; الإسلام.. والطاقات المعطلة | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام.. والطاقات المعطلة

الكاتب علي خالد السداني

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1977

مشاهدات 73

نشر في العدد 336

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 08-فبراير-1977

ما أعظم الوقت! فهو عماد الرقي في كل أمة كائنة ما كانت، وبه الأمم تستطيع أن تنحو الخير والتقدم، وهو الحياة، وما أصوب المثل العربي القائل: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، فما أحده وما أسنه، وأمم الشرق قاطبة غافلة اليوم عن هذا المعنى مغمضة العيون وحشت الآذان، فلا سبيل إلى الأفئدة، والطرق كلها موصدة مغلقة.

واليوم، ونحن نعيش بين ظهراني هذه الأمم المنتسبة إلى الإسلام جغرافية، إنما نحيا حياة كلها دعة ولعب وهتك لأستار الوقت الثمين، وتضييع للساعات والأيام، وهكذا تسير بنا الحياة بين إفراط في اللعب وتفريط في الحق، وتيه في مزالق يسلم أولها آخرها.

ولنا نحن -المسلمين- نظرة ووقفة تأمل في هذه الحياة من حولنا، ونشرئب بأعناقنا لتنظر العيون إلى من حولها من أمم غزت الفضاء، وانطلقت تضرب أجواز الكون يمنة ويسرة، ونحن نمد الأيادي بين الحين والحين؛ لنطلب الغث مما يزرى والقشر بعد سقوطه، ونترك السمين، وهذه حالنا والحمد لله.

فالأمة لاهية بكل ما تلفظه أمم العصر، وسابقنا الغرب، وسبقناه في مضمار «الفساد»؛ فأفلامنا تتصدر أفسد القوائم من أفلام الدنيا، حتى لتتورع السينما الفرنسية على أن تتبوأ هذه المنزلة «الساقطة» في الحضيض.

والتلفزيون بما يبثه من برامج آناء الليل وأطراف النهار، الجوهر فيها ذرة، والساقط المنحط قدر ذلك ألف مرة، والطأمة الكبرى أن الأجيال كلها تنعقد أمام هذا الجهاز الخطير، ليخرج الشيخ الكبير الذي دفعه الضيق وتفرق الأصحاب بعد تفرق السبل في حياة متلاطمة انشغل الكثير فيها بدريهماته، فانقطع وصله وجف موطئ قدمه، ليرتمي أمام هذا الجهاز، فيجد فيه ما ينكأ جراحًا ملتئمة، ويسعر شهوة الشاب لينهد بعد ذلك كالثور الهائج، فتخرج صحف الصباح وقد سطرت على صفحاتها أن عددًا من الشباب قاموا باختطاف فتاة وهتكت الأعراض، فحكمت عليهم الأحكام الشيطانية بالسجن عشر سنوات لكل منهم، ولعله بعد فترة بسيطة يخرج لكي يعبث بالأعراض ويتهجم على الحرمات، وتنحط به شهوته حتى لتذكر بعض الصحف أن شابًا في العشرين من عمره يختطف امرأة في السبعين، يا لها من خيبة! 

أما الرياضة فصارت إلهًا معبودًا تقدم له القرابين، وتستعد الأمة عن بكرة أبيها لمشاهدة مباريات الكرة، وترى أكداسًا من الشباب في عمر الورود وقد طاشت عقولهم، فأمسك «بغترته» يلوح بها، والفتيات أخذن يزاحمن الشباب في هرج ومرج، وأخذن يرقصن ويصفقن وقد نسين أنهن عورة أمر الله -سبحانه وتعالى- بسترها، وصوتهن عورة أمر الرب بغضها، ولكن من تنادي؟ ولو ناديت لأسمعت الأحياء، ولكن لا حياة لمن تنادي، فمعنى الحياة أن يعيش الإنسان بحياء الخلق، ولكنه ويا للأسف الشديد فقد مات الحياء في النفوس، وأمسى قطعة بالية من مخلفات «العهود البالية» التي يسميها المسلم «السلف الصالح» رضوان الله عليهم.

ومباريات الكرة تشل حركة الحياة في الأمة، واتخذ منها القادة منفذًا للتنفيس عن أممهم المقهورة وشعوبهم المكبوتة، فما من قرار سياسي يقصم ظهر الأمة ويخضد شوکتها دهورًا إلا ويعقبه مباراة أو مباريات ناهيك عن أشكالها وألوانها، فمن مباراة للكرة إلى سباحة إلى رقص واستعراض مواطن الفتنة، وإغراء الشيطان في جسم آثم بخس أطلق عليه.. «مسابقة ملكة الجمال»، مسابقة تتدفق فيها أمواج عارمة من الشهوات المسعورة، ثم تدور هذه «الملكة» ليأخذ كل من هذه الوحوش نصيبه منها، وهذه واحدة من ملكات جمال العالم المخبول، وهي لبنانية الأصل تقول بملء فيها ردًّا على سؤال وجهته إليها إحدى المجلات، أنها لن تتزوج حتى تجرب الحب -الزنا- مع من تحب، ومن ثم عليها أن تختار من هو أشد بين تلك الثيران البشرية.

هذه هي الحياة المثالية التي تحياها هذه -الملكة- وعلينا أن نوقن أنها واحدة من جيش لا يحصى عدده.

وأما الكرة فقد أحلت العداوة والبغضاء بيننا وبين إخوان لنا في العقيدة واللغة والجوار، فما إن انتهت المباراة حتى حدث التخريب والتدمير، وحمل كل فريق أثقالًا من الحقد والكراهية لأخيه ما نحن في غنى عنه. 

والصحف التي تحمل أخبار المجتمع وتتعدى عليه، وتعجم سهامها لتقذفه بأصلبها عودًا؛ لكي تصيب منه مقتلًا في الدين والخلق، والحق يقال إنها استطاعت وتمكنت بل وتحكمت، فأخذت تفرغ ما عندها من دس على مجتمعنا المسلم، فملأت الأسواق بما يسمى «الملاحق» وشوهتها بالصور العارية، ولم نر ملحقًّا من تلك الملاحق يحمل اسم الدين، اللهم إلا بعض مقالات صغيرة ودقيقة، بل هي تدق مع الأيام حتى تنتهي -والله أعلم- إلى أرفع من الشعرة؛ لأنها مرحلة تخديرية يستهدف منها أن تكون عقارًا يعطى على دفعات ينتهي إلى نزع الإسلام من النفوس الضعيفة، وقد كان.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى المجلات التي آلت على نفسها أمام الناس أن تعالج المواضيع من زوايا معينة، كأن تكون «طبية» ويتلقفها الناس على تلك النية فيثقفوا أنفسهم وأهليهم بها ثقافة طبية تفيد الإنسان في حياته اليومية، وتأبى على نفسها إلا أن يحشر بين صفحاتها وعلى أغلفتها صورًا شائنة، كل ذلك جريًا وراء التكسب الحرام على حساب المسلم وتحطيمه؛ فهي بهذا إنما تعمل على تنفيذ مخطط بشع شاركت فيه أنتن الرؤوس المدمرة لتحطيم الفضيلة عند الجنس البشري، وإقامة إمبراطورية أرضية يكون الملك فيها صهيونًا أغبر، وهذه ربما تكون عن ايعاز أو عن غباء وسذاجة.

 هذا جهد عظيم وجليل، ووقت ضائع وطاقات مهدرة في التخريب والتدمير، ولا من مجيب، والمصائب تترى وتتعاقب، فها هي بلاد المسلمين تكتظ بالمقاهي، والمقاهي تختنق بروادها، فترى المئات وهم ينفسون الدخان الذي ضرب بأطنابه على المكان والجمع يلهو «بالنرد» و«الزهرة» وما شاكلها، ويمضي الوقت وهم لا يدرون كمْ مضى منه ولا كمْ بقي؛ فهذا أمر لا يهم لا في قليل ولا كثير، وأكبر هم الواحد منهم التغلب على صاحبه ليرفع راية النصر.

وهذا جهد ضائع حقًّا ولا فائدة منه؛ فهي طاقات معطلة، يمضي الوقت بها دون حساب، والسؤال.. هل الإسلام يرضى بهذا؟

إن المسلم لو فكر قليلًا فيما هو فيه، وراح يستقرئ الإسلام؛ يرجو منه أملًا يبدد له أستار الضياع المهلك من أمامه، وتلك الهالة القائمة المتشرنقة عليه، لوقع على الدواء الناجح ووجد الطبيب النطاسي، فأبسط أمر في الإسلام وأعظمه إنما ينظم الوقت، والوقت هو الحياة، وكم جهل الناس ذلك، وكمْ يحز في النفس أن يأتيك شخص في موعد محدد، فترد عليه:

ما شاء الله لقد جئت في الوقت المحدد تمامًا، فيقول لك: إنه موعد إنجليزي، ومن باب الحق فهو صادق؛ لأن تلك الأقوام تسير كالساعات الدقيقة، وليس عندها إذا وعد أخلف، بينما نرى المسلم اليوم يضرب في يومه المواعيد والمواعيد ولا ينفذ منها إلا النزر اليسير، وهو يعلم حدیث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا واعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».

والإسلام يقنن لحياة المسلم؛ فالصلاة التي يؤديها المسلم في يومه خمس مرات، والتي قال فيها رب العزة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (سورة النساء: 103).

فهذا الكتاب الموقوت إنما يجعل المسلم منظمًا في وقته محترزًا من تبذيره سدى، وليس ضاربًا بتكوير الليل على النهار عرض الحياة، وإنما يحدد خطوه وفق منهج سماوي ينظم وقته من صحوته حين يفتح عينه على حياة جديدة من ولادة يوم جديد لم يكتمل بياضه إلى ليل تحالك فيه سواده.

وهكذا تسير الحياة عند المسلم منضبطة بذلك المؤشر الدقيق الحساس، الإسلام لم يطلق العنان للإنسان ليستمر على وتيرة واحدة تملك عليه حواسه فتجعله رهينًا لها لا يستطيع فكاكًا، وإنما تضبطه بتلك الساعة التي تحدد له حياته بين الحين والآخر؛ لأن السكون هو من صفات سكان القبور، أما من يمتطي الأرض ويضرب في مناكبها فعليه أن يغير ويبدل حتى لا يسأم من هذه الحياة، لذا كانت الصلاة أعظم مغير في حياة البشر، تنقلهم من حياة الانطلاقة الحيوانية جريًا وراء المادة إلى حياة روحية تسبح فيها الروح في ملكوت لا يعلم حدوده إلا الله -سبحانه وتعالى-، وبهذا يتم التغيير، وبهذا يحصل النشاط وتتجدد الحياة؛ حتى لا تبعث السأم والملل إلى النفوس.

والقرآن بجانب هذا يأمر أهله بالعمل المثمر الذي يربط الدنيا هذا الحقل الكبير بالآخرة ذلك الجنى المثمر، ومن كان في هذه أعمى، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا...

لذا يجب العمل الجاد المثمر حتى: «إذا قامت الساعة على أحدكم وفي يده فسيلة فليغرسها»، والضرب في الأرض واجب، يبحث المسلم فيها عن موطن يحيا فيه ويحييه.. «من أحيا أرضًا مواتًا فهي له».

وترى العشرات وقد مدوا الأيدي أمام الجوامع وفي الطرقات، والحبيب -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»، وكذلك «إن الله يحب المؤمن المحترف».

وتلك الطاقات البشرية التي أدمنت على ارتياد الملاعب والمقاهي وتضييع الوقت هدرًا، إنما تجعل في بناء الأمة صدعًا لا يرتقي، وثلمًا لا يصلح في وقت هي أحوج ما تحتاج إليه إلى الدقائق والثواني، فكيف بالساعات الطوال في عالم لا يمكن الإنسان من التقاط أنفاسه؟ في حين تتردى الأمة بين صفير المصفرين، وصراخ المدخنين، ولعب اللاعبين، وعبث العابثين.

والإسلام الذي قنن الوقت بصلاته، وأمر أهله بالعمل المثمر البناء، وجعل من هذا العمل سبيلًا لصلاح الأولى والآخرة.

لا يرضى بلهو العابثين وصفير المعربدين، وإن كان اللعب واللهو البريء مطلوبًا في الإسلام «فإني القلوب تصدأ وجلاؤها الصلاة».

الرابط المختصر :