العنوان الإسلام والتطرف
الكاتب عبدالمنعم عبد الرؤوف عرفات
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1982
مشاهدات 72
نشر في العدد 575
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 15-يونيو-1982
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه
لا شك أن ما أطلق عليه «قضية التطرف الديني» في الفترة الأخيرة، في شرقنا الإسلامي وقرن أحيانا بما أسموه «الإرهاب»، هو من القضايا المغلوطة التي دست إلينا بدهاء شديد لتعطيل الصحوة الإسلامية الشاملة والتي يعمل لها أعداء الإسلام ألف حساب وحساب؛ لأن معناها الصحيح عندهم هو أن النائم المخدر أوشك أن يفيق ويصحو من غفوته التي طالت.. فيحرمهم ذلك الاستمتاع الهين بمقدرات المسلمين وخيراتهم، بل ويهدد تهديدًا حقيقيًا دولة العدوان الصهيوني «إسرائيل» والتي وجدت لها موطئ قدم هنا في ديار المسلمين في غيبة هذا الدين وأهله.
والصحوة الإسلامية التي تعيشها غالبية- إن لم نقل كل- بلاد المسلمين هي أمر طبيعي ولا شك بعد أن قطعت البشرية شوطا طويلا مع التقدم العلمي الحضاري التكنولوجي في هذا القرن الأخير من جانب، وبعد أن قطعت نفس الشوط مع المذاهب الفكرية المادية شرقية كانت أو غربية من جانب آخر وإن كان الجانبان لا ينفصلان.
لقد ظن الغرب أنه لا مكان للدين في عصر العلم.. ولكن أي دين وأي علم؟إن لأوروبا ظروفها الخاصة بها والتي أورثتها عداءً شديدا للدين الدين النصراني المحرف دين القسيس والكرادلة والبابوات والمجامع الكنسية.. دين الكنيسة التي وقفت في وجه العلم وحاربته واضطهدت العلماء وأحرقتهم أحياء وقدمتهم لمحاكم التفتيش فكانت ردة الفعل ضد ذلك كله هي الخروج كلية من نطاق الدين النصراني الذي حجر على العقول وحارب حرية الفكر ضمن ما مارسه من ألوان التسلط على جميع جوانب الحياة الأوروبية خلال قرون متطاولة.. فلما نهضت أوروبا من غفوتها الطويلة اقترنت هذه النهضة بالخروج من سلطان الدين.. خرجت السياسة، وخرج الاقتصاد، وخرج العلم، وخرجت الأخلاق... خرج كل شيء من نطاق الدين.. وقامت الحياة في جميع جوانبها - على غير أساس من الدين.. وظهرت قضية الفصل بين الدين والحياة.. ظهرت أزمة الدين النصراني واقترن التقدم العلمي الأوروبي بالإلحاد في الدين وظهرت المقولة المغلوطة: «إذا أردت أن تتدين فلا تتعلم وإذا أردت أن تتعلم فلا تتدين» لأنهما حدان لا يلتقيان.
وهكذا فتن الناس هناك بالعلم والكشوف العلمية ودار الزمن دورته وتحول العلم إلى صناعة دخلت كل بيت وتركت آثارها على نفوس الناس وعقولهم وطرائق حياتهم. بعضها نافع ولا شك في تيسير الجانب المادي من حياة الناس، وبعضها الآخر مدمر لجوانب الخير في نفوس الناس إذ أخذ الناس يلهثون في صراع محموم وراء الأساسيات والكماليات، فإذا بالقلق والعنف والجريمة وتفكك الروابط الجماعية، روابط الأسرة والقبيلة والعشيرة والقرابة والجيرة والزمالة وغيرها. برزت الأنانية الفردية المحمومة واختفى الإيثار.
ولما غلبت الأمة الإسلامية على أمرها خلال القرن الماضي والنصف الأول من هذا القرن ووقعت معظم بلاد المسلمين فريسة سائغة لكافة الاستعمارات الأوروبية التي جهدت في نقل نمط الحياة الأوروبية إلى الحياة الإسلامية في عملية منظمة ومدروسة لفك الارتباط بين المسلمين والإسلام وإقامة الحياة في بلاد المسلمين على غير أساس من الدين أيضا، كما وقع لأوروبا ووجد بين حكام المسلمين من يريد تحويل بلاده إلى قطعة من أوروبا.. ووجد بين حكام المسلمين من حول بلاده إلى العلمانية الكاملة وبدل الدستور الإسلامي بدستور هذا البلد أو ذاك من البلاد الأوروبية واستبدلت بشريعة الله في معظم بلاد المسلمين شرائع الأوروبيين.. وذاق المسلمون المرارة التي ذاقتها أوروبا.. وبدأ الناس في البلاد الإسلامية يدركون أن العلم المادي والحضارة المادية الغربية، والفكر الغربي العلماني المنفصل عن الدين نقمة لا نعمة.. وإذ المسلمون يفيئون إلى الدين.. إلى الإيمان لأنهم أدركوا أن الأمن والطمأنينة والسكينة التي فقدت كلها في ظل المدنية الغربية لن تعود إلا بعودة الدين.. لأن الإسلام يواجه احتياجات الناس بحلول حقيقية واقعية من هنا بدأت الصحوة الإسلامية الراهنة.. بدأ الناس وخاصة الشباب يعودون إلى الإسلام ينشدون منه الأمن والطمأنينة والسلام، إلى جانب العدل الاجتماعي والعدل القضائي والعدل السياسي.. وهذا كله ولا شك خطير بالنسبة لأوروبا والحضارة الغربية والمصالح الغربية فكان لابد من ضرب «الصحوة الإسلامية» في كل بلاد المسلمين.. وبالتالي بدأت سلسلة الانقلابات العسكرية في الدول الإسلامية بدءًا بانقلاب حسني الزعيم الفاشل في سوريا ومرورا بانقلاب جمال عبد الناصر في مصر والذي أسماه مخططو هذه الانقلابات «بالعملية الكبرى» ثم انقلاب السودان ثم انقلاب العراق ثم انقلاب باكستان... إلخ ... إلخ مما حدث في العقود الثلاثة الماضية... ويشير «مورو بيرجر» في كتابه «العالم العربي اليوم» إلى أن الضباط «يعني النخبة العسكرية المصرية» كانوا علمانيين يتوقون إلى بث التعاصر في مصر متماشين مع الخط الغربي.. وهذا حق لا ريب فيه.. في مصر وفي غير مصر من الدول العربية الإسلامية التي ابتليت بهذه الانقلابات العسكرية.
وتلفت الشباب يمنة ويسرة وراعهم المخطط الشرير الذي حيك بدهاء بالغ لضرب الصحوة الإسلامية.راعتهم المحاكمات الباغية راعتهم الإعدامات... راعتهم السجون والزنزانات والتعذيب.. راعتهم الضربات المتتالية العنيفة التي وجهت إلى الإسلام وإلى دعاة الإسلام، إلى الصحوة الإسلامية.. راعتهم التصريحات والخطب المتشنجة التي تتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور لكل داعية إلى الإسلام... ووجد الشباب أنه لابد من العمل الجاد ... لابد من أخذ الأمور بالعزم والحزم، لأن أعداء الإسلام لا يهادنون ولا يتهادنون مع دعاته.. وهذا هو الطريق ولا شك.. لابد أن يتجمع الشباب الإسلامي في صف مسلم يواجه خصوم الإسلام.
وفي كل مرة دارت المعركة، بل المقتلة، التي ينصبها خصوم الإسلام لدعاته كانوا يرمون الشباب بالتعصب إلى جانب الإرهاب.. وسبحان الله العظيم!!! من المتطرف.. أهم دعاة الإسلام الذين يتلطفون في دعوتهم للناس أشد التلطف عملا بقول الله الكريم: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125) وقوله الكريم: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ( البقرة: 83) أم خصوم الإسلام الذين يجاهرون بأن الدين شيء والسياسة شيء آخر، وأنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين وأنهم يمنعون بالقوة تديين السياسة أو تسييس الدين ويجاهرون بأنهم يتخذون من الذئب الأغبر مثلهم الأعلى، ولا يجهل أحد في العالم الإسلامي كله دور هذا المارق في إلغاء الخلافة الإسلامية واستبدال شرائع البشر بشريعة الله سبحانه وتعالى.
ولا يعدم خصوم الإسلام أن يجدوا ما يحتاجونه من الدعاية العريضة من كل أجهزة الإعلام في بلادهم بل وفي بلاد غير بلادهم أيضا ضد الإسلام ودعاته الحقيقيين ورمى لهم بالتطرف، بل لا يعدمون عددًا من علماء السلطة، ولا أقول علماء السوء، ممن يدمغون هذا الشباب الطاهر النظيف بالتطرف؛ لأنهم يعجزون عن الفهم، أو لأنهم يعجزون عن القول إن المتطرفين هم الذين يحولون بين الشباب والإسلام الذين يغيبون الحرية كليًا أو جزئيًا عن أقطار المسلمين هم المسئولون هل الشباب المسلم هو المتطرف لمجرد أنه يريد أن يأخذ حقه في أن يعيش وفقا لنظام الإسلام وتشريعاته ليرضي ربه ويكدح لنفسه أم الذين يجلدون ظهور هذا الشباب ويضربون وجوههم وينتهكون حرماتهم على مرأى منهم هم المتطرفون.. من هم المتطرفون أهم الذين يؤدون الفرائض ويحرصون على الصلوات، ويصومون ويحجون ويعتمرون ويعفون لحاهم عملا بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتلتزم نساؤهم وبناتهم بحجاب المسلمة تصونا وتعففا أم هم الذين يحولون بينهم وبين ذلك كله فيمنعونهم من ارتياد المساجد لتأدية الفريضة ولممارسة الدعوة بل ويهدمون بيوت الله فوق رؤوسهم ويهتكون حجاب المؤمنات ويمنعونهم من دخول الجامعة محجبات؟؟ هل التطرف هو في أداء الفرائض والامتناع عن الحرام والاعتدال أم هو في ترك الفرائض كليا أو جزئيا والخوض في الحرام بكل ألوانه وأشكاله التي تعج بها مجتمعاتهم المخربة؟
الحق إنه ليس هنالك تطرف ولا متطرفون ولكن فقط هناك دعاة الإسلام وخصومة دعاة الإسلام مجردون إلا من حقهم الأعزل، وخصوم الإسلام مدججون بكل الأسلحة بدءا بوسائل دعاياتهم وإعلامهم المضلل وانتهاء بسيف السلطة الذي يحلو له بين الحين والحين أن يفصل بضعة رؤوس عن أجسادها باسم الإرهاب أو باسم التطرف... نعم هذه هي القضية الحقيقية... ولو كانت المسألة مسألة تطرف ديني أو فكري أي غير ديني لوجب على السلطة أن تتعامل معها عن غير طريق وزارة الداخلية بأجهزتها المختلفة.. وحتى لو سلمنا جدلا أن بعض الشباب يقع في التطرف الفكري فلابد من تقدير ظروف هذا الشباب وأخذه بالرفق والتصحيح والنصح بدلا من خصوم الإسلام في القسوة عليه و«إرهابه» ثم إنه لا داعي للتعميم في الأحكام وأخذ المحسن بذنب المسيء إن كان هناك مسيء حقا.. وإلا فإنه لو ظل ذلك هو المسلك في التعامل مع الإسلام ودعاته فلن تنضبط الأعمال دائما ولن تؤمن ردود الفعل دائما.. ولا يلومن أحد إلا نفسه ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: 3) ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: 51) و﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ﴾. (الروم: 5). وصدق الله العظيم والله أكبر ولله الحمد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل