; الإسلام.. ثورة على الاستعباد | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام.. ثورة على الاستعباد

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 25-مايو-2013

مشاهدات 64

نشر في العدد 2054

نشر في الصفحة 56

السبت 25-مايو-2013

كانت أوضاع المجتمع الإنساني قبل ظهور محمد خاتم النبيين، وقدوة المصلحين صلى الله عليه وسلم غارقة في مستنقع الاسترقاق والاستعباد، فأعلنها الرسول صلى الله عليه وسلم ثورة غاضبة على هذه الأوضاع، لكنها ثورة حكيمة ورشيدة ومنظمة، كثورته على الخمر، وثورته على الربا، وثورته على ظلم المرأة واستعبادها، وثورته على سائر النظم الوضعية الفاسدة المزمنة، وسائر الرذائل الموروثة المتمكنة.

إن الشرائع القديمة في اليونان والرومان وغيرهما قد فتحت باب الرق على مصراعيه فكان جزاء القاتل أن يكون عبدًا لولي الدم وكان المدين الذي يعجز عن وفاء دينه ينقلب مملوكًا لدائنه، وكان السارق الذي يضبط عنده متاع يصبح رقيقًا لرب المال.

وقد ورد في قصة يوسف عليه السلام: ﴿ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (يوسف: 75)

 وكان السلطان المطلق المخول لرب الأسرة على أعضائها يبيح له أن يقتل منهم من شاء، وأن يبيع من شاء وكان نير العبودية متى وضع على عنق، فلا فكاك لها منه أبد الدهر، إلا أن يتفضل السيد بفكها بمحض إرادته.

إن سوق الرق في تلك المجتمعات كانت مقبرة مفتحة المداخل، موصدة المخارج.. كان الرق وباء يتساقط فيه الناس تساقط الفراش في النار، وكان الحريق أعظم من أن تطفئه نفخة واحدة.

وجاء الإسلام ليكافح استرقاق الأمم والشعوب، وليستنقذ العمارة الإنسانية المحترقة المتآكلة، بفعل الاستبداد، فأصدر قانونًا منع به استرقاق الأحرار، وأمنهم منه، بعد أن كانوا مهددين به من كل جانب.. وهتف المسلمون: لا للخطف ولا للسلب، ولا للبيع ولا للشراء، ولا لتحكم رب الأسرة، ولا للعجز عن وفاء الدين، ولا السرقة ولا القتل.. لم يعد شيء من ذلك كله، منذ ظهر الإسلام، يصلح مبررًا لاستعباد الإنسان.

ولم يكتف الإسلام بتحصين الأحرار أنفسهم من خطر الاسترقاق؛ بل إنه حال بينهم وبين أن يخرج من أصلابهم ذرية تستعبد، وذلك بمنع الزواج بين الأحرار والإماء إلا في حالة الاضطرار، وخشية العنت، وهذا من أوضح الأدلة على أن الدين القيم قبل أن يبدأ بالعلاج الشافي من الرق القاتل بالفعل، أراد بهذه التشريعات الواقية منع إنشاء فئة جديدة من الأرقاء.

وإذا نظرنا في آيات القرآن الكريم، نرى أن مصير الأسير كريم، وهو إطلاق سراحه ببدل أو بغير بدل ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (محمد: 4)

 ولا يقتل الأسير إلا في حالة شاذة نادرة، كأن يكون معروفًا بخطورته وشدة نكايته بالمسلمين، وهذه ليست قاعدة عامة، وإنما استثناء يطبق على الشذاذ الخطرين، وهذا هو ما يعرف في لغة العصر باسم عقوبة مجرمي الحرب.

وينظر الإسلام إلى الاسترقاق كنظرته للقتل في القسوة والشناعة، كما أن الحرية في نظره شقيقة الحياة، إذ جعل كفارة القتل الخطأ تحرير رقبة، وهذا هو تعويض الحياة بالحياة، فإن رفع الرقيق إلى مستوى الحرية يعد إدراجًا له في زمرة الأحياء، بعد أن كان محسوبًا في عداد الأموات.

