحينما هددت إيران في عام ۱۹۸٤ بإغلاق مضيق هرمز أعلن ريجان بوضوح أن الولايات المتحدة لن تنتظر حتى ترى هذا الطريق الحيوي مغلقًا فالولايات المتحدة تحتفظ بمجموعة مقاتلة محمولة في المحيط الهندي وبقوات صغيرة في الخليج نفسه كعلامة بارزة على قدرة الولايات المتحدة كما أمدت بعض دول المنطقة بالطائرات والصواريخ التي يمكن أن تردع الهجوم الإيراني على سفنها أو مواقع النفط فيها.

كما أدانت إدارة ريجان أيضًا الإرهاب في المنطقة ووعدت بتقديم الدعم العسكري لدول المنطقة في حالة حاجتها إليه ورغبت وشجعت التعاون فيما بين هذه الدول وخاصة في مجال الأمن المشترك، وصحيح أن هذه الجهود لم ترق إلى وضع حد لنهاية الحرب لكنها كانت تهدف إلى منع انتشارها.

الرابط المختصر :