; الإسلام والتيارات الفكرية | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والتيارات الفكرية

الكاتب علي خالد السداني

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1976

مشاهدات 68

نشر في العدد 328

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 14-ديسمبر-1976

عند الدراسة في تلك المذاهب التي اصطنعها الإنسان، سواء كانت أدبية، أم فلسفية، أم اقتصادية، أم أي ضرب من ذلك، فإننا لو أردنا التوفيق بين أجزائها وبينها ولو بالقليل لأصابنا الكلل والملل، وكان نصيبنا العجز والفشل، ولكن لماذا يا ترى يكون ذلك؟ وماذا يريد الإنسان من تلك المتناقضات؟ وهل يعني هذا أنه لا تشيد مذاهبه ولا تقام إلا بجرثومة التناقض بين بنيانها، كما قال بذلك الفيلسوف الألماني هيجل صاحب نظرية «المثالية» أو «الفكرية الحديثة» حيث يقول:

إن الوجود الحق إنما هو وجود الفكرة المطلقة، وإن الفكرة أبدية أزلية قادرة على كل شيء ولكن بالقوة والقابلية، وإذا أريد تحقيق كل شيء بالفعل فسبيل ذلك هو أطوار التاريخ.

والفكرة مطلقة أزلية أبدية، وهذه الأطوار محدودة، وكل طور ناقص يتممه طور آخر وسماه «بقانون التناقض» أو «قانون الثنائية».

ولا يمكن فهم شيء بما هو عليه فقط، ولكن بما هو ليس عليه أيضًا. فهناك فعل وهناك ضد فعل لذلك الفعل، ثم يتركبان فيصبحان شيئًا واحدًا، ثم يتناقضان مرة أخرى حتى ينتهي إلى تركيب أتم من التركيب الأول، وبهذا النمط يتطور التاريخ.

وبهذا التناقض يخلص إلى نتيجة بأن يبطل التناقض بالأجزاء وينتهي النقص، فهو الحرية بغير حدود والمعرفة بغير جهل.

وحسبنا أن نعرض تلك التناقضات في مذاهب لم يجمع بينها إلا صنع الإنسان لها، فمنها ما يمثل فكرًا فنيًّا خالصًا، ومنها ما ينحو الصوب الاجتماعي، وآخرها شمخ بأنفه وجعل منها فكرة تعالج الحياة كلها.

وأول هذه المذاهب التي نتكلم عنها المذهب الرمزي الذي تمثل في كتابة الأدباء والشعراء ورسم المصورين، نراه يغرق في ذاتية الكاتب حتى لا يستطيع أحد القول أن هذا أدب يراد به المجتمع أو أي إنسان سوى صاحبه، ويتخذ من التأمل الباطني كاتبًا له، ومن العوامل النفسية الشخصية الموغلة في الذاتية مادة لكتابته، فهو إذًا يستغرق في شخص صاحبه حتى أضحت الرمزية لدى كثير من معتنقيها هي الغموض المكثف.

وقد قال الأستاذ العقاد فيها قولًا شافيًا: «إن الرمزية في حد ذاتها لا بأس منها إذا كانت لا تطلب الغموض من أجل الغموض، وكان همها أن تظل رمزًا غامضًا، فهذه مما لا شك فيه أنها رذيلة وليست بحسنة».

ومذهب آخر ارتبط كثيرًا بالجانب الاجتماعي من حياة الناس هو المذهب «الوجودي»، ودلس البعض فصنف الوجوديين، فمنهم من أدخلهم في زمرة المؤمنين، ومنهم من حشرهم مع الملاحدة، وحسبك أنها زمرة في حقيقتها واحدة، فالفلسفة الوجودية دأبت على أن يكون الانسان هو مقياس الكون، وأن لا تتكرر نسخات الفرد الواحد؛ لأن فيها انعدامًا للوجود وانعدامًا لشخص الموجود، فهي بذلك تضع الإنسان بمنزلة الرب المعبود المنزه عن الشبيه والقرين، وتجعله منزهًا أو تريد له ذلك، فهي توافق «الرمزية» الفنية من ناحية إبراز الذاتية، ولكنها تختلف معها من حيث التفاصيل، حتى يمكننا القول: إنها تقف معها موقف النقيض للنقيض مع أنهما تجعلان من الإنسان مادة لبحثهما وأساسًا له، تقوم عليه دراستهما.

ومذهب وضعي آخر أوجده الناس ليفسر لهم حركة الكون بدأ من ذراته الصغيرة، منتهيًا بما يتناهى في الكبر مما هو كائن فيه.

اتخذ هذا المذهب مادة الاقتصاد سبيلًا يطوي به قدميه، وانتهى به الأمر أن يجعلها فكرة شمولية تحتوي الكون بما فيه وبمن فيه فتقنن له وتبرمج لحركته، وتنظر إلى جميع جوانب الحياة متداخلة، ويرى معتنقيها أنها تقوم بإعطاء فلسفة متكاملة للحياة، وهم بهذا يرون أنها مذهب اقتصادي كما وأنها مذهب اجتماعي وسياسي وفلسفي على أسس علمية، ويحشرجون المذهب بكلمة علمي في مناسبة وفي غير مناسبة.

والشيوعية مذهب ضد المذهبين السالفين؛ فديدن الشيوعية وشغلها الشاغل كما تزعم للمغفلين اللاهثين في ركبها أنها تسعى لإذابة الفوارق بين الطبقات، وهذا دجالها «ماركس» يصرخ بأعلى صوته قائلًا: يا صعاليك العالم، ثوروا، فلن تخسروا شيئًا سوى أغلالكم. وكفاهم فخرًا أن ينعتهم بالصعلكة، فهؤلاء هم أتباعه، وإيجاد العيش الكريم لكل فم وتكوين المجتمع «اللاسلطوي».

والسبيل إلى إشباع تلك البطون تجويع الناس من الكرامة وإهدار الحرمات وتصفيد الحريات، وجعل الإنسان كالترس في آلة لا إرادة له سوى الحركة الآلية مفرغ من الشعور، خال من الأحاسيس والرغبات.

وفي المجتمعات الشيوعية يرى الإنسان تلك القطعان الهائلة من أشباه البشر الذين خدروا بهذا الأفيون، وسخروا كما لم يسخر بشر في أعتى عصور الإقطاع وعهود الغزاة الهمج، فتتحرك تلك الجبال البشرية وتتجاوب كما تعمل الآلة عندما يضغط صاحبها على زر الكهرباء، يا لها من أدوات.

وبهذا العرض البسيط السريع لبعض هذه المذاهب التي تعج بها الأرض وتضج، وأحرى بها أن تمج كل تلك الأفكار، ألا نقر بأن الإنسان ينقض نفسه بنفسه ويعمل على تحطيم فكره بفكره، وجعل الشقاء والتيه ظلًّا يلازمه ونفسًا يتردد في حلقومه ما دامت فيه حياة؟ أما كان الأولى بذلك الآدمي أن يقلب بين يديه تلك المعادن يحفظ الثمين ويطرح الغث، ويرجع إلى عقل ركب به يستجدي منه الحق، يطلق أساره من قيد الشهوة، محطمًا كل رغبة ماجنة، راجعًا إلى فطرة سليمة بين خباياه، طاردًا كل شيطان عن نفسه.

سينتهي به الأمر إلى السير على جادة تأتلف فيها حقيقة تكوينه البشري بما ركب به من مادة ترابية، وشفافية روحانية سماوية، تنظم بينهما فكرة «نسقية» فلا تجعله يميل كل الميل فيلتصق بالأرض فيترب، أو يصبح مادة تحوي نوعًا من الحياة، فهي دودة حقيرة تحت الأحجار أو بين فتحات الأشجار، أو بهيمة ترعى فينطبع طبعها، فهو ينزع إلى الطعام والشراب والتكاثر، والأبقار تحيا هذه الحياة.

ولا أن تتسامی به وتشف به وتشط في ذلك حتى تسلكه في مجتمع برزخي.

ولكن بين ذلك سبيل، فهو إنسان مثالي بما يحويه من تسام روحي، واقعي بما فيه من مادة الدنيا.

ولا يمكن للعقل البشري بما ركب عليه من القصور أن يخترع أسلوبًا حياتيًّا تتساوق فيه المادة والروح.

فإذا كان الإنسان ألجم المادة كما يزعم، فما مدى علمه بالروح حتى يضع لها برنامجًا تسير وفقه وتعمل بمقتضاه؟!

عاش الإنسان سعيدًا ما ترك تقنين الحياة لخالقها، وكم شقي وتعب عندما أله عقله.

الرابط المختصر :