العنوان الإسلام والغرب
الكاتب عبدالرحمن محمد العمودي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1999
مشاهدات 89
نشر في العدد 1343
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 23-مارس-1999
زار د. عبد الرحمن العمودي القدس مؤخرًا على الرغم مما يمكن أن تثيره هذه الزيارة من اعتراض في الوسط الإسلامي، وبعد الزيارة خرج بهذا التصور العملي لدور المؤسسات الإسلامية والعربية الأمريكية تجاه قضية القدس:
دور المؤسسات الإسلامية والعربية الأمريكية تجاه قضية القدس
- من المهم إخراج قضية القدس إلى حيز الشارع الأمريكي ووسائل الإعلام ودوائر صنع القرار.
تتخذ قضية القدس في الوقت الراهن طابعًا من الأهمية والإلحاح لا سابقة له في تاريخ الجالية العربية والإسلامية الأمريكية، وذلك راجع لدورها الأساسي في المباحثات النهائية، والتي تمر بلا شك عبر البيت الأبيض والكونجرس الأمريكي، والأثر الحاسم لهذه المباحثات في صياغة ملامح الهوية المستقبلية لهذه المدينة المقدسة، لذا فإن المهمة الملقاة على عاتق المؤسسات الإسلامية والعربية الأمريكية مهمة صعبة وحرجة، لما تحمله من مسؤولية ضخمة أمام الأجيال القادمة.
والعمل المنشود من أجل هذه القضية السامية محيط واسع الأبعاد، متعدد المسالك والصلات، وبطبيعة الحال تتشعب فيه الآراء والأفكار والمجالات، وإذا أرادت هذه المؤسسات أن ترسم خطة عمل مشتركة، فلا بد لها من أن تتسم بالشمول والمرونة؛ لتتنوع مع تنوع الاتجاهات والقناعات والحاجات المتجددة.
وانطلاقًا من قناعتي الشخصية بالأهمية العظمى لهذه القضية، فقد سارعت بزيارة القدس للمشاركة في المؤتمر العام الذي عقدته جامعة القدس مؤخرًا تحت عنوان «القدس الماضي، والحاضر، والمستقبل»، وذلك تلبية للدعوة المقدمة من الجامعة، وتلبية لنداء الواجب الوطني والإسلامي، وتلبية لحاجة المؤسسات الإسلامية والعربية الأمريكية لدراسة الوضع عن كثب، ومعاينة على الطبيعة قبل وضع خطة العمل المنشودة.
ولا شك في أن المؤسسات العربية والإسلامية الأمريكية أمامها الكثير من مجالات التعاون المشترك لدعم هذه القضية، خاصة إذا اعتمدت خطة التعاون على تفعيل دور كل من المسلمين والنصارى كفريق عمل متحد، وجبهة متماسكة أمام المزاعم اليهودية، فقد حان الأوان لبناء جسور وثيقة من التعاون والتنسيق بين المسلمين والنصارى لنصرة قضية القدس، ولإيصالها إلى دوائر اتخاذ القرار في الولايات المتحدة، أو بمعنى آخر «تسييس» القضية- إن صح التعبير- وإخراجها إلى حيز الشارع الأمريكي ووسائل الإعلام ودوائر صنع القرار، وهذا بالطبع لن يتحقق إلا بمشاركة الفرد العربي الأمريكي «مسلمًا ونصرانيًا» باعتباره جزءًا من المجتمع الأمريكي، ومشاركًا في صنع قراره على الصعيدين الداخلي والخارجي، بعد تأكيد إيمانه بقدراته الذاتية، وزيادة تجاوبه مع المعطيات القائمة وتطوراتها، وتوسيع فاعليته ضمن إطارها، وتعميق الحوار بينه وبين الذات، وبينه وبين الثقافة الأمريكية الغربية، وذلك كله يستند إلى الدعائم التالية التي تمثل شرطًا مسبقًا ولازمًا ومصاحبًا للدور المنشود للجالية العربية والإسلامية الأمريكية في دعم قضية القدس، أو غيرها من قضايا العالم العربي أو الإسلامي:
- بناء شخصية المواطن الأمريكي العربي لتأكيد إيمانه بذاته وبحريته، وكرامته، وقدرته على مواكبة الحدث الراهن، والسعي نحو المشاركة الفعالة في صنعه أو الاستجابة له، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
- تطوير البنى الاجتماعية والسياسية للجالية الإسلامية والعربية الأمريكية بوصفها ركن البناء، فالبناء الحضاري الإسلامي والعربي ليس كيانًا مغلقًا على ذاته، بل هو تفاعل دائم مع ما يحيط به في دورة متصلة من التأثر والتأثير.
- إبراز الهوية الإسلامية والعربية والمحافظة عليها، فهي مستودع الأصالة والعطاء، وكنز الخبرات والقيم، وملهم الطاقات الإبداعية، بيد أنها يجب أن تكون واقعًا متفاعلًا لا ماضيًا متحجرًا، وقوة دفع لا قوة جذب، ومصدر ثقة وإبداع واجتهاد، لا نموذج محاكاة وتقليد ماضوي صوري.
- تأكيد وثاق الوحدة بين تجمعات الجالية وزيادة أواصرها، ولا شك في أن قضية كقضية القدس ستكون بمثابة محور التآخي ونسيج الالتحام بين أبناء الجالية.
الملامح العامة للخطة
وبعد زيارتي للقدس الشريف، ولقائي عددًا غير قليل من مسؤولي ومندوبي المؤسسات الفلسطينية هناك، وزيارتي الميدانية لعدد من هذه المؤسسات، وانخراطي في سلك العمل السياسي الأمريكي، وتشاوري مع عدد كبير من أعيان الجالية العربية والإسلامية الأمريكية، أقترح بعض الخطوط العريضة والملامح العامة لخطة العمل المنشودة للجالية العربية والإسلامية الأمريكية لنصرة قضية القدس، مرحبًا بمقترحات وآراء القراء الأعزاء تضافرًا للجهود، وجمعًا للعقول بإذن الله.
ويمكن إجمال أهداف خطة العمل فيما يلي:
- توعية الشعب الأمريكي بسائر شرائحه بحقيقة الاحتلال الإسرائيلي للقدس العربية.
- توحيد الجهود الدينية والسياسية للجالية الإسلامية والعربية الأمريكية لنصرة قضية القدس من خلال التأثير على وسائل الإعلام الأمريكية.
- توظيف حق التصويت والانتخاب لدى أفراد الجالية للتأثير على المرشحين السياسيين، سواء في انتخابات الرئاسة، أو الكونجرس، أو الحكومات المحلية للولايات المختلفة.
- تشكيل تحالفات وائتلافات بين المسلمين وغيرهم في الولايات المتحدة لنصرة الحق الفلسطيني في القدس.
ويمكن توزيع مجالات العمل على تحقيق هذه الأهداف على أربعة محاور، نوجزها فيما يلي:
أولًا: المجال الإعلامي:
لا يشك منصف في أن وسائل الإعلام الأمريكية عرضت صورة محرفة ومنحازة عن المدينة المقدسة، كرست فيها بمبالغات مفضوحة الحق اليهودي المزعوم في مدينة القدس، مستندة في ذلك إلى الوعد الإلهي المزعوم لليهود في المدينة، وهمشت الحق الفلسطيني في المدينة ومقدساتها، بل واستمرت على هذه الوتيرة حتى بعد انطلاقة التسوية، في تجاهل تام ومقصود ومدفوع الأجر، حتى جاء السيد تيد كويل في برنامجه الشهير «نایت لاين»، ولأول مرة في عام ١٩٩٦م ليطرح القضية بشكل متوازن، يراعي فيه حقوق المسلمين والنصارى واليهود في المدينة، ويظهرها على أنها مدينة مقدسة عند أتباع الديانات الثلاث، إنه يتعين وبشكل ملح وطارئ على الجالية الإسلامية والعربية الأمريكية بيان الدور الخطير الذي تلعبه وسائل الإعلام في التأثير على الرأي العام الأمريكي، من خلال برامجها السياسية والثقافية المتعلقة بقضية القدس، وعليه فإن الخطة المنشودة تهدف إلى تحقيق الأهداف العملية الإعلامية التالية:
- دعوة الصحافيين ورجال الإعلام لندوات ومؤتمرات متخصصة تعقد لقضية القدس، لإطلاعهم على الجانب العربي والإسلامي للقضية.
- تشجيع القادرين من أعضاء الجالية، وبعض القيادات الدينية، والأكاديميين، للكتابة في القضية، ونشر كتاباتهم على عدة مستويات صحفية، لتوعية الشارع الأمريكي بقطاعاته وشرائحه المختلفة.
- تنظيم حملة واسعة على مستوى تجمعات الجالية المختلفة في شتى أنحاء الولايات المتحدة للضغط على وسائل الإعلام المحلية، لطرح قضية القدس وتغطيتها، والتأكد من عرض الجانب الفلسطيني فيها.
- تنظيم عدد من الزيارات الميدانية إلى المدينة المقدسة لعدد من الكتاب والصحافيين والمصورين ومراسلي القنوات التلفازية والفضائية.
ثانيًا: المجال السياسي:
لا يخفى أن المحرك الأساسي والأهم للسياسيين الأمريكيين هو عدد الأصوات الانتخابية التي يمكن الحصول عليها، والدعم المالي لحملاتهم الانتخابية، وبالتالي فمن المستحيل أن ينجح المسلمون والعرب الأمريكان في التأثير على الدوائر السياسية فيما يخص قضية القدس دون الانخراط في العملية السياسية من تقديم تبرعات مالية للمرشحين، وممارسة حق التصويت، وهذا يستدعي الانخراط في العملية السياسية على سائر المستويات، وفي سائر القضايا المحلية والدولية على حد سواء، ولا يخفى أن هذا يستلزم ابتداء موقفًا نفسيًا شجاعًا يسعى إلى كسر حاجز العزلة والانكفاء على الذات، والانطلاق إلى حوار الكلمة، ومحاربة السلبية والاتكالية والهروبية على اختلاف نماذج التعبير عنها.
ومن الخطوات العملية التي يمكن السعي نحوها في المجال السياسي ما يلي:
- تشكيل لجان تسمى «لجان القدس» في سائر الولايات الأمريكية، تسعى للقاء ممثلي كل ولاية في الكونجرس، وفي البلديات المحلية، ووسائل الإعلام، والكنائس الأمريكية بشتى اتجاهاتها، وذلك لطرح قضية القدس وزيادة الوعي حول حقائقها المطموسة أو المشوهة بفعل اللوبي الصهيوني.
- تنظيم زيارات ميدانية للقدس الشريف لعدد من أعضاء الكونجرس ومساعديهم للاطلاع على حقيقة الأمور في أرض الواقع، ولقاء عدد من المسؤولين الفلسطينيين في القدس.
- الدعوة لمسيرة «المليون شخص» من أجل القدس في واشنطن العاصمة من خلال لجان القدس، بعد استكمال بناء الجسور مع المؤسسات والجمعيات الأمريكية المحلية في سائر الولايات، إضافة- بالطبع- إلى المؤسسات العربية الأمريكية.
ثالثًا: المجال الديني:
إن هذا المجال يستدعي عملًا خاصًا ومكثفًا ونوعًا من الإيضاح التحليلي خاصة في ظل عواصف العصر الفكرية واختلاط الأفهام والأفكار، وما تحاول الأصابع الصهيونية إثارته من فرقة وتباعد بين المسلمين والنصارى داخل وخارج الأرض المحتلة.
إنه بإمكان علماء الدين من المسلمين، ورجال الدين النصارى- إذا ما أحسن إعدادهم وتزويدهم بالمعلومات اللازمة- تحريك جموع غفيرة من أتباعهم ومحبيهم لتأييد الحق الفلسطيني في القدس، وإن ظهورهم «أي القيادات الدينية» بمظهر الفريق الساعي لتحقيق هدف نبيل مشترك، سوف يكون له أكبر الأثر في صد المحاولات الصهيونية الساعية لتفريق الصف الفلسطيني والعربي والإسلامي.
ومن الخطوات العملية التي يمكن اتخاذها في هذا المجال:
- يقوم أسقف القدس بإرسال رسالة إلى بابا الفاتيكان، يحثه فيها على دعوة الكنائس الكاثوليكية في أمريكا لدعم الحق الفلسطيني في القدس، وكذلك يفعل الأسقف الإنجليكاني وباقي المذاهب.
- يقوم المجلس الإسلامي الأمريكي بالدعوة إلى والإشراف على تأسيس لجنة خاصة مشكلة من قيادات دينية مسلمة ونصرانية، تتخصص في دعم قضية القدس، ونشر الوعي حولها لدى أتباعهم ومحبيهم من جموع المؤمنين في سائر أنحاء الولايات المتحدة، وقد تم هذا بالفعل، وأنشئت «اللجنة الأمريكية من أجل القدس»، وتم تعيين ضابط اتصال أمريكي للإشراف على عملية التنسيق مع الكنائس الأمريكية والمؤسسات الأمريكية النصرانية المختلفة، بغية بدء حملة التوعية الشاملة للجالية النصرانية ودورها المنشود تجاه قضية القدس.
- العمل على حث المراكز الإسلامية والكنائس والمؤسسات العربية الإسلامية والنصرانية المختلفة لترتيب رحلات وزيارات منظمة لمدينة القدس، للتعرف عن كثب على حقيقة الأمور، والتواصل مع إخوانهم الفلسطينيين هناك، والاطلاع على معاناتهم تحت الاحتلال الصهيوني.
ونحن على علم ببعض الفتاوى التي تحرم على المسلمين والعرب زيارة القدس وهي تحت الاحتلال لما في ذلك من اعتراف غير مباشر بالسلطات الإسرائيلية، وبالدولة العبرية وسيادتها، بيد أننا نعتقد أن زيارة المدينة المقدسة ضمن هذه الحملات المنظمة، وبالتعاون الوثيق مع المؤسسات الفلسطينية هناك، ورسم برنامج زيارة مدروس وذي أهداف واضحة ومخطط لها مسبقًا، سوف يكون له- بإذن الله- منافع عظيمة تفوق ما قد يقع من ضرر، ولعل الأمر «عدم الزيارة» يصدق على الشخصيات المرموقة والرموز السياسية والدينية أكثر منه على عموم الجالية «خاصة المغتربة منها» وبالشروط والهيئة المذكورة آنفًا من إعداد وتنسيق وتعاون مع الهيئات الفلسطينية بالداخل، وفي هذه الزيارات دعم لفلسطيني الداخل وزاد صمود أمام محاولات الاستيعاب والاحتواء الإسرائيلية.
رابعًا: المجال الأكاديمي:
يفتقر عدد كبير من الأكاديميين الأمريكان إلى الحقائق العلمية الأكاديمية الصحيحة حول قضية القدس، بل إن عددًا كبيرًا منهم لا يعرف طريقه نحو المصادر الأكاديمية المتوافرة في القضية، ويعتمد في كثير من تحليلاته وأحكامه وتصوراته على المصادر الصحفية والإعلامية، وعليه فإنه يتعين علينا- كجزء مكمل لخطة التوعية الشاملة لسائر شرائح المجتمع- أن ننشط في هذا المجال على التو، والحقيقة أنه يوجد في الوقت الراهن عدد من المعاهد والمؤسسات الأكاديمية الأمريكية المساندة أو المتعاطفة مع الحق الفلسطيني، بيد أننا نحتاج إلى جهود مركزة ومنظمة لاستثمار هذه المواقف، ونشرها وبثها، وإتاحتها كمصادر ومراجع في الأوساط الأكاديمية.
ومن الخطوات العملية التي يمكن اتخاذها في هذا المجال:
- توجيه دعوة عامة لسائر الأكاديميين العرب والمسلمين الأمريكان للدفاع عن قضية القدس في كتاباتهم، ومحاضراتهم، وندواتهم، ومؤتمراتهم المتنوعة.
- دعوة الأكاديميين الأمريكان لزيارة الجامعات الفلسطينية للمشاركة في ندوات ومؤتمرات، ثم زيارة أرجاء المدينة المقدسة.
- إعلان يوم عام موحد لقضية القدس في سائر الجامعات والكليات الأمريكية.
- تنظيم مناظرات علمية بين الطلاب العرب والمسلمين من جهة، وبين الطلاب اليهود من جهة أخرى.
دور الفلسطينيين داخل القدس
إثر زيارتي للمدينة المقدسة، ولقائي عددًا من مسؤولي الجمعيات والهيئات والمؤسسات الفلسطينية المختلفة هناك، والاستماع إلى آرائهم وتوجيهاتهم، والاطلاع على قدراتهم واستعداداتهم، والتعرف على احتياجاتهم ومطالبهم، يمكن القول إن الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المؤسسات غاية في الأهمية والحساسية في مساعدة مؤسسات الجالية العربية والإسلامية والأمريكية في حملة التوعية الشاملة لنصرة الحق الفلسطيني في القدس الشريف، ويمكن إيجاز بعض جوانب هذا الدور فيما يلي:
- تزويد المؤسسات الإسلامية والعربية الأمريكية بالمعلومات الميدانية الحديثة المتجددة ذات العلاقة بالقضية أولًا بأول، حيث سيكون لهذه المعلومات أهمية خاصة في تزويد وسائل الإعلام الأمريكية بما تحتاجه.
- تزويد المؤسسات الإسلامية والعربية الأمريكية بالوثائق ذات العلاقة والتي يمكن أن تدعم موقفها في نصرة قضية القدس لدى دوائر اتخاذ القرار.
- التعريف بالصعوبات والتحديات والتهديدات التي يتعرضون لها من قبل سلطات الاحتلال أو الجماعات اليهودية المتطرفة.
- إيفاد وفود دورية لزيارة الولايات المتحدة للقاء المسؤولين والسياسيين ووسائل الإعلام.
- تأسيس مؤسسات سياحية متخصصة ذات فروع في الولايات المتحدة، تشرف على تنظيم رحلات سياحية للشعب الأمريكي بكل طوائفه وشرائحه لزيارة القدس، فلا يخفى دور الزيارة الميدانية في تكوين الانطباعات الراسخة، وقد غير عدد من السياسيين الأمريكان انطباعهم بعد زيارتهم للمناطق العربية ولقائهم بعض مسؤولي المؤسسات العربية هناك، فمن المعلوم أن المؤسسات اليهودية تنظم عددًا هائلًا من الرحلات السياسية ذات الأهداف السياسية والإعلامية الموجهة، وتغفل بقصد سائر المزارات والمعالم العربية للمدينة.
هذه بعض الانطباعات والتطلعات التي تكونت ونمت على أثر زيارتنا للقدس، وتعاملنا مع القضية عن كثب في الولايات المتحدة، نسأل المولى- عز وجل- أن يلهمنا الصواب، ويعيننا على التزامه، ويجنبنا الخطأ، ويعصمنا من الوقوع فيه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
لم يسمعوا بالإسلام أبدًا .. ما دورنا تجاههم؟
مانشستر: مجدي محمد عقيل
تأخرت السفينة التي كان من المفروض أن تنقلنا من ميناء بلفاست في أيرلندا الشمالية إلى الساحل البريطاني بسبب سوء الأحوال الجوية، وارتفاع الموج في البحر الأيرلندي.. مما جعلنا نصل متأخرين عن موعد القطار الذي سينقلنا إلى جنوب بريطانيا لأكثر من ساعتين... فقامت الشركة صاحبة السفينة بإحضار حافلة تنقلنا من الميناء إلى اقرب مدينة بها محطة قطارات، حيث يتوجه كل راكب للوجهة التي يريدها.
وحدث أن صعد للحافلة مجموعة من الفتيات دون العشرين ترافقهن مشرفة عليهن؛ حيث امتلأت المقاعد بهن، ولم يبق إلا واحدة منهن، حيث جاءت وجلست في الكرسي الوحيد الشاغر بجواري، ولما كانت ملامحي توحي بأنني غير إنجليزي، فقد سألت السؤال المعتاد بين الغرباء في بلاد الغربة: «من أي البلاد أنت؟»، فقلت: «من فلسطين»، لم أفاجأ برد الفعل، فقد لاحظته عشرات المرات مع عشرات الأشخاص الذين قابلتهم، ولم يسمعوا بفلسطين من قبل، فقد طغى اسم إسرائيل على اسم فلسطين البلد الحبيب.. بلد المسجد الأقصى المبارك.. ولكن كانت الصدمة عنيفة وقاسية، بل ومؤلمة عندما قلت لماري- وهذا اسمها- أنني مسلم، ففغرت فاها، وقالت: «ماذا تعني كلمة مسلم؟!».. قلت: «أنا أدين بالإسلام كما تدينين بالنصرانية، فالإسلام دين سماوي وهو آخر الأديان السماوية»، وشدهت، فقد تبين لي أنها لم تسمع بالإسلام لا اسمًا ولا دينًا، لا من قريب ولا من بعيد.. وأخذت أشرح لها شيئًا مختصرًا عن الإسلام وعن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بأسلوب مبسط يناسبها.. ولاحظت أن صاحباتها اللواتي يجلسن قريبًا منها كن ينصتن باهتمام بالغ، ولما سألت عن أصلهن وأحوالهن عرفت أنهن مجموعة من الفتيات من الأرجنتين في أمريكا الجنوبية، جئن لبريطانيا لدراسة اللغة الإنجليزية لمدة قصيرة... وامتد الحديث عن الإسلام حتى طلبت الحصول على نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم من جمعية الطلبة المسلمين في المملكة المتحدة
وأيرلندا التي أعطيتها عنوانها.
وللقصة هذه دلالة خطيرة، وهي أننا- نحن المسلمين- لم نستطع حتى الآن تبليغ دعوة الله لجميع الناس.. برغم سهولة الاتصال في عصر القنوات التلفازية عبر الأقمار الصناعية، وعصر الإنترنت، وما زال الكثير من البشر في مناطق من العالم ينتظر أن تبلغه دعوة الإسلام، وسنسأل عن هذه المهمة يوم القيامة، والله- سبحانه وتعالى- يخاطب نبيه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة : ٦٧).
فإذا كانت هذه الفتاة التي تعيش في بوينس أيرس العاصمة لدولة عدد سكانها ٣٤ مليون نسمة، وفي مستوى جيد من التعليم والحياة المدنية، فما بالك بسكان الأرياف والقرى في مثل هذه البلاد؟!.. برغم أن الأرجنتين بها عدد كبير من أبناء الجالية المسلمة، وبالذات من الدول العربية خاصة سورية، ولبنان، ولكن يبدو لي أنها تحتاج إلى التركيز على نشر الدعوة وسط الجماهير، وليس النخبة فقط، وإنني شخصيًا لا أعرف تفاصيل كثيرة عن وضع الجالية المسلمة في الأرجنتين، سوى أن رئيس الجمهورية « كارلوس منعم» هو سوري الأصل، ترك الإسلام، واعتنق النصرانية حتى يصبح ترشيحه للرئاسة دستوريًا.
ما دور المساجد والجمعيات والمراكز الإسلامية في الغرب؟
هل الدور ينحصر في أداء الشعائر الإسلامية، والحفاظ على أبناء الجالية المسلمة فقط؟ أم أن هناك واجبًا آخر لا يقل أهمية عن الدور المذكور وهو: توطين الدعوة، ونشر الإسلام بين غير المسلمين؟
إن الواقع يعكس خيبة أمل كبيرة، ففي بريطانيا وحدها حوالي ألفين من المساجد والمراكز الإسلامية، فضلًا عن آلاف الجمعيات والمؤسسات الإسلامية الأخرى، فلو افترضنا أن كل واحد من هذه المساجد والمراكز ركز عمله في سنة من السنوات على جانب نشر الدعوة بين غير المسلمين.. وأدخل شخصًا واحدًا للإسلام كل شهر، فبعد مرور سنة واحدة سيكون لدينا 24000 مسلم جديد، بعد عشر سنوات سيكون عندنا حوالي ربع مليون مسلم جديد، بخلاف ذرياتهم، ومن المعروف أن المسلم الجديد له تأثير على أبناء جنسه أكبر بكثير من المسلمين الوافدين.
والتجربة ليست مستحيلة ولا صعبة.. ففي مدينة مانشستر توجد مؤسسة اسمها مؤسسة «الشباب المسلم»«Muslim Youth Foundationd M.Y.F» ليس فيها من الموظفين إلا اثنان، وتقوم هذه المؤسسة بإرسال شبابها كل يوم سبت، وهو يوم عطلة إلى «مركز ارنديل» وهو أكبر مركز تسوق في وسط المدينة، ويضعون طاولة صغيرة عليها أنواع مختلفة من النشرات التي تعرف الإسلام، وكل من له رغبة في تعرف الإسلام، يأخذ ما يريد من النشرات ويمشي، وأحيانًا يسأل بعض الأسئلة عن الإسلام... ولا يستطيع الشباب الإجابة عن جميع الأسئلة، فيحيلونهم على عنوان المؤسسة.
ويبدأ البعض منهم في الاتصال أو الحضور بنفسه إلى المؤسسة، وهكذا يتم التعريف بالإسلام، والنتيجة تكون واحدة من أربع:
١ - ألا يعير الموضوع التفاتًا، وهم الغالبية، فهم غير مهتمين بالدين بسبب الانفصام التام بين الدين والدولة، وكرههم لتسلط رجال الدين في العصور الوسطى، وهؤلاء نكون قد أعذرنا أمام الله- سبحانه وتعالى- بأن بلغناهم.
2- أن يأخذ النشرات مجاملة ثم ينسى الموضوع بمجرد وصوله إلى المنزل وهم كثير.
3- أو يهتم بالموضوع، ويقرأ ويتعرف الإسلام، فإما أن يشرح الله صدره، ويصبح من الفئة الرابعة، وإما يأخذ الموضوع على أنه زيادة في الثقافة العامة والمعارف الدينية.
٤- والفئة الأخيرة وهي قليلة، فهي التي يشرح الله صدرها للإسلام، ويأتي للمؤسسة، ويفهم الدين بعد عدة لقاءات ودورات في العلوم الإسلامية البسيطة والأساسية.
وما أود قوله في هذا المجال هو إعطاء هذا الموضوع حقه من العناية بطريقة منظمة وبسيطة، مع مراعاة ظروف كل بلد على حدة بعد دراسة واقعية لظروف البلد والجالية المسلمة هناك، واختيار الأساليب المناسبة لتبليغ الناس دعوة الله سبحانه وتعالى.
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل:125)
المصيبة الكبرى لـلأمة في تفرقها
بقلم: د. محمد علي الهاشمي
ما أصيبت أمة العروبة والإسلام بمصيبة أكبر وأفدح من مصيبتها بتكريس الدولة القطرية بين شعوبها، وبعدها عن روح الاتحاد والتقارب ورص الصفوف، فمنذ عقد معاهدة سايكس بيكو التي أفلح فيها الاستعمار الإنجليزي والفرنسي بتقسيمنا إلى دويلات إثر سقوط الخلافة الإسلامية، وخضوع الأقطار العربية للانتداب الإنجليزي والفرنسي، لم تر هذه الأقطار يومًا أحست فيه بعافية، حتى بعد خروج المستعمر من تلك الأقطار.
ذلك أن الاستعمار كرس فيها مفهوم الدولة القطرية، وعمل على ترسيخ هذا المفهوم في نفوس الزعماء والقادة الذين آلت إليهم مقاليد السلطة في تلك الأقطار، حتى أصبح الهم الأكبر والشاغل الأعظم التفاني في المحافظة على هذا الكرسي الذي يضمن السيادة والاستعلاء والرفاهية والتفرد في الحكم، ولا يعبأ أحد بعد ذلك بوحدة الأمة وتكتلها .
وبدل أن تكون الأمة مجتمعة في كيان واحد كبير قوي، أصبحت دولًا متفرقة مفككة ضعيفة متخلفة، وهذا ما يرضي الأعداء كل الرضا، ويرضي الحكام الدكتاتوريين ما داموا هم على رأس السلطة، يجمعون حولهم المنتفعين ليحموهم، ويحققوا لهم البقاء والاستمرار.
وتزداد المأساة عمقًا وفداحة حين يبتلى القطر بحكم عسكري ظالم، ذلك أن الحاكم الدكتاتور الظالم لا هم له إلا التنكيل بكل معارض يفتح فمه بنصيحة يسديها إلى قومه وبلاده، ولذلك لا ترى في مثل تلك الأقطار المنكوية بحكم فردي متسلط إلا مصادرة الحريات، وكم الأفواه، وتعطيل الشورى، وتزييف الحقائق، وهذا كله يستتبع الضعف والتخاذل، والتخلف على الصعيد الداخلي والصعيد الخارجي.
فعلى الصعيد الداخلي لا يمكن لقطر صغير، تمكن فيه نظام مستبد، يقرب المنتفعين ليصفقوا له ويهتفوا بحياته، ويبعد المخلصين الناجحين، وهم البناة الحقيقيون للأوطان، لا يمكن لمثل هذا القطر أن تزدهر فيه الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بل إن أصحاب العقول والكفاءات يهاجرون من هذا القطر، إذ لا يجدون فيه مجالًا لإبداعاتهم وخدماتهم النافعة، لأنهم ليسوا من أنصار الحاكم، والجاليات العربية والإسلامية في الغرب التي نراها في نماء مستمر أكبر دليل على سوء الأوضاع في الدولة القطرية في عالمنا العربي والإسلامي..
ولو أن هذه الأقطار التي وضعت فيما بينها حدودًا وسدودًا انفتح بعضها على بعض، وحمل شيء من خيرات كل قطر إلى جواره، وتم تبادل المنافع والخيرات فيما بينها لازدهر الاقتصاد، وعم الرخاء، وشاع الخير، وعاد على جميع الشعوب بالغنى، والقوة، والرفاهية.
أما على الصعيد الخارجي، فواضح لكل ذي عينين أن ما أصاب أمتنا في هذا العصر، ولا يزال يصيبها من مصائب، ما كان ليحل بها لو أن اقطارها المتباعدة المتفرقة التقت في شكل من أشكال الاجتماع والاتحاد، وواجهت المشكلات والنوازل التي تحل بساحتها بكيان موحد قوي كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا، كما جاء في الهدي النبوي الحكيم.
لو كانت أمتنا مجتمعة في كيان واحد قوي، في شكل من أشكال الاتحاد، لما حل بنا ما حل في فلسطين من تلقي لطمات الإهانة التي اعتدنا على تلقيها كل يوم من الصهاينة وحلفائهم، ولما هرول البعض مسارعًا في صلح يرضي العدو ويضيع الحقوق.
لو كانت أمتنا معتصمة بحبل الله، غير متفرقة، لما حدث الاعتداء على الكويت الذي جر على الأمة الويلات، فأهدر مئات المليارات من رصيدها القومي، وجلب إلى المنطقة القوات الأجنبية للحماية من الجار المعتدي المتريص، ولما سمعنا تصريحات الحليف الأجنبي بأنه ملزم بالدفاع عنها!
لو كانت أمتنا كيانًا واحدًا قويًا لما حصلت مشكلة الأكراد الذين توزعوا في أربع دول: في تركيا وإيران والعراق وسورية، ولما ارتفعت أصواتهم تطالب بالحكم الكردي القومي الانفصالي.
ولقد قالها ممثلهم منذ أيام: «لو أننا كنا نعيش في ظل حكم إسلامي، تظلله أخوة الإسلام لما قمنا بثوراتنا مطالبين بالانفصال، ولقد كنا في ظل الحكم العثماني راضين آمنين، حتى جاء الاستعمار، ووزعنا على دول أربع، تنادي كل دولة بقوميتها، وتحرم علينا المناداة بقوميتنا! أقيموا اليوم حكم الإسلام لنعيش بينكم آمنين، وتتنازل عن دعوتنا إلى الانفصال».
ونسوق القول نفسه في المشكلات الأخرى التي تعانيها أمتنا كالتي في كشمير والبوسنة وكوسوفا، والعراق وغيرها من الأقطار.
لقد أدى تكريس مفهوم الدولة القطرية في نفوس زعماء العرب والمسلمين وقادتهم إلى هذا الواقع المرير الذي تعيشه أمتنا، فقر، وقصور، وتخلف على الصعيد الداخلي، وضعف وامتهان على الصعيد الخارجي.
والعجيب أن العالم من حولنا يسير كله نحو الوحدة والتلاقي والتعاون والتكتل، كما نشهد في الاتحاد الأوروبي، ونحن لا نزال نراوح في مكاننا لا تفكر في خطوة إلى الأمام نحو اتحاد يخرجنا من هذه الفرقة المقيتة، وينتشلنا من هذا الواقع الذليل، في عصر أصبح العالم فيه قرية صغيرة، ولم يعد للدول الصغيرة فيه مكان .