; الإسلام والحضارة والثقافة والنهضة | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والحضارة والثقافة والنهضة

الكاتب عمر علي غفور

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1999

مشاهدات 73

نشر في العدد 1360

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 27-يوليو-1999

  • أسلوب الغرب في تحقيق مصلحته يتنافى مع أبسط القواعد الأخلاقية

  • الصحوة الإسلامية أيقظت ضمائر الشباب المسلم وأحيت قيمًا إسلامية كانت قد انطوت لفترة طويلة

قيل في تعريف الحضارة إنها «ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته، سواء كان المجهود المبذول للوصول إلى تلك الثمرة مقصودًا أم غير مقصود، وسواء كانت الثمرة مادية أم معنوية».

الذي يهمنا في هذا التعريف هو الفقرة الأخيرة القائلة: «سواء كانت الثمرة مادية أم معنوية».

فالمعروف أن للإنسان أبعادًا مادية ومعنوية، وبالتالي يستوجب على الحضارة المنشودة أن تلبي حاجيات القطبين معًا، وإلا باتت حضارة غير ناضجة، ولا تحقق للإنسانية السعادة المرجوة.

إن العنصر البارز في العقلانية هو حصرها اهتمامها في الجانب المادي من الحياة «هذا من الناحية المعرفية»، فهي تلاحظ الظواهر والأشياء المحسوسة، وتكتشف العلاقات فيما بينها، والقوانين التي تتحكم فيها.. أما ما يتجاوز دائرة العلاقات بين الأشياء من أحاسيس وعوالم، فلا قدرة للعقل على الاطلاع أو البت فيها برأي، لأنها تقع خارج إطار مدركاته، وذلك مثل «العوالم الغيبية» و«العواطف».

أما من الناحية الاجتماعية البراجماتية، فإن العقل ذاتي- براجماتي في طبيعته، يؤكد دومًا على المصلحة، لكن ليس بالضرورة مصلحة الجميع، وإنما «مصلحة الذات»، سواء كانت هذه الذات متمثلة في الشخص صاحب العقل، أم في شعب أم حضارة.

من هنا يبدو لنا أنه ليس في مقدور العقل- لا من الناحية المعرفية ولا من الناحية الاجتماعية البراجماتية- أن يستقل ببناء حضارة تستوعب جميع الأبعاد الوجودية والحياتية للكون والحياة والإنسان، ولا أن يلبي- بالتالي- جميع أماني وحاجيات الإنسان المادية والمعنوية، ولا أن تحد من النوازع العدوانية للبشر للحيلولة دون طغيان فرد على فرد، أو شعب على شعب، أو حضارة على حضارة، لماذا؟ لأنه لا يرى إلا المادة، ولا يراعي إلا مصلحة الذات.. أما عالم المعنويات من القيم والمشاعر والإمكانات، وأما رعاية مصالح الآخرين اللازمة لتحقيق التوازن في أي بناء حضاري، فهي أشياء غير معترف بها في الفلسفة العقلانية الغربية. 

من هنا جاء إنكار الحضارة الغربية لله، أو على الأقل لدوره في الحياة، والقيم والأخلاقيات والروابط المعنوية التي يؤكد عليها الدين، ومن هنا أصبحت «مصلحة الغرب» هي الأساس والمعيار في بنية سياسات الغرب، وإن كان الأسلوب الذي تحقق به هذه المصلحة يتناقض مع أبسط القواعد الأخلاقية، التي تدعو إلى العدل والرحمة والإنصاف تجاه الآخرين، أو قد يؤدي إلى إبادة أو تجويع أو تخلف وتدمير شعب، أو أمة غير غربية بكاملها كما حدث مع اليابان في هيروشيما وناكازاكي، وكما حدث مع السود والهنود والحمر في إفريقيا وأمريكا، وكما يحدث الآن مع الشعوب الإسلامية عمومًا، خاصة مع الشعب العراقي والشعب الفلسطيني وغيرهما.

من هنا جاءت الرذائل الخلقية التي تئن تحتها الشعوب الغربية، والتي ولدتها الفلسفة المادية التي تحصر الوجود الحقيقي في الوجود والحياة المادية، الأمر الذي من شأنه أن يدفع بالإنسان إلى محاولة نيل أكبر قدر ممكن من اللذة بأي طريق كانت- شرعية أو غير شرعية- ضاريًا عرض الحائط كل ما يحول دون ذلك من قيم ومؤسسات وأفكار.

والإسلام هو المصدر الشرعي الوحيد للرؤية الشاملة للحياة والوجود بوجهيها المادي والمعنوي، أو المفروض أن يكون كذلك على الأقل لكونه منبثقًا من خالق الكون، فإذا كان في مقدور العقل أن يقطع أشواطًا كبيرة في الاكتشاف والتطوير الماديين للحياة، فإن من شأن الدين أن يحدد مسارًا إنسانيًا لهذا التطور، بحيث يجنب الإنسان ويلات بعض الاكتشافات الفتاكة والمدمرة، أو غير ذات القيمة الاستراتيجية للإنسانية، وإذا كان من طبيعة العقل التأكيد على اللذة والمصلحة الذاتية، فإن من شأن الدين أن يوقف هذا السيل في حدود معقولة، بحيث لا يتعدى على دائرة الآخرين، ويحقق بالتالي التوازن بين الحقوق، ويحول دون خضوع الإنسان المفرط لغرائزه وشهواته، وذلك عن طريق الأوامر والنواهي والنظم التي تحدد السلوك الاجتماعي للأفراد. 

فالدين- إذن- ضرورة لأي بناء حضاري، شريطة ألا تشوب الممارسات الاجتماعية أفكار وقيم غارقة في الزهد والتواكل والخرافية، وهو يشكل قوة دفع داخلية للفرد تحفزه دومًا على الانضباط التلقائي، والاستفادة من الوقت، والحرص على مصالح الشعب، والتضحية من أجل مبادئه، وإلى التسابق في الخيرات، وإلى الكف عن ارتكاب الجرائم مخافة من الله.

هذه القيم والأخلاقيات ضرورة ملحة لكل مشروع حضاري، وهي ما لا يمكن للعقل الإنساني أن يحققه للإنسان؛ لأن دائرة اهتمامه تنحصر في الماديات.. لذلك قيل: «إن العقل دون ضابط روحي يتحول إلى أداة في خدمة الجسد وشهواته، ولتسويغ الظلم والاعتداء على الآخرين».

فالاهتمام المتوازن بالقيم العقلية والروحية في أي حركة نهضوية، وإشراك العقل والوجدان معًا في عملية البناء الحضاري؛ لكي يتكامل البنيان، هو ضالتنا وضالة البشرية جمعاء، ونرى أن في تعاليم الإسلام نموذجًا لهذا التلازم النموذجي بين الملكتين الإنسانيتين، ولكن يبقى أن نتساءل: كيف وبأي آلية وأسلوب يمكننا إسقاط هذه المشاركة المنشودة، وهذا التوازن الرائع على واقع الحياة؟ هذا ما يجب على المفكرين المسلمين أن يجيبوا عنه بدقة وموضوعية موثقة بأدلة علمية وعملية.

القيم لا تبلى

إن «القيم»- مثل الصدق، والإخلاص، والشجاعة، والصبر، والعفاف، والعزيمة، والأمل، والعطف، والرحمة، إلخ- لا يبليها الزمن والتاريخ، بل هي تبقى حية فاعلة في الحياة ما بقي الإنسان فاعلًا متحركًا في الأرض، فالقيم النهضوية الكامنة في صلب مقولات الإسلام، يمكن الاستفادة منها في كل الأوقات والأزمان كمصدر للإثارة، ومولد للطاقة، مثلها مثل أي نصوص ومفاهيم نهضوية أخرى مستندة إلى فلسفات أخرى.

ومهمة الثقافة- أي ثقافة- هي أصلًا مهمة نفسية، وذلك حسب رؤيتها الخاصة التي هي جماع مقاصدها وقواعدها وأسسها، التي تشكل في مجملها منظومتها المعرفية، وأعني بـ «المهمة النفسية» كجوهر لأي منظومة ثقافية- أن قيمة أي «ثقافة» تتلخص بالدرجة الأولى في كونها إما قوة حافزة أو مولدة للمشاعر، التي تدفع بالإنسان نحو الحركة والنشاط والإنتاج والانضباط الأخلاقي المثمر، وإما أن تكون بخلاف ذلك... أما ما يتولد من هذه الحركة من آليات ووسائل ومناهج وسلوك، أو برامج ومشاريع وخطط، فتخضع لمنطق المصلحة الكامنة التي يرتئيها الإنسان في طبيعة تلك المنظومة التي يقوم بصياغتها أملًا في تحقيق الازدهار المنشود في هذا المجال الاجتماعي أو ذاك.

فالثقافة الإسلامية تحض المؤمن على تبني مبدأ الشورى في حياته الاجتماعية في جميع أبعادها، ولكنها لم تحدد له كيفية معينة لممارسة هذا المبدأ، بل تركت ذلك لمنطق المصلحة الكامنة التي يرتئيها الإنسان في آلية من الآليات، التي يمكن أن تجعل المبدأ المذكور يؤتي ثماره على أحسن وجه وأكمله، والإسلام يحض الدولة على مكافحة الفقر والبطالة، وترك لقيادتها أن تحدد الكيفية التي يمكن تبنيها لمكافحة هذه الأمراض.

ولكن نظرًا لتعدد أبعاد الثقافة الإسلامية، ومن ثم تعدد طبيعة قيمها اللازمة لتغطية جميع أبعاد الحياة الإنسانية، فإنه قد يحدث أن يركز المسلمون في مرحلة من مراحل تاريخهم- وبفعل مؤثرات ظرفية معينة- على بعض هذه القيم، ويهملون بعضًا آخر منها، بحيث تطغى مؤثرات هذه القيم الأولى على عقلية المسلمين وتفكيرهم، ومن ثم تصطبغ حياتهم الاجتماعية وواقعهم الحضاري بصبغة تلك القيم، مضافًا إليها ما قد يلابسها ويداخلها من مفاهيم ورؤى، نتيجة طبيعة قراءتها من قِبَل المسلمين. 

أقول: إن هذا الإفراط في الاهتمام ببعض القيم الضرورية في حد ذاتها، وفي موقعها المناسب لتحقيق التوازن بين ضرورات الحياتين على حساب التفريط بحق قيم أخرى، تُخضِع عقلية هذا المجتمع لهذه القيم التي من شأنها إيقاف المجتمع من الحركة والازدهار والعمران، وإعاقته عن النمو الحضاري.

مدلول العبادة في الإسلام

إن هذه ليست دعوة لتهميش الاهتمام بالآخرة بحال، فللآخرة شأن- حتى حضاري- عظيم في حياة المسلمين، وفي حياة الأمم التي تؤمن بها أيضًا من غير أمة الإسلام، ولكن الذي أبغيه هو مجرد عدم حدوث الطغيان، بل إقامة التوازن، وكم من عظيم ذلك الحماس للعمل الحضاري البناء الذي يقف وراءه ويغذيه إيمان راسخ بأن هذا الجهاد من أجل الحضارة، هو أيضًا جهاد من أجل الآخرة.. وهذا هو مدلول «العبادة» في الإسلام، وهو ما يعني: «التعبد بإتقان شؤون الحياة، بدل إهمالها» «أين الخلل؟ د. يوسف القرضاوي، الطبعة السابعة ١٩٩٣ م ص ٨٥».

إذن فالمشكلة نابعة من اقتصار الاهتمام على قسم من القيم، وإهمال القيم المقابلة لها التي لا تكتمل وتتوازن المعادلة إلا بها، والانحطاط واستمراره جاء بسبب هذا الاختلال، وعلاج المرض يكون بزوال سببه، فتصحيح هذا الخلل قمين بأن يحدث شرخاً في بنية الانحطاط، ويفتح باب الانفراج، والدليل على ذلك أن القيم التي أعطاها المسلمون اهتمامهم أعطت نتائج وثمارًا مدهشة على أرض الواقع.

والصحوة الإسلامية أيقظت ضمائر الشباب المسلم، واستطاعت أن تحيي لديهم قيماً إسلامية كانت قد انطوت لفترة طويلة، وهذا الإيقاظ خلق المعجزات.. فالشباب الذي يعيش في عصر يعج بالمغريات، استطاع بفضل الجرعة الإسلامية أن يصمد أمام هذه المغريات كالطود الشامخ إلى حد الاستهانة بها أحيانًا، وانتعش لديهم حب العبادة والتجرد لله، والجهاد في سبيله، وسالت دماء كثيرة شاهدة على حيوية هذا الإحساس وهذا النشاط الذي ولده إحياء العقيدة.

ولكن بالمقابل وللأسف، فالصحوة رغم إنجازاتها الكبيرة في تنشيط الوعي والالتزام الإسلاميين لدى الفرد المسلم، لم تستطع أن تغير عقلية هذا الفرد– في الجانب الحضاري– تغييرًا جذريًا ينقيها من ركام وترسبات عصر الانحطاط، فلا تزال ترى شباب الصحوة يولي أكبر اهتمامه بالشؤون الأخروية وما يتعلق بها، أكثر بكثير من اهتمامه بالأمور الدنيوية، التي لا بد من الاهتمام بها إذا أردنا النهوض بحياتنا وبمجتمعاتنا، وإن أردنا أن نرتقي إلى مستوى من التقدم، يُمكننا من مواجهة التهديدات التي تواجه أمتنا، ومن ثم نيل شرف استحقاق لقب الأمة الراشدة التي تصبح لا ذيلًا-حضاريًا- للأمم التي نسمها بالجاهلية، بل رائدة للأمم ونبراسًا لها.

الرابط المختصر :