العنوان الإسلام والغرب (2من 2).. أحقادٌ متبادلة.. أم مصالحٌ مشتركة؟
الكاتب مصطفي الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1994
مشاهدات 117
نشر في العدد 1087
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 08-فبراير-1994
عرضت
المجتمع في الحلقة الأولى من هذا الموضوع لموقف الغرب من الإسلام وأنه تحكمه دوافع
مختلفة بعضها تحركه الأحقاد والضغائن فلا يرى سبيلًا للتعاون وبعضها تدفعه المصالح
التي تبحث عن طريق للتفاهم وبين هذين تتحرك المؤسسات ذات الاتصال الجماهيري وصياغة
الرأي العام وتأتي الصهيونية ذات المصلحة الأكيدة في إشاعة الحقد على الإسلام من
خلال سيطرتها على وسائل الإعلام.
إسرائيل
على الخط
وعلى
الرغم من رصيد الأحقاد التاريخية الكبير لدى الأوروبيين تجاه الإسلام، والذي
يجعلهم في منأى عن الموضوعية، فإن لإسرائيل مصلحة كبيرة في تغذية هذا الاتجاه وكان
لسيطرتها على وسائل الإعلام أثر كبير في البعد عن الموضوعية. تقول الواشنطن بوست
27/4/1992: لقد قدم الإسلام الأصولي تبريرًا جيدًا تستفيد منه إسرائيل لمواصلة
تمسكها بالأراضي المحتلة وكذلك للإبقاء على موقفها كحليفٍ إستراتيجي للولايات
المتحدة. وعلى نفس المنحى قالت «جيروزاليم بوست» إن على الأمريكيين أن يواصلوا
الاحتفاظ بإسرائيل كدرعٍ وقائية أمام تزايد التعصب الإسلامي المناهض لأمريكا.
الرئيس
الإسرائيلي حاييم هيرتسوغ اعتبر أن العالم يجهل الخطر الكبير الذي يهدده وهو
الأصولية الإسلامية، ورأى أن الأصولية تهدد الأنظمة في معظم دول الشرق الأوسط وحذر
من أن الأصولية تتوسع سريعًا في أنحاء العالم، وأن التطرف الأصولي أكثر خطورةً من
سلاح التدمير الشامل، إنه الصيغة التي تقود مباشرةً إلى الكارثة. إن مهمة إسرائيل
مستقبلاً هي حماية قيم الغرب في وجه الصحوة الإسلامية، مما يكسب المواجهة طابع
المواجهة بين الحضارة المسيحية-اليهودية من جانب وبين الإسلام من الجانب الآخر
(29/5/1992). من هذا المنطلق فإن إسرائيل عندما تطرد أكثر من 400 فلسطيني من أنصار
حماس تقول صراحة: إنها بذلك تحمي السلام وصانعي السلام، وإن محاربة هؤلاء
الأصوليين من مصلحة إسرائيل والدول العربية وجميع محبي السلام في العالم!
الأمريكان
مازالوا مترددين
في
أمريكا آراء متعددة حول هذا الموضوع، فأنصار إسرائيل يركزون على الخطر المتمثل في
الإسلام الأصولي في كل من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى باعتباره
الأيديولوجية الوحيدة التي تتصدى لنمط الحياة العامة في الغرب، ويقول هؤلاء: إن
عقد الثمانينات شهد تناميًا في قوة المسلمين الأصوليين، وقد شكل ذلك تحديًا مباشرًا
للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة. ويتساءلون ما إذا كان العقد الحالي يحمل
في ثناياه تهديدات جديدة بما يجبر صناع القرار على مواجهتها؟
ويدور
النقاش في «هذا الإطار» حول 4 بنود تطال مستقبل منطقتي الشرق الأوسط وآسيا الوسطى
إذا ما تمكن الإسلاميون الأصوليون من وراثة صدام حسين في جنوب العراق، أو إذا ما
كسبوا تأثيرًا أكبر في سياسة دول آسيا الوسطى الإسلامية أما المحوران الآخران
اللذان يستحوذان على الأهمية الأكبر فيدوران حول الوضع النووي للدول الإسلامية،
وإمكانية تدمير الخطوات السلمية القائمة حاليًا بين الدول العربية وإسرائيل. ولقد
استبدل هذا الفريق الشيوعية بالإسلام باعتباره حركة معادية للفكر الغربي كما
استبدل مراكز العداء من موسكو إلى طهران «بعد أن كانت بغداد قبل حرب الخليج».
وهناك
فريق آخر لا يتفق مع وجهة النظر هذه، فقد صدر في الآونة الأخيرة الكثير من الآراء
والتصريحات التي تنادي بضرورة التعقل في التعاطي مع الظاهرة الإسلامية في منطقة
يعيش فيها أكثر من 55 مليون مسلم، وهي منطقة يتوافر فيها الكثير من المقومات
الذاتية والموضوعية إما للانفجار وتهديد المصالح الاستراتيجية الغربية وإما
للاستقرار وضمان مسيرة التحول الديمقراطي في شبه قارة ما كان يعرف بالاتحاد
السوفياتي ويقول دعاة التروي إن سياسة احتواء الأزمات تقتضي عدم تلبيس المسلمين في
دول آسيا الوسطى مضامين وأبعادًا لا تخدم إلا زيادة تعقيد الأزمات بدلًا من حلها.
كذلك
أعرب روبرت غيتس رئيس وكالة الاستخبارات المركزية عن عدم اقتناعه بأن الإسلام
الأصولي كفكرة أو دين يشكل خطرًا يجب الاستعداد لمجابهته، وما قاله غيتس يشير إلى
مسألتين: الأولى أن الإدارة الأمريكية لا تملك حتى الآن سياسة واضحة ومحددة
المعالم تنظر بموجبها إلى «الإسلام الأصولي»، فكل ما يعنيها ما إذا كان موقف
«الأصوليين الإسلاميين» في ظرف معين وزمان معين يهدد المصلحة الغربية، حينها لا
تجبر الإدارة الأمريكية نفسها على صياغة سياسة جديدة ومحددة خاصة بـ «الأصوليين
الإسلاميين» لأن مثل تلك الحالات سوف يتم التعامل معها تحت يافطة مكافحة الإرهاب.
أما المسألة الثانية التي يشير إليها كلام غيتس، وهو أول مسؤول أمريكي أجاب بوضوح
عن مستقبل الإسلام الأصولي والمصالح الغربية فتتمثل في أن الإدارة الأمريكية وإن
لم تكن لديها صيغة جاهزة مخصصة لكيفية التعامل مع الأصوليين الإسلاميين إلا أنها
تجهز نفسها لإعداد مثل تلك السياسة مستقبلاً، فهي على اتصال مباشر ومتواصل مع بعض
الجماعات الإسلامية التي هي خارج الحكم في بلدانها والتي لا تشكل تهديدًا للمصالح
الغربية وهذه الاتصالات إلى جانب شكلها السياسي تساهم إلى حد كبير في تثقيف
المهتمين في الإدارة الأمريكية بما يتعلق بالإسلام وبالحركات السياسية الإسلامية
في المنطقة العربية والعالم (20/6/1992).
والخارجية
الأمريكية تدلي بدلوها
فقد أعلن
مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط إدوارد دجيرجيان أن الولايات
المتحدة «لا تنظر إلى الإسلام كأنه الخطر العقائدي الذي سيواجهه الغرب أو الذي
سيهدد السلام الدولي»، وأكد أن الدين ليس عاملًا مؤثرًا سلبًا أو إيجابًا في طبيعة
علاقاتنا مع الدول الأخرى، أو نوعيتها فمشكلتنا هي مع التطرف والعنف والرفض وعدم
التسامح والتهديد والإكراه والإرهاب.
واعتبر
مراقبون هذا الكلام محاولة من جانب إدارة الرئيس كلينتون لتصحيح الانطباعات التي
انتشرت في الصحف الأمريكية وبعض مراكز الأبحاث وركزت لأسباب معروفة ليست إسرائيل
بعيدة عنها على أن الإسلام يشكل الخطر الجديد الذي سيواجهه الغرب بعد انهيار
الشيوعية في الاتحاد السوفياتي سابقًا وأوروبا الشرقية. ولقد تحدث المسؤول
الأمريكي دجيرجيان في خطاب ألقاه في مؤسسة ميريديان هاوس (4/6/1992) عن أهداف
الولايات المتحدة في الشرق الأوسط سواء بالنسبة إلى عملية السلام العربية-
الإسرائيلية أو بالنسبة إلى الأمن والاستقرار في منطقة الخليج وتحدث عن الإسلام
والغرب وتناول موضوع المشاركة السياسية في المنطقة من وجهة النظر الأمريكية، ووضع
كل هذا تحت عنوان الولايات المتحدة والشرق الأوسط في عالم متغير، وقال: إن السياسة
في الشرق الأوسط تركزت بازدياد على مواضيع التغيير والانفتاح والتفاوت الاقتصادي
والاجتماعي وازداد دور الدين بروزًا وأعطيت الأهمية لظاهرة ما سمي الإسلام السياسي
والصحوة الإسلامية والأصولية الإسلامية.
وحذر من
الوقوع في الخطأ وتصور الإسلام أنه يتناقض مع القيم الغربية وأكد أن الحرب الباردة
لم يستبدل بها تنافس بين الإسلام والغرب، فالأمريكيون يعترفون بأن الإسلام أحد
الأديان الكبرى في العالم وهو دين منتشر في كل القارات، وأن ملايين الأمريكيين
ينتمون إليه ونعترف كغربيين بأن الإسلام هو قوة حضارية تاريخية ساهمت في إغناء
ثقافتنا والتأثير فيها، وأشار إلى المجموعات والقوى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
التي تحاول إصلاح مجتمعاتها والمحافظة على المبادئ الإسلامية، لكنه أوضح أن هناك تنوعًا
في الإعراب عن هذه المبادئ ولا تلحظ أي وحدة أو تنسيق دولي وراء هذه الحركات وما
نراه هو أن مؤمنين من مختلف البلدان يركزون من جديد على المبادئ الإسلامية وحكومات
النشاطات السياسية الإسلامية بدرجات تتعايش مع النشاطات السياسية بدرجات وبطرق
مختلفة.
وتطرق
دجيرجيان إلى المشاركة السياسية في الشرق الأوسط وقال: إن الولايات المتحدة ستؤيد
أولئك الذين يحاولون توسيع المشاركة السياسية في المنطقة، ولكننا نشك في أولئك
الذين يستعملون العملية الديمقراطية للوصول إلى السلطة بهدف تدمير العملية التي
أوصلتهم إليها ومن أجل المحافظة على هذه السلطة والهيمنة السياسية.
وأكد أن
الولايات المتحدة تختلف مع الذين يمارسون الإرهاب مهما كان دينهم، ويضطهدون
الأقليات وينادون بعدم التسامح ويخرقون الأعراف والقواعد الدولية حول حقوق
الإنسان.
وأضاف: إن
أمريكا تختلف مع أولئك الذين يستبدلون التعاطي البناء مع بقية العالم بالمواجهة
الدينية والسياسية، والذين لا يشاركوننا الالتزام حل النزاعات سلميًا خصوصًا
النزاع العربي الإسرائيلي، ومع أولئك الذين يسعون إلى تحقيق أهدافهم بالقمع
والعنف. فهل يمكننا على ضوء ذلك الافتراض أن التسعينيات ستشهد تبدلًا في سياسات
الغرب تجاه الإسلاميين ومحاولة التفاهم والتدجين بدلًا من سياسات القمع؟
الوجه
الآخر للقضية
ثمة وجه
آخر للموضوع، فنحن حين نتحدث عن الغرب أو أمريكا، نتحدث بلغة واحدة تقريبًا تتلخص
في شتيمة الغرب، وتبيان موقفه منا، وتآمره علينا، وتحكمه في بلادنا، وباختصار نبرئ
أنفسنا من كل عيب لتلقي كل الأخطاء على هذا الغرب، وإذا تعاملنا معه، فإنما نتعامل
بنفس الأسلوب التآمري إذا سألتني: لماذا؟ أقول بسبب بنية الأصولية الإسلامية وعدم
امتلاكها للمؤسسات القادرة على تبادل الأفكار والحوار.
الغرب
حقيقة واقعة، وهو يمتلك أغنى حضارة ومؤسسات عرفها تاريخ البشرية، ويؤمن إيمانًا
مطلقًا بمصالحه ويقدمها في كثير من الأحيان على المبادئ وإلا لما تعاون مع
الأصوليين الأفغان وقال صراحة: إن هؤلاء أصوليون «حسب تعبير جين كير كباتريك»
وأعطاهم من السلاح المتطور «مثل صواريخ ستينغر» والدعم المالي والمعنوي ما مكنهم
من إحراز نصرهم على الاتحاد السوفياتي، فإذا كانت مصلحة أمريكا اقتضت أن تتعاون مع
الأصوليين من أجل مصالحها، فما الذي دفع الأصوليين إلى إخفاء هذه الحقائق الظاهرة؟
بل ما الذي منعهم من التعامل الصريح والواضح مع الغرب ضمن سياسة تبادل المصالح؟ بل
لم تعاون الغرب مع إيران «فيما عرف بصفقة إيران – غيت» بالرغم من أن كثيرًا من
الجهات تصور إيران بأنها قائدة التطرف والإرهاب الأصولي؟
إن الغرب
يحارب نفسه من أجل مصالحه، ويهادن الآخرين من أجل مصالحه أيضًا، ولا نقصد بهذا
الحديث أن الغرب تخلص من أحقاده التاريخية ونظرته المعادية تجاه الإسلام والحركات
الإسلامية، ولكن هذه الحركات لا تستطيع أن تعيش كل دهرها وهي محصورة ضمن هذا
النطاق، بل لابد من إقناع الآخرين أنها يمكنها أن تتعامل أيضًا بمنطق المصالح
مصلحة الإسلام، وليس مصلحة الأشخاص أو الأسماء وتتعامل علنًا وأمام الجمهور من
منطلق الثقة بالنفس وشرعية مطالبها وعدالة قضاياها، التجربة صعبة ولكنها تستحق
المبادرة.
وهل
الوقت مناسب؟
نعم هذا
هو الوقت المناسب. فبعد الحرب الباردة انفرط العقد العالمي، والكل يبحث عن معادلة
جديدة. وكما يزرع الأمير تشارلز البلاد ويبشر بتعاون الغرب مع العالم الإسلامي،
فإن أمريكا أيضًا تبحث لها في أوروبا -على حساب إنجلترا وفرنسا وألمانيا- وفي حوض
البحر المتوسط وفي العالم الإسلامي عن عالم جديد تتحالف معه، فهل بالإمكان توظيف
هذه الرغبة الغربية بما يصب في مصالحنا؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل