العنوان الإسلام والقومية «5 من 8».. القومية بالمفهوم الأوروبي
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 12-مارس-2005
مشاهدات 68
نشر في العدد 1642
نشر في الصفحة 44
السبت 12-مارس-2005
القومية بالمفهوم الأوروبي ضد تشريعات الإسلام وقيمه ومفاهيمه، وهي المفاهيم والقيم والتشريعات التي تتناقض مع العنصرية والعرقية والطائفية والتمييز ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13) وفي الحديث الشريف: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»، فالمفاضلة في الإسلام قائمة على أساس التقوى لا على الحسب أو النسب أو الجاه أو الطبقة أو العنصر أو الجنس.
ومبدأ المساواة في الإسلام مقرر وثابت منذ فجر الدعوة، وكانت مدرسة النبوة أوضح مثال على تطبيق هذا المبدأ، فأبوبكر يجلس بجوار بلال الذي كان عبدًا له وأعتقه، وعبد الرحمن ابن عوف يجلس مع عمار بن ياسر الذي كان عبدًا أيضًا وأعتق.. وسعد بن أبي وقاص يجاور «سلمان الفارسي» وكان من العبيد كذلك.
السادة والعبيد، من العرب وغير العرب اجتمعوا معًا في مدرسة النبوة، وجلسوا صفًا واحدًا في مجلس الرسول ﷺ أو وقفوا مصطفين خلفه في الصلاة، لا فارق بينهم ولا تمييز، وبلال هو الذي نزع عمامة القيادة من خالد بن الوليد قائد جيوش المسلمين في الشام على عهد عمر، وألبسها عبد الرحمن بن عوف.. فامتثل خالد، وقبل عبد الرحمن، لأن الأمر صدر من الخليفة، والذي ينفذه من صحابة الرسول ﷺ والكل ينضوي تحت راية الإسلام التي لا تفاضل بين عنصر وعنصر أو مستوى ومستوى.
التاريخ الإسلامي يشهد للقادة من غير العنصر العربي بالإخلاص والشجاعة والبذل والتضحية وتحقيق الانتصار، وأطفالنا يعلمون أن طارق بن زياد وموسى بن نصير وصلاح الدين الأيوبي وقطر وبيبرس ومحمدًا الفاتح من غير العرب، ومع ذلك يجلهم العرب والمسلمون من غير العرب ويقدرونهم لما بذلوه دفاعًا عن حوزة الإسلام وبلاده وحماه.
وهل يفهم من هذا أن القومية ضد الإسلام؟ الإجابة: نعم ولا.
نعم حين تكون بديلًا له، أو عدوًا يقصيه ويستأصله ويحول المسلمين إلى عبيد في طانهما أوغرباء بعيدًا عنها، لا حول لهم ولا طول ولا يشاركون في بنائها وتعميرها والتمتع بخيراتها، وقد عدها الشاعر العظيم محمد إقبال كفرًا حين ارتفعت بعض الصيحات في الهند تنادي بإحلال القومية محل الإسلام فقال: «إن القومية كفر»! القومية ضد الإسلام حين تتبنى العنصرية أو الطبقية أو رفض الأخوة الإسلامية، ولا، حين تكون عونًا للمسلمين، وحامل عبء يفوق طاقة الآخرين في إعلاء شأن الإسلام وإعزازه ونشره.
لقد أعز الله العرب بالإسلام، فجعل النبي عربيًا، وأنزل القرآن بلسان عربي مبين، وجعل لغة أهل الجنة هي العربية، ولذا فإن المسلمين من شتى الأجناس والأعراق والعناصر والأقطار ينظرون إلى العرب نظرة إعزاز وتقدير ما حملوا الرسالة وأدوا الأمانة وقاموا بواجبهم الحضاري.. أما حين ينكصون عن أداء مهمتهم المنوطة بهم في شرح العقيدة والدفاع عن حوزة الدين، فهم محل مؤاخذة وموضع مساءلة، ولا قيمة لهم بين العالمين، فضلًا عن المسلمين.
لقد اقترنت العروبة - لا القومية - بالإسلام وهي ليست مجرد لغة أو انتماء عرقي، ولكنها قيادة وبذل وتضحية وقدوة.. العروبة وعاء للإسلام والمسلمين على اختلاف أصولهم وأجناسهم، وهو الفهم الذي يدركه المسلمون خارج العالم العربي، فهم يعدون العرب بلاد الوحي ومنبع الرسالة ومصدر النور ومكان القبلة، لذا ينتظرون منهم عملًا «فوق العادة» يفوق ما يفعله المسلمون في شتى بقاع الأرض، لأنهم أعرف الناس بالدين وتشريعاته ومفاهيمه ومقاصده، ولكنهم حين يفاجؤون بتخلي العرب عن الرسالة، وواجباتهم نحوها، وانعزالهم في «جيتو» عرقي ولغوي يفصلهم عن إخوتهم في مشارق الأرض ومغاربها، ويدفعهم للاستسلام تحت أقدام العدو الصليبي الصهيوني الاستعماري، فهذا خطب جلل يصيب أمة الإسلام في مقتل!
إذا لم تكن هناك الرابطة السياسية، فلا أقل من وجود رابطة اقتصادية وثقافية وسياحية، وإذا كان هناك من يرى أن «منظمة المؤتمر الإسلامي» تمثل شكلًا من أشكال تجمع المسلمين وارتباطهم السياسي، فمن المؤسف أن هذا التجمع مثله مثل التجمعات الإقليمية التي لا تعدو أن تكون حبرًا على ورق لا عائد منها ولا حصاد! ووصل بها الأمر أن تخفق في اتخاذ قرار - على الورق طبعًا - يلبي طموحات المسلمين تجاه القضايا العامة المشتركة.
وحدة المشاعر بين المسلمين - مع كل التناقضات والإحباطات والانهيارات - ستظل قائمة بإذن الله، ولكن تحريكها وتطبيقها على أرض الواقع يحتاج من قادة المسلمين ونخبهم، نبذ القوميات العنصرية والعرقية، والنظر بسماحة الإسلام إلى العوامل المشتركة التي تجمع بين المسلمين ولا تفرقهم، والغايات الواحدة التي تهدف إلى قوتهم وعزتهم، ونصرتهم في مواجهة عالم الأشرار والمتربصين.
إن القومية القائمة على العرق أو الجنس أو اللغة لن تجدي فتيلًا في عصر التكتلات السياسية والاقتصادية، وقد جرب بعض المسلمين الانخراط في تكتلات سياسية واقتصادية فحققوا من ورائها مكاسب لا يمكن إنكارها، ولعل في تجربة رابطة دول شرق آسيا «الآسيان» التي شاركت فيها ماليزيا وإندونيسيا مع دول غير إسلامية، ما يعطي جوابًا على أن التكتل بين المسلمين يمكن أن يحقق نجاحات كبرى في أكثر من ميدان .
لقد حصد العرب نتيجة اعتماد الفكرة القومية - بالمفهوم الأوروبي طبعًا – حصادًا مريرًا، ولم يحققوا نجاحات تذكر، لأنهم استبعدوا الإسلام وحاصروه وعملوا على استئصاله في أرض الواقع، وإن احتفلوا بالمواسم والأعياد الإسلامية الرسمية أمام شاشات التلفزة وميكروفونات الإذاعة، ورأينا على مدى نصف قرن مضى كيف تحركت الأقليات العرقية والطائفية نحو الانفصال وتجزئة الأوطان، فقد هب الأكراد في العراق، والبربر في الجزائر، والزنوج والنوبيون في السودان، والمارون في لبنان، يطالبون بإقامة دول منفصلة، أو اعتماد لغات ولهجات قبلية أو تحقيق مطالب سياسية معينة.. ولم تصمد القومية العربية طويلًا أمام واقع تكرس على الأرض، وإن بقي مربوطًا على حياء بالأوطان الأصلية بصلات كلية واهية.
إن الإسلام من خلال العروبة التي يحبها المسلمون على اختلاف عناصرهم وجذورهم هو الحل لإقامة أمة عربية أو إسلامية تنهض على أسس إسلامية قوية في مقدمتها الحرية والشورى والعدل والمساواة.