وهكذا يتبين لنا أنه ليس في روح التشريع الإسلامي ولا في نصوصه، ما يشجع المسلمين على استرقاق أسراهم، فإن لجأ الإسلام يومًا إلى استرقاق الأسير، فإنما يكون ذلك منه نزولًا على حكم الضرورة، اتقاء لخطره، وكسرًا لشوكته وشوكة قومه.. على أنه لا يجعل ذلك مصيره النهائي، وإنما يأخذه إجراء مؤقتًا، وخطوة انتقالية إلى الحل الصحيح الذي يرضاه، ويلح في المطالبة بتحقيقه.. ألا وهو التحرير الكامل.

وقد فتح الإسلام أبوابًا واسعة لإخراج الأرقاء إلى فضاء الحرية، ولعل أول مفتاح لهذه الأبواب كان هو مفتاح القلوب.. فقد أخذ الدين القيم يحرض الناس على عتق الرقاب، ويرغبهم فيها بمختلف الوسائل، قال تعالى: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ،  فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (البلد: 11: 13)

 وحسبنا أن نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار، حتى فرجه بفرجه».

ومفتاح آخر، هو مفتاح خزائن الدولة؛ إذ جعل فيها سهمًا مقررًا في كل عام لافتداء الأسرى، وتحرير المستعبدين: ﴿ ۞ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 60)

 ومفتاح ثالث، هو مفتاح قانون الكفارات، وهو القانون الذي يجعل عتق الرقاب فريضة لازمة لمحو خطيئة من الخطايا، كالحنث في اليمين، والفطر في رمضان، والقتل الخطأ، وغير ذلك، ومن أهم هذه الأنواع: كفارة الإساءة التي تقع في حق العبد نفسه.. وحسبنا أن نذكر ما رواه مسلم وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه».

وفي رواية عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: كنت أضرب غلامًا لي، فسمعت من خلفي صوتًا، «اعلم أبا مسعود! لله أقدر عليك منك عليه»، فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله، فقال: «أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار»، هذا جزاء اللطمة أو الضربة.. أما الجرح أو تشويه الجسم، فإن حكمه عند أكثر الأئمة أنه يصير حرًا بمجرد إصابته، فينزع من ملك مالكه قهرًا عنه، وكذلك إذا كلفه أعمالًا فوق طاقته وتكرر منه ذلك.

وهكذا يقودنا الحديث إلى الجانب الثالث والأخير من العلاج الإسلامي الرحيم، لقد رأينا أبوابًا فتحت أمام الحرية أشرنا إلى بعضها، وغيرها كثير، مثل عتق الأصل إذا ملكه الفرع، ومثل المكاتبة والتدبير والاستيلاد، ورأينا أبوابًا أغلقت دون الرق.

وبين هذين الطرفين نرى طائفة من الأرقاء يتوجهون نحو باب الخروج، ولكنهم لم يصلوا إليه بعد.

إنهم هناك ينتظرون دورهم في استنشاق هواء الحرية المطلق، فهل صنع الدين القيم شيئًا لهذه الفئة في فترة الانتظار؟ نعم، لقد فتح لهم فيها نوافذ للتهوية، وأعد لهم فيها وسائل للترفيه تجعلهم في هذه الفترة يحيون حياة الإنسان، ولا يشعرون بتلك الفوارق الظالمة بين الطبقات، ذلك أنه أوجب على المخدومين أن يرتفعوا بأسلوب المعيشة لخادمهم إلى المستوى الذي يعيشون فيه هم أنفسهم.. هكذا يقول المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم فيما يرويه الشيخان وغيرهما عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربذة، وعليه حلة، وعلى علامه حلة، فسألته عن سبب ذلك، فقال: إني ساببت رجلًا فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم».

الرابط المختصر :