العنوان الإسلام هو الحل الوحيد للأزمات المتصاعدة في الغرب.. الحلقة الأولى
الكاتب رجاء جارودي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1986
مشاهدات 59
نشر في العدد 773
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 01-يوليو-1986
- تقودنا إلى طريق مسدود وإذا تابعنا نفس الخطة، فمعنى ذلك الانتحار لأهل هذا الكوكب.
- المنطق اليوناني كان عبارة عن مجرد تفكير بينما العلم العربي تجريبي.
لا أريد أن أتحدث اليوم عن الإسلام بشكل عام، ولا عن الإسلام وما جلبه للحضارة العالمية، وإنما أريد أن أتحدث عن إمكانية انتشار الإسلام في العالم الغربي في أيامنا هذه.
تمهيد:
عندما نشأت الدعوة إلى الإسلام كان العالم حينئذ غارقًا في شتى ألوان الفوضى والانحطاط العام، فالإمبراطوريات الكبرى من بيزنطية وفارسية وإمبراطورية القبط ومملكة الويزيفوط كانت في دور التفكك والانهيار.
ولما جاء الإسلام ونزلت آيات القرآن، معلنة أن الخلق والأمر بيد الله - سبحانه وتعالى -، عاد لملايين البشر ثقتم بإنسانيتهم ذات المصدر الإلهي، واتجهوا إلى صياغة حياتهم الاجتماعية صياغة جديدة.
وهنا يمكن أن يطرح علينا سؤال: أليس الإسلام قد قدم للإنسانية فكرة السلطة العلوية؟، كما قدم فكرة الجماعة والعمل لصالح المجتمع، في عالم تناسوا فيه القوى الإلهية، وفي مجتمع يتجه بكليته إلى طريق الفردية، مما جعل الوضع يبدو غير قابل للاستمرار، وجعل الثورات على الطريقة الغربية مستحيلة.
نتائج الحضارة الغربية:
إننا بعد خمسة قرون من سيادة الغرب سيادة تامة - بدون منازع- يمكن تلخيص نتائج حضارته، فيما يلي:
1- على الصعيد الاجتماعي: لقد صرف للتسلح على سطح هذه الكرة الأرضية عام 1982 مبلغ 650 مليار دولار، ولو وزع المبلغ على أفراد البشرية لأصاب الفرد الواحد «4» أطنان من المتفجرات، وفي نفس تلك السنة توفي في العالم الثالث خمسون مليونًا؛ بسبب الجوع أو سوء التغذية.
ومن الصعب أن نسمي خط سير الحضارة الغربية، وتوصلها إلى إمكانية تدمير الحياة على سطح الأرض، وإنهاء ثلاثة ملايين سنة من تاريخ البشر، لا يمكن أن نسمي ذلك بحال من الأحوال تقدمًا.
2- أما على المستوى الاقتصادي: الذي توجهه فكرة النمو والزيادة، فهم يطلبون بزيادة الإنتاج سواء كان مفيدًا أو ضارًا أو حتى مميتًا.
3- وبالنسبة للنواحي السياسية: والعلاقات الداخلية والخارجية بين الدول، فالعنف هو الذي يسيرها، أي مصالح الأشخاص والطبقات والشعوب تتصارع فيها صراعًا رهيبًا.
4- وتتميز النواحي الثقافية: بفقدان المعنى والمغزى لهذه الحياة، فهم يريدون أن يكون الفن للفن، والعلم للعلم، والاختصاص لمجرد الاختصاص، وأن تكون الحياة في سبيل لا شيء.
5- أما عن العقائد: فقد أضاعوا معنى السيطرة للإنسان في إنسانيته، وتعذر إمكان الفصل بين النظام والفوضى الموجودة.
إن الحضارة الفرعونية التي يتحدث عنها القرآن، كانت تريد أن تجعل الحياة لا معنى لها، أو بمعنى آخر تريد أن تجعلها مقتصرة على تأمين الحاجيات، وقائمة على الصدف.
أما الحضارات الأخرى غير الإسلامية، فلا نجد فيها حاليًا إلا الجهل، بمعنى حياتنا وبمعنى مماتنا.
طريق الحضارة الغربية طريق مسدود:
فهذه الثقافة الغربية تقودنا إلى الطريق المسدود، وإذا تابعنا نفس الخطة، فمعنى ذلك الانتحار لأهل هذا الكوكب؛ لأن من دعائمها:
1- الفصل بين العلم والحكمة، أي: الفصل بين الوسائل والغايات.
2- تحويل جميع الحقائق إلى مفاهيم مغلوطة، تبعد الجمال والحب والعقيدة، وتفقد الحياة معناها.
3- جعل الأفراد والجماعات هي المركز الأساسي للاهتمام.
4- إنكار الألوهية، أي: السعي للتخلص من متطلباتها بإبعاد الإبداع والحرية والأمل.
جحد الغربيين للفكر والتراث الإسلامي:
ويدعي الغرب أن هذه الثقافة انتقلت إليه من مصدرين: مصدر إغريقي وروماني، ومصدر يهودي ومسيحي، وتناسى عمدًا المصدر الثالث لهذا الإرث وهو التراث العربي الإسلامي.
لقد غضوا من قدر الميراث العربي الإسلامي لسبيين:
1- لادعائهم بأنهم لم يجدوا فيه إلا نقلًا للثقافات القديمة، ولديانات الماضي، وترجمة «للتراث الإغريقي الروماني»، وإنكارًا في نفس الوقت للعقيدة المسيحية، ومدخلًا لبعض العقائد الفاسدة من وجهة نظرهم.
2- إنهم لم يشاءوا أن يروا فيه إلا مقدمة للثقافة الأوروبية، مما يجعله من اختصاص دارسي الماضي.
وفي ظل نظرتهم هذه يجعلون الإسلام لا يحوي شيئًا جديدًا ولا شيئًا حيًّا، فهو لا يحيا إلا في الماضي، ولا يمكن أن يعدنا بشيء.
هذا الاتجاه المزدوج هو الذي يجب علينا أن نحاربه؛ لأنه يمنعنا من فهم الحاضر، ومن بناء المستقبل؛ لهذا السبب أسمح لنفسي بالبحث في هاتين الفكرتين الحضاريتين للإسلام.
أولًا: ليس صحيحًا أن الفكر الإسلامي كان مجرد فكر مترجم ومنقول عن الفكر اليوناني، فالرياضيات اليونانية مبنية على نظرية المحدود، بينما تجد الرياضيات عند العرب مبنية على نظرية غير المحدود.
والمنطق اليوناني كان عبارة عن مجرد تفكير، بينما العلم العربي تجريبي، وفن البناء اليوناني كان يعتمد على الثوابت والخطوط المستقيمة، أما المساجد الإسلامية فقد كانت عكس المعبد اليوناني؛ إذ تشكل بأقواسها وقبابها سيمفونية فنية رائعة، والفلسفة العربية كانت فلسفة العمل؛ إذ لم يدونوا نظريات حول المادة والمعرفة ويكتفوا بها.
ويمكننا إيراد أمثلة كثيرة تؤكد هذه الحقائق:
فالمأساة اليونانية لم تناسب الفكر الإسلامي، كما أن الشعر العربي لم يناسب الفكر اليوناني وقيمه.
ثانيًا: إنه ليس صحيحًا أن العالم العربي كان مجرد مقدمة للعلم الغربي الحاضر، فالعلم العربي عكس موقفنا الفلسفي، الذي يؤمن بالحتمية.
إن العرب لا يفرقون ولا يفصلون بين العلم والحكمة، أي أنهم لا يضيعون الهدف، ويضعون نصب أعينهم المعنى والنهاية لكل عمل، ولا يعتبرون الحوادث حتمًا واقعًا، وإنما مجرد إشارة؛ حتى في الأحداث الطبيعية، وأوضح ما يكون ذلك في أحاديث الرسول- صلى الله عليه وسلم -، فهي لا تفصل بين الأمور فيما بينها، وإنما ترى الجزء بالنسبة للمجموع وتعطيه معنى، وهذه النسبة تشمل كل الأشياء من المركبة والبسيطة، وتعتبرها مقدسة بانتمائها إلى الله.
وتغاضينا اليوم عن «المعنى» وعن «القوة العلوية» هو الذي جعل العلم ينحدر، وساعد على تحول السياسة أيضًا إلى مكيافيلية، وذلك منذ الاهتمام بالنمو العددي الكمي، وجعله هدفًا لنا دون الأخذ بعين الاعتبار الإنسان ومصلحته وازدهاره.
* بطاقة شخصية:
البروفيسور رجاء جارودي:
* أديب ومفكر وفيلسوف فرنسي بارز.
* ولد عام 1913 لأبوين بروتستانتيين.
* اعتنق الماركسية في شبابه.
وتدرج في الحزب الشيوعي؛ حتى صار عضوًا باللجنة المركزية للحزب، ودخل مكتبه السياسي عام 1956م.
* تخلى عن الشيوعية، وألف كتابًا في نقدها بعد أن اتضح له زيفها وقصورها، وعاد إلى الدين المسيحي باحثًا عن الحقيقة.
* شغل عدة مناصب في فرنسا:
- كان نائبًا في البرلمان من عامي 1945- 1951.
- ثم رئيسا للمجلس الوطني الفرنسي من 56- 1958م.
- ثم عضوًا في مجلس الشيوخ من عام 1959- 1962.
* كشف كنه المسيحية والكنيسة وارتباطها بأحلام الصهيونية وتضليلها.
* بعد دراسة متأنية أعلن تركه للمسيحية، ودخول في الإسلام، فكان ذلك أشبه بزلزال أحدث ضجيجًا هائلًا في العالم الغربي بشكل عام، وفي فرنسا بشكل خاص.
* تم إعلان إسلام جارودي في 11 رمضان سنة 1402 هـ عن قناعة تامة، وبعد 40 عامًا من المطالعة والتفكير والمعاناة، واستبدل اسمه «روجيه» بـ«رجاء».
* تزوج من فتاة عربية فلسطينية مسلمة من عائلة معروفة، واسمها «سلمى نور الدين الفاروقي».
* ألف كتبًا تجاوزت العشرين في معالجة قضايا الإسلام والحضارة الغربية.
* أصبح معروفًا في جميع الأوساط الإسلامية؛ لمكانته وثقافته وإيمانه بأن الإسلام هو الحل الأمثل لمشاكل البشرية.