; الإسلام.. والدولة المعاصرة (3) | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام.. والدولة المعاصرة (3)

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2012

مشاهدات 93

نشر في العدد 2014

نشر في الصفحة 6

السبت 04-أغسطس-2012

الدولة الإسلامية ابتداء من دولة المدينة المنورة وما سار على نهجها, هي الدولة العالمية الوحيدة التي تغطى فيها الحقوق قبل المطالبة بها. عموم التاريخ الإسلامي- ابتداء من العهد النبوي الكريم وما بعده- شاهد عبيه ودليل, وما جرى في ذلك على غير النهج كان شاذًا, يعود لحاله مصححًا.

القضاء الإسلامي الذي لا نظير له في العالمي قديمًا وحديثًا ودوامًا, يحكى تلك القيم والمثل والشواهد, وحادثة بني الأبيرق تفوق كل تصور وتوقع ورؤى, فيها الغنى وزيادة.

«دولة» المدينة المنورة

«دولة» مؤسسات.. كيف؟

هذه الآفاق والقمم والأنماط من دولة المدينة المنورة، ما عهدته الإنسانية إلا في ظل منهج الله تعالى. لم أجد خلال التاريخ الإسلامي كله: أن المسلمين نقضوا عهدًا واحدًا مرة, لم أكد أحد غيرهم حفظوا عهدًا واحدًا، إلا لأسباب خارجية.

ويتم ذلك مهما كان دين الذين عاهدوه مخالفًا للإسلام بأي مقدار, حتى المشركين منهم: ﴿إلا الذِينَ عَاهَدَهُم مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُم لَم يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَانمُوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: ٤)(1)، حتى مَنْ يُعْرَف ممن له عهد مع المسلمين لم يحافظ عليه ويستعد للنقض والهجوم على الدولة المسلمة, لابد من إخباره بالاستعداد للمواجهة بهذا السبب ولا يتم ذلك ابتداءً أبدًا: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ,إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الانفال: 58)(2), ما ورد بعد صلح الحديبية، ما تم فيه لم تعرفه البشرية، ولم تألفه كما لم تره ماثلًا في الحياة، حال يثير العجب.

منهج رباني

بذلك نرى أن الإسلام ليس مجرد عقيدة تستقر في القلب، تنبثق منها شعائر تؤدى خاوية أو لا تؤدى إلا جامدة.. بل الإسلام منهج رباني عملي يحيا في حياة أمته فاعلًا وحيدًا في توجيهها، بحيث يرى ذلك واقعًا ويُقرا متحركًا ويُسْمَعُ مشهودًا في كل جنبات مجتمعه, مما يغني مرآه في كثير من الأحيان عن السماع, تفهمه من الرؤية والمعايشة والمشاهدة أكثر من السماع, ذلك لمن يريد أن يرى حقيقته وأثره وثماره في الحياة, من يريد فهمه وقفهه ودراسته, يجد الأبواب مفتوحة على مصاريعها أمامه دوامًا. كان المجتمع الإسلامي - وشاهدي المجتمع الأندلسي - يستقبل الأوروبيين القادمين للتعلم في الأندلس في مختلف العلوم، لا سيما العلوم البحتة Science يُضيفونهم ويعتنون بهم, ولا يَشْتَرِطُونَ عليهم بشيء ثمنًا لذلك, الأمثلة جد كثيرة.

كل ذلك مرتبط كليًا بالإيمان بالله تعالى, يكون التقرب إليه بطاعته فيه كما بينه, حاله حال أداء العبادات بكل أنواعها, التي بها يظهر صدق صاحبها بمقدار التزامه ووقوفه عند حدوده وطاعته التامة في ذلك.

الإسلام بهذا لا يَعْرِفُ الانفصام ولا الأنصاف, بذلك دخل الناس في دين الله أفواجًا واستقبلته الأمم وأقبلت عليه، لكن للأسف إن هذه الأخبار والوقائع والمشاهد غائبة عن كثير من أهله, فكيف غيرهم جهلًا.

واقع ممارس

من هنا لابد من إعادة النظر في كله من قبل الجميع، واجب المسلمين اليوم في بيانه بالعلم والعمل في واقع الحياة ممارسًا، فإن: «مقتضى العلم العمل»، لا سيما بعد تولي توجهات إسلامية مقاليد الأمور في بلدان عدة فيما يُسمى «الربيع العربي».. لعل الأولى تسميته الصحوة أو التجديد أو الوعي, سمى الأوروبيون نهضتهم Renaissance. الأمل أن يكون الربيع خطوة ليغدو مورقًا دائم الخضرة, الأمل أن يغدو بستانًا قائمًا نضرًا مزدهرًا مثمرًا, أجمل الثمار اليانعة، وأكرمها نكهة وأطعمها.

لم أجد خلال التاريخ أن المسلمين نقضوا عهدًا واحدًا

بغض النظر عن ديانة من عاهدوه

هذا الربيع - إن صحت التسمية – تأخر كثيرًا جدًا لعقود وعقود.. الظاهر أن أهل هذا الربيع كانوا مستغرقين في النوم حتى مَلَهُم, بذلك وجدوا ألا مفر من اليقظة, لم يكونوا معاندين للنداء الرباني الكريم الأمين فحسب، بل زادوا أنهم صفقوا للظلم الفرعوني الهبلي البليد، رغم ما ارتكبه في حق الله ودعوته وأهله وحارب كل خير, عمالة وخيانة وعداوة للأمة وكرامتها وسعادتها في الدارين كانوا كهذه الحال:

 همْهُمَةٌ فِي عَصْرِنا

  شَجَاعَة لِلْمُعْلَم

وهاتف بصوته

  نحيه بالعَلَم

أما المُنادِي عاليًا

  فَدَاك شِبْهُ الْمُلْهَمِ

وهو فيما فَوْقَها

  مشاعبٌ يُتهم

والآخرونَ فَجَمعهُمْ

  خَليطَة مِنْ رِمَمِ

فبعضُهم قد أَهْمَلوا

  استكانة كالنُّومِ

ليس له مقالةٌ

  بِسَمْتِهِ الْمُنْهَزِمِ

رايات خضر

في هذا الوقت كان صوت الإسلام وحامليه في كل وقت مبكرًا - وإن عُلقت حناجرهم على الأعواد بالأعداد- أول من تقدم بالنداء وقاد مسيراته متقدمين بالرايات نُورُه الخُضْر المرفرفة لعقود، لا يَمَلُّونَ ولا يَفْتُرون ولا يرهبون في الله لومة لائم، ولا ظلم ظالم، ولا أسلحة غاشم.. لم يكتفوا بأضعف الإيمان: «مَنْ رَأَى منكم منكرًا فليغيره بيده, فإن لم يَسْتَطِعْ فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أَضْعَفُ الإيمان»(3)، بل أخذوا بالعزيمة التي تَزَيَّا بها أهل الإيمان الحي, في الوقت الذي كان الآخرون في أحسن أحوالهم ساكتين لا حيلة لهم، وإن أرادوا بل ربما كثرة منهم يهتفون باعتبارهم أذرعًا للبغاة أعداء الأمة، لا يستوي هؤلاء وهؤلاء ليسوا سواء, كيف تتم المقارنة بين مَنْ تَرَبِّى في محاريب الإيمان محتملًا فنون التعذيب وهم يتلون آيات الله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَا تَتَوَكَّلْ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرْنَ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّل المُتَوَكَّلُونَ﴾ (إبراهيم: 12), وبين مَنْ لا هم له غير دنياه بأبخس مقابل يهتف لأحلاس الظلم، منهم مَنْ يُمْضِي وقته يتمايل على أنغام العود والقيان:

 سارت مُشَرِّقَةً وسِرْتَ مُغَرِّبًا

  ستان بينَ مُشَرِّق ومُغرب

كان أهل الإيمان ينادون في الناس أن قوموا وأذهبوا القعود, واهْجُرُوا النوم, واحملوا البنود العاليات, واهتفوا بكلمات الله, وبصوتها المجلجل الكريم الفريد المجيد بمثل هذا النداء المدوي:

مالي أراكم نائمين

  كيف لا تستيقظون

وبأيديكم كتابُ

  نُورُه عَمُ القرُونَ

عبَثوا بالجهل فيه

  ثم أنتم مُبْلِسون

سنة متبعة

التاريخ الإسلامي السليم المدقق المحقق شاهد أمين على هذه السنة المتبعة للأمة في قديم حياتها وحديثها، حتى القريب منه. الرجوع إليه كفيل بأفول نجم كافة الشبهات والعُقد والأباطيل, التي أرهقته لعقود إن لم يكن لقرون شاركت في صناعتها جيوش, بُذل لتجهيزها الكثير من المال والجهود والأوقات. إذ إن هذا الدين يرتفع بأمته إلى أعلى درجة من الفضل والاستقامة والعفة, معالجًا كُلَّ انتكاسة وانحناءة وانحدار واقفًا للحق حارسًا ولمواجهة الظلم فارسًا ولعدة ذلك كله لابسًا، لا ينام إلا على طاعة الله تعالى هي عدته وذخيرته ومتعته. منهج مبارك متفرد, تراه باتساعه وتاريخه يجد حتى المخطئ فيه فُسحة للخروج من زلته, عائدًا إلى سلوكه الإيماني المجيد بأعلى نشید.

تربية النفوس

يتم ذلك بعد تربية النفوس إيمانًا, ليتعاملوا به احتسابًا يسعى الفرد في ظلاله الوارفة إلى تكوين دوائر, تبدأ من نفسه فبيته وأهله ثم مجتمعه, لتقوم دولته بشرعها الحنيف ودستورها وتنظيماته المنبثق من المنهج الإلهي القرآني الفريد, تحيّا في ظله الظليل كافة الانتماءات والفئات والعقائد .. منهج مثلما أمكنه تربية فرد و أفراد أمكنه ان يُرَبِّي جيلًا يقوم بهذا المجتمع ودولته ويحافظ على بنائها ونسقها وكيانها، يرى فيها كُل أحد آثار جَمَالات المنهج الكريم متحركة, في حياة أفراده.

 الجميع يعرف طريقه في أداء ما عليه, بمسؤولية فردية وجماعية. واجباتهم الحرص على أدائها والبذل لها والتضحية من أجلها، ساعيًا للارتقاء بها، ببذل من أجله النفس قبل النفيس, أحد أنواع الجهاد بمعناه العام والخاص، بعيدًا عن سوء الفهم باعتباره حربًا دينية مقدسة, أمرٌ لا وجود له في الإسلام ولا يعرفه وهو عنه غريب بل ومريب. هذا المنهج تعبر عنه الآية الكريمة, باعتباره رحمة لأهل الأرض أجمعين بالخطاب الرباني الجليل على سبيل الحصر المعجز البليغ الواضح الأكيد محددة جازمة لازمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).

إقبال على الإسلام

هذه الحالة المنجزة جَعَلَتْ الأمم تُقبل على الإسلام حتى لكأنها وُلِدَتْ به, لَم تتزحزح عنه، مثلما كان اعتناقهم له سريعًا كان خروجهم منه مستحيلًا وأبعد منه, مثلما كذلك لم يدخله أحد أبدًا بغير إرادة حرة لم يخرج منه أحد بأية قوة.

صح قول ابن تيمية (٧٢٨هـ - ١٢٤٧م) يرحمه الله تعالى: «إن المسلمين الأولين لم ينقلوا الإسلام إلى الأمم، ولكن نقلوا الأمم إلى الإسلام».(4)

 بهذا دخل الناس في دين الله أفواجًا, دون أية إغراءات أو تحذيرات, بلا ترغيب أو ترهيب, لا تلميحًا أو تصريحًا، لا من قريب ولا من بعيد, حتى يوم قامت دولته في المدينة المنورة، رآه الآخرون في أهله سلوكًا قبل أن يسمعوه منهم منطوقًا.

الإسلام منهج رباني عملي في توجيه الأمة بحيث يُرى واقعًا ملموسًا

العهد المكي

هذا العهد المكي أمامكم, كم احتمل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من أجل هذه الدعوة, معه الصحابة الكرام - رضي الله عنهم أجمعين - نساءً ورجالًا وأطفالًا. الأعجوبة في ذلك أكبر من كل الأعاجيب لم يُسْمع بمثلها، ذلك أن أهل مكة وهم يسعون لقتله وأتباعه ودعوته ولا يضعون أماناتهم إلا عنده على سبيل الحصر!!! هم أهل تجارة, المال عندهم من أعز ما لديهم: «وكان رسول الله ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، ما يَعْلَمُ مِنْ صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم».(5)

وعند فتح مكة لم ينتقم المسلمون من أي أحد فضلًا عن أن يعتدوا على أحد.. فاتحو مكة المكرمة عشرة آلاف لم تسجل أية حادثة على الإطلاق نحو أحد أبدًا بحال!!! كما لم يستردوا عند فتح مكة أيًا مما سلب منهم, بل قال صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

دولة دستورية

على هذا قامت دولة المدينة المنورة الإسلامية الدستورية الملتزمة, بعد أن دَخَلَ أكثر أهل المدينة المنورة الإسلام طواعية وبأعلى درجات المحبة له وللرسول الكريم ولصحابته الكرام من المهاجرين, أروا جميعًا من أنفسهم أكثر مما كان يطلب منهم. على هذا وبهذا قامت دولته الأولى لأول مرة في حياة الأرض، ولم تسفك قطرة دم واحدة، لم يتغير أحد وهم يملكون الأزمة, فإذا مَلَكُوا أَسْجَحوا: «مَلَكَتْ فَأسْجِح»(6), ثبتوا في كل أمورهم على منهج الله تعالى وجاهدوا له في كل أحوالهم, فكانوا حقًا و واقعًا وصدقًا الجيل القرآني الفريد, قدوتهم المثلى وأسوَتُهم الحسنة في ذلك كله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي قال وهو في مكة المكرمة يوم كان مضطهدًا: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته».

كما قال صلى الله عليه وسلم عين الكلام في المدينة المنورة, وهو منتصر ورئيس دولة، بيده كافة مقاليدها: «فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يُظْهِرَه الله أو تنفرد هذه السالفة».(7)

1 )) انظروا: في ظلال القرآن, سيد قطب, 3/1584- 1613, السيرة النبوية, ابن هشام، ١٠٤٤ – ١٠٤٥, البداية والنهاية, ابن كثير، 4/695 - ٦٩٨

2 )) في ظلال القرآن، سيد قطب, 3/1541- 1543

3 )) أخرجه مسلم، رقم: ۱۷۷، الترمذي, رقم: ۲۱۷۲ «قال الترمذي عنه: حديث حسن صحيح». بالمناسبة حين كنتُ أشرح هذا للطلبة في المحاضرات الجامعية, كانت أقول لهم: يجب ألا تقف الأمة كلها عند أضعف الإيمان، فكيف بما دونه, بل لابد من الأخذ بالعزيمة في أمور الحياة كما كنت أقول: يجب ألا نقول إلا الحق فإن لم تستطيعوا قوله فلا تقولوا غيره. يمكن النظر في إهداء بعض كتبي منذ عقود, مثل الكتاب المبكر: «التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة», مثله اهداءات بعض كتبي الأخرى ومبثوثات تضاعيفها.

4 )) التاريخ الأندلسي, ۱۸۱

5 )) السيرة النبوية, ابن هشام, ٤١٨

6 )) جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم 6/103 ١٠٤، رقم: ٦١٢٤, أخرجه البخاري ومسلم. أَسْجَح: أحسن العفو وسهل الأمر فقد قدرت وملكت الأمر

7 )) السيرة النبوية, ابن هشام, ٢٤١, 855, البداية والنهاية, ابن كثير, 3/246, 254, 4/376, السالفة: صفحة العنق, كناية عن الموت

الرابط المختصر :