العنوان الإسلام والقومية (٤ من ٨) .. سقوط صدام حسين واستسلام القذافي
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 05-مارس-2005
مشاهدات 56
نشر في العدد 1641
نشر في الصفحة 44
السبت 05-مارس-2005
لكي نكون منطقيين فإن العرب يملكون شعورًا واحدًا بالنسبة للقضايا الكبرى التي يمرون بها فرادى أو جماعات ولكن هذا الشعور الواحد لم يترجم عمليًّا إلا في مرات نادرة، منها موقفهم من العدوان الثلاثي على مصر، وموقفهم عقب الهزيمة الساحقة عام ١٩٦٧م، حيث اجتمع القادة العرب في الخرطوم.
ثم كانت هناك وقفة جادة قبل حرب رمضان، وتظل هذه الوقفات تعبيرًا عن موقف خلقي تفرضه طبيعة الانتماء الديني الإسلامي، أكثر منه تعبيرًا عما يسمى القومية العربية، التي وضع المبشرون بها أسُسًا تستبعد الإسلام من عناصرها، أو تضعه على أحسن الفروض في مرتبة ثانوية!.
الذين نقلوا فكرة القومية إلى البلاد العربية تنظيرًا وتأصيلًا، اعتمدوا على الفكرة القومية الأوروبية، وهذه أساسًا تستبعد الدين من عناصر تكوينها، وتجعل للعرق واللغة والتاريخ والأرض أسبقية على بقية العناصر، وهذا بالضبط ما جعل فكرة القومية العربية تمنى بخسائر أكبر مما تحقق من أرباح، فقد تصور واضعوها والمنافحون عنها أن اعتماد الإسلام في حركة التوحد العربي سيلحق ضررًا بشركاء الوطن من النصارى أو غير المسلمين، ولكنهم أهملوا في الوقت نفسه، شركاء آخرين في الوطن والعقيدة وهم أبناء الأعراق غير العربية، مثل: الأكراد والبربر والنوبيين والزنوج والتركمان وغيرهم، وعدد هؤلاء يزيد على عدد النصارى أو غير المسلمين، فضلًا عن دورهم العريق والبارز في مسيرة الإسلام والمسلمين.
نفي الإسلام عن القومية العربية مع تأكيد الاستبداد والدكتاتورية، كان من وراء هزيمة العرب هزيمة ساحقة في الداخل والخارج، لم يلتفت المنظرون إلى طبيعة الشعوب العربية فهي شعوب لا تتحرك ولا تتفاعل ولا تنتصر إلا بالدين.. هو طاقتها وهو الوقود الذي يجعلها تعطي بلا حدود، وتتفوق أيما تفوق بدونه لا تنجح فكرة ولا تتحقق، ربما تجد الشعوب الأخرى نفسها في مشروع مادي ما، وتعمل من وراثه حتى يصير أمرًا واقعًا، ولكن العرب الذين كانوا قبائل متناثرة ومتناحرة، وعاشوا البداوة والتنقل، لم يزدهروا إلا بالإسلام، لأنه هو الذي وحدهم واستخرج مكنون طاقاتهم، فسادوا الأرض، وهزموا أعظم إمبراطوريتين في القرن الأول الهجري، وفتحوا -بالإسلام وليس بالسيف -ما بين المحيط الأطلسي والسند والهند. أما القومية العربية بالمفهوم الأوروبي فلم تحقق شيئًا إلا الهزائم الساحقة.
لقد انتهت القومية العربية بهذا المفهوم بسقوط العراق وليبيا في حجر الاستعمار الصليبي الأمريكي، في مشهد من أشد المشاهد التي عرفها العرب قهرًا وكمدًا وانهيارًا، جاء الأمريكيون وحلفاؤهم بطائراتهم ودباباتهم وأسلحتهم المتقدمة، ودمروا بغداد - عاصمة الخلافة الإسلامية - وجلس حاكم صليبي استعماري على كرسي «هارون الرشيد» و«المعتصم»، يأمر وينهى ويمارس إذلال العراقيين والعرب والمسلمين صباح مساء، وعلى الجانب الآخر فإن أمين القومية العربية العقيد «معمر القذافي» أعلن استسلامه الكامل والشامل للإرادة الأمريكية، متبرئًا من القومية العربية والعرب والعروبة أجمعين، حتى لا يلقى مصير صاحبه «صدام حسين» الذي عثروا عليه في أحد أقبية «تكريت» ذليلًا مطاردًا مهانًا!.. كان حزب البعث العربي الاشتراكي الذي أسسه مجموعة من غير المسلمين والنصيريين والعلمانيين، وتولى الحكم في أكثر من بلد عربي أبرزها سورية والعراق يرفع راية القومية العربية وعاث في الأرض فسادًا باسم القومية العربية، وفتح أبواب السجون والمعتقلات للمعارضين، وخاصة التيار الإسلامي، وكانت لغة الدم والحديد والنار هي منهجه في التعامل مع المواطنين الذين هجر كثير منهم وطنه، وعاش منفيًّا غريبًا بائسًا... لقد حارب حزب البعث الإسلام، وفعلت ذلك النظم القومية الأخرى، حيث حرمت شعوبها نعمة التعبير عن عقيدتها وإرادتها.. فكان الخراب والهوان والاستسلام لإرادة أعداء الإسلام والمسلمين من اليهود الغزاة والصليبيين المستعمرين.. القوميون العرب قادوا الأمة -باختصار شديد -إلى الانبطاح الجماعي أمام المستعمرين الهمج، بعد أن دمروا روح الأمة وجعلوها قصعة الأمم.. لأنهم ببساطة حاربوا الإسلام وعملوا على إقصائه.
وكان من المفارقات أن يعلن «صدام حسين » بعد وفاة ميشيل عفلق فيلسوف حزب البعث أن ميشيل، أعلن إسلامه، ولكنه لم يشأ أن يتصور الناس أنه يغير معتقده في ظل ظروف قد تفسر هذا التغيير على غير مقتضاه، فأوصى بإعلان تحوله بعد وفاته ودفنه وفقًا للشريعة الإسلامية، وقبيل وفاته تحدث عن طبيعة الإسلام وأهميته بالنسبة للعرب والعالم، وكأنه يعدل في مفهومه العرقي للقومية العربية.. وتجب الإشارة إلى أن بريطانيا كانت من وراء قيام حزب البعث ودعمه بوصفه طاردًا للإسلام ونافيًا له، وهناك اعترافات من زعماء الحزب تتحدث صراحة عن دور الدول الاستعمارية في تأييد البعثيين وتوقيع اتفاقيات سرية معهم، بوصفهم حائط صد يواجه المد الإسلامي ويؤخر انبعاثه مرة أخرى.
يقول «علي صالح السعدي» نائب رئيس الوزراء العراقي الأسبق في صحيفة القيس الكويتية (الاثنين١٥ /١٢/٢٠٠٣م): «إن صدام و نظامه هما صنيعة أمريكية جاءت لتحد من التيار الإسلامي المتنامي في الوطن العربي» ويضيف: «إننا وصلنا إلى السلطة بقطار أنجلو أمريكي» وقال الملك حسين، ملك الأردن الراحل لمحمد حسنين هيكل في مقابلة صحفية «أكتوبر عام ١٩٦٧م»: «أعلم بالتأكيد أن ما حدث في العراق كان بدعم المخابرات الأمريكية، وبعض الذين يحكمون في بغداد لا يعلمون شيئًا عن هذا، ولكني أعلم بالحقيقة لقد عقدت عدة لقاءات بين البعث والمخابرات الأمريكية». ويقول حردان التكريتِي أحد أعمدة حكم البعث العراقي في مذكراته: «إن الحكومتين البريطانية والأمريكية أبدتا استعدادهما للتعاون إلى أقصى حد بشرطين.. الأول: أن نقدم لهما تعهدًا خطيًّا بالعمل وفق ما يرسمانه لنا، والثاني: أن نبرهن على قوتنا في الداخل.. وقد وافقنا على الشرطين»..
هل بعد ذلك شك في تأسيس القومية العربية على العداء للإسلام والشعوب العربية؟
الرابط المختصر :