العنوان الإسلام والتمييز العنصري
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1980
مشاهدات 83
نشر في العدد 487
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 01-يوليو-1980
- الإسلام يكرم الإنسان بجنسه ودينه بغض النظر عن العوامل الشخصية والشكلية.
- الأخوة الإسلامية تقضي على كل أشكال التعصب والتمييز وما يدعو إلى النزاع والحقد.
التمييز العنصري أو التفرقة العرقية وما يتصل بها من ظلم واضطهاد، ومحاولات للتهجير والإيذاء أو القتل الجماعي وما ينبني عليها من هضم للحقوق وازدراء للإنسانية؛ إنما هو أحد إفرازات المجتمعات الجاهلية قديمها وحديثها، وهو رفيق الكفر وخادمه الأمين لإثارة النعرات وتمزيق المجتمع؛ ولذلك استحق أن نسميه «أغنية الشيطان» ، افليس هو أول من ابتدع تلك المقولة التعصبية الضيقة عندما قال: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12)}(الأعراف:12)؛ ولذلك فإن كل آخذ بالتعصب وتابع للقومية الضيقة ومؤمن بالتمييز العنصري: إنما هو من أتباع الشيطان وجوقته الخبيثة التي لا تريد كرامة للإنسان ولا أمنًا..
حقيقة التمييز العنصري:
وجه عالم النفس الأميركي «بيكر» اختبار إجابة قراءة صامتة لطلاب مدرسة ابتدائية في الولايات المتحدة الأميركية يقول: «جون كان ابن خياط فقير وهو عاش في بكين عاصمة الصين، وكان دائمًا عاطلًا كسولًا وكان يحب أن يلعب أكثر من أن يعمل، فمن أي نوع كان هو؟! هندي- زنجي- صيني الفرنسي - ألماني» وكم أدهشه أن غالبية الأطفال أجابوا بأنه زنجي.
فما الذي جعل أطفال المدرسة الصغار يفترضون- بما لا يقبل الجدل أن ولدًا عاطلًا كسولًا يجب أن يكون زنجيًا مع أن السؤال يقول لهم: أنه عاش في بكين عاصمة الصين!. لا شك أنه التعصب والتحامل لذي غرس في نفوسهم إلى حد لا يقبله العقل بل يجافي المنطق، وهذا هو أساس كل أنواع التعصب الذي لا يعتمد الاقناع ولا يقبل الحجة، بل يعتمد على الأفكار المسبقة والتعميمات الفاسدة التي لا تقبل التغيير تحت ضوء المعرفة أو الاختبار وهذا ما يسمى بالتحيز: وهو نظرة سلبية عدائية غير قابلة للتعديل، وهذا ما ينطبق على التمييز العنصري تماما.
والتمييز العنصري ليس فطريًا، بل يتعلم عن طريق المجتمع والبيئة والتربية التي تغرس في الطفل منذ سن باكرة الأهمية المرتبطة بالفروق الاجتماعية العنصرية، وتلقنه دلالاتها ككل وبدون نقد وبشكل صارم، ومن هنا تبدو لنا أهمية تعليم الوالدين للطفل كما قال الرسول _صلى الله عليه وسلم_: « كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه »(البخاري:1385) أي: يهيئانه لتبني آرائهما ومنها الرغبات والكراهيات والتحامل والتعسف، ثم يأتي دور المدرسة والبيئة والمجتمع ولكن دور البيت يبقى هو الأساسي، ولا سيما في البيئات الجاهلة المتعصبة التي تتسم بروح العشائرية والمحافظة الجامدة.
كما أنه في حالات الأزمات الاقتصادية والسياسية الحادة، أو عندما يعاني الأفراد من التغيرات السريعة لمراكزهم في المجتمع يكون الناس محتاجين ويريدون نوعًا من التفسير للحالة التي هم فيها، وغالبًا ما يكون الجواب بوضع اللوم على أشخاص وجماعات يرونهم المسؤولين عن الأزمة، فيجعلونهم ككبش فداء يلقون عليه كل أخطائهم الشخصية، وغالبًا ما اضطهدت لأقليات عن هذا الطريق باعتقاد أنهم لكونهم مغايرين للأكثرية في اللون أو المذهب أو المهنة يجب أن يكونوا مسؤولين عن الأزمة ويحملوا وزرها. لذلك نرى النظم المهلهلة والحكومات الفعلية تسعى دائمًا لإثارة المشاكل والفتن الداخلية واضطهاد الأقليات؛ لتغطي على فشلها السياسي والاقتصادي؛ ولتمارس تسلطًا على المجموع من خلال تصفية الأقلية..
ولكن الأمر قد يكون بالعكس في كثير من الأحيان فقد تتسلط أقلية «ولا سيما إذا كانت مضطهدة من قبل أو طائفية الاتجاه» على مقاليد الحكم أو منابع الثروة، فتمارس أخبث أنواع الاضطهاد لعامة الناس والتسلط عليهم من خلال احتكار السلطة والأموال والمناصب القيادية ولا سيما في الجيش، وخاصة بعد انتشار حركة الانقلابات العسكرية في العالم، وبعد ظهور أشكال «الحزب الواحد والحزب الحاكم والصراع الطبقي» وما إلى ذلك من أشكال ليست أقل قبحًا وظلمًا من التمييز العنصري وهي شكل أو آخر من ذلك الجنون الشيطاني الذي يتبنى الظلم والآراء التعسفية مع احتقار العوام واستغفال الناس أو اعتقاد الوصاية عليهم.
وقد يتطور الأمر لدى بعض هذه الأنظمة المتعسفة إلى ادعاء أنها مبعوثة العناية الإلهية للحكم في الناس، وبذلك تضفي على نفسها صبغة وهمية سحرية لتكمل تسلطها على الناس، وكل أنواع الأقليات المتحكمة ولا سيما الطائفية منها إنما هي ربيبة الأفكار اليهودية، ذلك أن اليهود يمتازون بأنهم أقلية متعصبة تأبى الاندماج في غيرها وتحتقر الناس، وحتى أنها تؤمن أن إلهها غير إله البشر، وأنه منحهم سلطة الانتقام والتعذيب؛ ولذلك فإن أقبح أشكال التمييز العنصري نجدها في الصهيونية وفي آراء اليهود ومعتقداتهم الباطلة، وما الجماعات الشاذة والأحزاب المتسلطة في عالمنا العربي إلا من بصماتهم الخبيثة القديمة..
اليهود والعنصرية:
ولطالما آذى اليهود الإسلام ونبيه بأفكارهم الخبيثة، وكذبهم على الله وتزويرهم للتوراة ثم بتآمرهم ونقضهم للعهود، وتجسسهم للعدو وتواصلهم معه. ولقد رد القرآن الكريم مزاعمهم وأكاذيبهم العنصرية عندما زعموا أنهم «شعب الله المختار» فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ﴾ «المائدة:18» ولما رسخ في وهم اليهود أن أمر الخلاص والنجاة جماعي لا فردي، وأن مجرد الانتساب إلى ذرية معينة يضمن لصاحبه الخلاص الأبدي فقد رد عليهم القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ «الأعراف:168-169»
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ «النساء:123-124».
وتقرر هذه الآيات بوضوح فساد النظر العنصري في تقرير الحقوق والثواب والمنزلة عند الله عز وجل، وتقرر أن معيار الاعتبار الديني
للناس هو معيار العمل والتقوى لا الادعاءات النسبية والمذهبية
کالتي ادعاها اليهود..
الإسلام يحارب العصبية القبلية
ولقد وجه الإسلام اهتمامه منذ البداية إلى تقويض الأوضاع الفاسدة للمجتمع الجاهلي مبتدئًا بالوثنية وما يتبعها من ضلالات الشرك، ومثنيًا بالعصبية والقبلية التي كانت تحول دائمًا دون توحد الناس واجتماع شملهم، وكانت تؤدي إلى إثارة الضغائن واستمرار الأحقاد واتصال الحروب بين قبائل العرب، ولقد وجدت العصبية القبلية نفسها منذ مجيء الإسلام أمام خصم قوي شديد المراس هو هذه العقيدة التي تدعو العرب بل الناس كافة إلى التآخي والتآزر ونبذ أسباب العداوة بينهم، ونبذ حمية الجاهلية ونزعاتها، وإلى التخلي عن الروح القبلية قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ «الفتح:26»
ولقد أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الأحاديث التي تحرم العصبية والتبعية العمياء، وتذم دعوة الجاهلية وتنفر منها كما في قوله صلى الله عليه وسلم: « ومن قاتل تحت رايةٍ عَمِيَّةٍ ، يغضبُ لعَصَبِيةٍ ، أو يَدْعُو إلى عَصَبِيَّةٍ ، أو ينصرُ عَصَبِيَّةً ، فقُتِلَ ، فقَتْلُه جاهليةٌ »(مسلم 1385) وفي قوله: « لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ »(أبو داود:5121)
وقال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: « يا أَيُّها الناسُ ! إنَّ اللهَ قد أَذْهَبَ عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليةِ ، وتعاظُمَها بآبائِها ، فالناسُ رجلانِ : رجلٌ بَرٌّ تَقِيٌّ كريمٌ على اللهِ وفاجرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ على اللهِ ، والناسُ بَنُو آدمَ ، وخلق اللهُ آدمَ من ترابٍ ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى»(الترمذي:3270).
ولقد حرص الرسول الكريم على إلغاء دواعي الخصومة والعداوة بين القبائل العربية؛ وذلك بإبطال دماء الجاهلية وإهدارها وألح على ذلك في خطبته يوم فتح مكة وفي خطبة الوداع، وألغي عادة الثأر، وجعل العقاب من مهام الدولة والقضاء، وأصبح هنالك نظام ودستور ومبادئ ودولة وقانون وعقوبات، فصار للإسلام دولة حقيقية قضت على التكوين القبلي بما فيه من فوضى المشاعر وحمى التقاليد وهجوم العواطف، وجعل الإسلام دية القتلى واحدة لا فرق فيها بين شريف ووضيع.
وجعل الإسلام التفاضل قائمًا على التقوى والإيمان لا على الأحساب والأنساب، وأبطل المراكز التقليدية العنجهية التي لا تستند إلى أساس من الحقيقة والشريعة، والتي كان يختارها الكهنة وشيوخ القبائل، وهذا ما قرره وطبقه بكل دقة وإخلاص خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم الراشدون فها هو أبو بكر رضي الله عنه يقف تلك الوقفة الشجاعة في قمع حركات الردة العصبية الانشقاقية، ولولا حزمه رضي الله عنه وإسراعه في إخماد تلك الحركات الارتدادية بالتعليم والإرشاد، وبمحاربة المعاندين وقتلهم؛ لتداعت أركان الدولة الإسلامية الناشئة ؛ولعاد العرب سيرتهم الأولى في الجاهلية، ولكنه بقمعه حركة الردة أخرس دعوة العصبية، وقضى على أحلام الزعماء المرتدين بالعودة إلى الفوضى والظلم والاستقلال القبلي.
وها هو عمر رضي الله عنه يقول له الملك الغساني جبلة بن الأيهم «أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة؟! فقال له «الإسلام سوى بينكما»»
وكذلك لا ننسى قولته الخالدة لعمرو بن العاص والي مصر مستنكرًا «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»؟! وحبس الحطيئة ذلك الشاعر الخبيث الهَجَّاء الذي كان داعية المرتدين ثم صار داعية العصبية النميمة، ثم أطلق سراحه بعد أن استعطف وبكى وتعهد ألا يهجو أحدًا من المسلمين. وكذلك كانت سياسة عثمان وعلي رضي الله عنهما، وموقفهما المؤمن الحازم.
والغريب أن الخلفاء الثلاثة قتلوا على أيدي متعصبين فجرة في مؤامرات خبيثة متشابهة نفذها أبو لؤلؤة المجوسي الفارسي وعبد الله بن سبأ اليهودي الماكر وعبد الرحمن بن ملجم الخارجي الموتور…
الإسلام دين الكرامة الإنسانية:
يقر الإسلام كرامة الإنسان على خالقه وتتجلى هذه الكرامة أو التكريم في جملة نِعَم نطقت بها آيات القرآن الكريم، فمن ذلك خلقه على أحسن صورة واستخلافه في الأرض، وتفضيله على سائر المخلوقات وتسخير قوى الكون وخيراته لمصلحته فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70)
وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (غافر:64). وقال جل من قائل: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ﴾ (لقمان:20) وقال: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (ص:71-72) ونلاحظ في هذه الآيات شمولها للإنسان والبشر عامة دون تفريق، ويجب أن ننوه في هذا المجال أن الإسلام دين العامة البشر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « كانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى كُلِّ أحْمَرَ وأَسْوَدَ، وبعثت إلى الناس كافة» (مسلم:512).
ولقد ورد ذكر كلمة «الإنسان» في القرآن الكريم في خمسة وستين موضعًا بكل ما في الكلمة من معنى تحقق الذات بأبعادها التامة ،وهكذا لم يعد الشعور بالذات في المفهوم القرآني للإنسان مبلبلًا بالأنانية القبلية ومنحصرًا بالأَطُر الضيقة للمعشر والجنسية واللون والعصبية ،بل أصبح المسلم يعي ذاته كجزء من أمة أي بوصفه جزءًا من مجموع المؤمنين داخل وحدة معشرية منظمة تنظيمًا محكمًا «مجتمعيًا وسياسيًا وأخلاقيًا» في امتداد أفقي للأسرة والقبيلة، وامتداد عمودي يحركه نزوع نحو التعالي بفضل هذه الروابط الجماعية الجديدة التي تبني المواطنة على القرابة الروحية والعقيدة التي تجعل كل مؤمن مساويًا للآخرين { إنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)}(الأنبياء:92)
وما الاختلافات العرقية واللغوية والشكلية إلا آيات قدرة الله تعالى الذي ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ﴾ «الروم:22».
وليست اللهجات والألوان والأعراف إلا مجرد اختلافات شكلية عرضية لغاية عملية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ﴾ «الحجرات:13».
فلا فخر باللون أو الانتساب لأي عشيرة، وإذا كان الإسلام يقول بكرامة الإنسان على ربه فهو يقر كرامته على نفسه وعلي أخيه من غير نظر إلى اختلاف في اللون أو اللغة أو الحسب والنسب فكل ذلك لا ينظر إليه الإسلام.
الأخوة:
ومن أجل ذلك قرر الدين مبدأ «الإخوة» التي حلت محل العنصرية والجنسية، وأوجدت عند الفرد المسلم الإحساس بالجماعة الإسلامية ومصالحها وخيرها، وعند الجماعة الإحساس بالفرد وخيره ومصالحه ونتج عن هذا الإحساس المتبادل تضامن روحي ومادي هدفه تمتين هذه الإخوة وبقاؤها.
والأخوة الإسلامية ليست انفعالًا مبهمًا أو رابطة عصبية أو دعاية سياسية أو ديماغوجيه إقليمية أو خیال شاعر أو حلم فيلسوف، ولكنها روح الحياة الإسلامية في شمولها الإنساني ورسالتها الإصلاحية وصياغتها السوية للمجتمع البشري مبرأة من رياح التعصب وظلم العنصرية وجفافها.
تقوم أصول هذه الإخوة على «التقوى» : «الحقيقة القلبية» التي تعني: «إنسان القضية» الذي يعي ذاته وعقيدته ومجتمعه ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ﴾ «الحجرات:13» كما تقوم على المحبة والكلمة الطيبة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ «البقرة:83» وهي منوطة بالمعاملة الحسنة « المسلِمُ أخُو المسلِمِ ، لا يَظلِمُهُ ولا يَخذُلُهُ ، ولا يَحقِرُهُ »(البخاري:1385) وهي تشتمل على الولاية والنصرة والتعاون والعفو والشورى والمساواة والعدالة وما إلى ذلك من الأخلاق والتنظيمات القرآنية..
وقد بعث عمرو بن العاص وفدًا إلى المقوقس عظيم القبط، لما حضر إلى مصر تحت رئاسة عبادة بن الصامت؛ ليتخابر معه في الصلح وهو زنجي أسود فاحم اللون فلما حضر عند المقوقس قال: «نَحُّوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني، فأجابوا كلهم: إن هذا أفضلنا رأيًا وعلمًا، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه وقد أَمَّره الأمير دوننا وأَمّرنا ألا نخالف رأيه وقوله، فقال المقوقس: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون دونكم فقالوا: إنه وإن كان أسود كما ترى فهو أفضلنا موضعًا وأفضلنا سابقة ورأيًا وعلمًا وليس ينكر السواد عندنا، فأذِن المقوقس له»..
وهكذا فقد أزال الدين الإسلامي كل المفاهيم القديمة الشائعة عن احتقار لون أو جنس أو قوم، وأصبح الاعتبار الإنساني للأفراد بمنأى عن ظواهرهم الشكلية كما قال سيدنا الرسول لأبي ذر:
«انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله»(مسند أحمد(21407.. قال شداد الحارثي وكان خطيبًا عالمًا قلت لأمَة سوداء بالبادية لمن أنت يا سوداء، قالت: لسيد الحضر يا أصلع قال: قلت: أو لست سوداء قالت: أو لست أصلع؟! قال: ما أغضبك من الحق قالت: الحق أغضبك لا تشتم حتى ترهب ولأن تتركه أمثل قال شداد: لقد كلمتها وأنا أظن أني أفي بأهل نجد «أي في الفصاحة» وما نزعت عني إلا وأنا عند نفسي لا في بأمَتي.
والخلاصة:
وهكذا فقد ربى الإسلام الناس على قيم ومبادئ جديدة جاء ليقول للناس: إن هنالك إنسانية واحدة ترجع إلى أصل واحد، وتتجه إلى إله واحد، وإن اختلاف الأجناس والألوان والرقعة والمكان واختلاف العشائر والآباء ليس ليفرق الناس فيختصموا، ولكن ليتعارفوا ويتألفوا وتتوزع بينهم وظائف الخلافة في الأرض.
وعَلَّم الناس أن الإنسان بجنسه ودينه كريم على الله، وإن كرامته ذاتية أصلية لا تتبع جنسه ولا لونه ولا بلده ولا قومه أو عشيرته، وهذه السياسة الإسلامية في تكريم الإنسان وشجب كل أنواع التمايز والتعصب هي التي تغضب الظالمين وتؤرق المستعمرين والطغاة؛ ولذلك يلجؤون إلى حرب الإسلام وتشويه معالمه والبطش بأتباعه؛ ليخلو الجو لتعسفهم وظلمهم في العالم، وهم في ذلك يقتدون باليهود أول دعاة العنصرية والتسلط وهم يرددون جميعًا أغنية الشيطان ويلتحقون بركبه البغيض، وستبقى الإنسانية معذبة حتى يأخذ بيدها أتباع رسول الله وفق هديه الكريم..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل