العنوان الإسلام.. تصور وسلوك
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-1977
مشاهدات 90
نشر في العدد 361
نشر في الصفحة 12
السبت 06-أغسطس-1977
من أساليب الأعداء تضليل المسلم عن هدفه، وإشاعة الفوضى في مجتمع وبذر الجهل والغرور في نفسه حتى يبقى متخلفًا تابعًا ضعيفًا همّه أن يسعى وراء اللقمة، وأقصى مناه أن يتمتع بنعمة البقاء.
وإذا استيقظ، سارع الأعداء إلى إفساد فكره، وتشويه اعتقاده وتخريب نفسه، وتضليل خطاه وسلوكه، وحقنه بأدواء لا يبرأ منها إلا بجهد جهيد.
يقول الأستاذ المرحوم مالك بن نبي «إن أخطر ما أصاب العالم الإسلامي هو الشلل الأخلاقي، ومصدر هذا البلاء معروف، فمن المسلم به الذي لا يتنازع فيه اثنان أن "الإسلام دين كامل" بيد أن هذه القضية قد أدت في ضمير ما بعد الموحدين([1]) إلى قضية أخرى هي: "ونحن مسلمون" فنتج عن ذلك: "إذن نحن كاملون" قياس خاطئ مشؤوم يقوض قابلية الفرد للكمال بالقضاء على همته نحو الكمال»([2]).
والحق إنها مشكلة خطيرة، تبدو كظاهرة واضحة في عصرنا الحاضر بشتى مجالات الحياة الإسلامية.
إن المقدمة التي ذكرها مالك بن نبي -الإسلام دين كامل- مقدمة واقعية منطقية صحيحة، لا يجوز لعقل واعٍ أن يشك فيها، لمميزات الإسلام وخصائصه الفريدة التي تشمل جوانب الحياة الإنسانية.
ولكن هذه المقدمة لا تحتم النتيجة التي رأيناها أيضًا على ما هي عليه وبدون أية شروط.
وبعد العودة إلى المقدمة لتحليلها نصل إلى الشروط الضرورية لهذه النتيجة؛ فالإسلام دين كامل لأنه يضم مبادئ وتشريعات وقوانين شاملة تعالج نواحي الحياة من جميع وجوهها، في الاقتصاد والسياسة، والثقافة والعلم، والعبادة، والعمل والعقيدة والسلوك، للفرد والمجتمع.
فضلًا عن كونه يربي ضمير الفرد على الاستقامة والإيجابية، ويهذب طباعه ويعالج مشكلات الإنسان، ويلبي فطرته وحاجاته المادية والنفسية والروحية. والإسلام كامل لأن مبادئه منسجمة مع بعضها، متلائمة مع الفطرة الإنسانية ومع نواميس الكون، وهي ملبية لحاجاته ومتطلباته الكثيرة، لا تنفصل فيه السياسة عن الخلق والعقيدة، ولا يبتعد الاقتصاد عن الإيمان والضمير ولا تنأى العقيدة عن الحاجات الضرورية الخاصة والعامة ولا تطغى القوة والمادة على الفطرة والروح، ولا يضيع حق المجتمع لمطامع الفرد، ولا يسحق الفرد في سبيل الجماعة، بل هناك عدل وتوازن واستقامة وانسجام بين أطراف الحياة، والنوازع والحاجات لكي يعيش الإنسان المسلم في ظل الإسلام، ظل الطمأنينة والرفاة والحق.
هذا باختصار وبساطة خلاصة المقدمة الواقعية التي ذكرت في بداية هذا الحديث ولكنّ بينها وبين النتيجة -نحن كاملون- مراحل وشروطًا لا بد منها وإلا لم يلتقيا.
أما القضية الثانية «نحن مسلمون» فهي سبب الخطأ والمرض -أحيانًا- لأن المسلم بواقعه الذي يعيش فيه -في أقطار الدنيا- لم يحقق هذه القضية بمعناها المطلوب، كما يقتضيها الإسلام ذاته.
ولهذا فإن هذا الواقع يخلق في مجال النفس حالة من الاطمئنان المسموم، والقناعة القاتلة، أقل ما يوصف بأنه اطمئنان وقناعة بالمرض والجمود والخذلان. ورضى بسيئات واقعية قد تؤدي بصاحبها إلى الموت والعذاب.
وقد يدفعنا التفكير السطحي، وشباك التعالي والغرور إلى الخطأ والضلال عن الطريق الصحيح.
لأن تحليل القضية الثانية بدقة وإخلاص وجرأة يؤدي بنا إلى الارتباط الكامل بالمقدمة الأولى «الإسلام دين كامل».
أي أن المقدمة الثانية ترتبط مع نفسية الفرد وعقيدته وسلوكه الذاتي والاجتماعي، فإذا تمثل الإسلام الكامل في كيان المسلم: عقيدة، وفكرًا، وسلوكًا، وعملًا وجهادًا، في خاصة شأنه، وعامته، في المال والسياسة والنفس والبيت أصبحت هذه القضية صحيحة.
إن اكتساب صفة الإسلام لا يكون بالادعاء ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2) «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» حديث شريف.
ولا يأتي الإسلام من القيام بالشعائر التعبدية وحدها، ولا ينتج عن طقوس معينة - لأنه بعيد عن الطقوس والمظاهر الفارغة - وأسمى من أن يكون سرًّا خاصًّا بين العبد وربه، بل هو تسليم مطلق لإرادة الله ومنهجه في الحياة، وهو عقد وثيق يشمل الحياة -زمنًا وعملًا- للعمل بمهمة الخلافة في الأرض، والقيام بمهام الأمانة الثقيلة، كما أرادها صاحب الأمر والنهي رب الناس وإله الناس وملك الناس.
نحن مسلمون عندما يكون هوانا مطابقًا لما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإرادتنا وأعمالنا وآمالنا منسجمة مع شريعة الله كما بلغها رسوله الكريم، وإذا افترق هذا الترابط بين المعنى والحقيقة، بين الصفة والأثر، أدت القضية إلى ادعاء كاذب، ونتيجة قاتلة تحمل في طياتها التعالي والغرور أو الغفلة والجهل.
ولا يمكن أن نكون مسلمين «بالمعنى الذي يحدده الإسلام كاملًا» إلا إذا ظهرت حقيقة المقدمة الأولى في حياتنا بكل فروعها وشروطها ووجوهها المختلفة.
نحن مسلمون -كاملًا- حين يكون الإسلام لنا عقيدة وسياسة، خلقًا وثقافة، اقتصادًا وسلوكًا، عبادة وجهادًا، وحين تتسم أيضًا تصرفاتنا الفردية والاجتماعية بطابعه الكامل الشامل المتوازن.
إن الإسلام دين كامل، والكمال يحوي من الانسجام والتوازن بقدر ما يحوي من الشمول والدقة.
وحين يفقد السلوك الإنساني، وحركة المجتمع انسجامهما مع الإسلام، أعني حين لا تصدر حلول المشاكل اليومية والعامة عن الإسلام تبدو هذه الأشياء متفككة، أو مرقعة مستوردة، وعندها لا يصح أن نطلق على أنفسنا صفة الإسلام.
ومن يظهر الإسلام في فكره وسلوكه ونفسه مفككًا بلا انسجام، مبلورًا بلا كمال ولا شمول لا يكون قد حقق معنى الإسلام، ولا يصل إلى النتيجة المنتظرة «إذن نحن كاملون»، إن من واجب المسلم أن يظل ساعيًا نحو الكمال، إيجابيًّا في تحقيق هذه النتيجة، ولا يكون كاملًا، أو إيجابيًا في سعيه هذا إلا إذا نهض بأعباء التكليف الإلهي بحمل الأمانة، والعمل بمقتضيات الاستخلاف لله في الأرض، وهذا عبء ومسؤولية، وعمل وجهاد، وتضحية وبذل.
ولكي نكون كاملين ينبغي أن نكون مسلمين، ولا أعني بالكمال الكمال المطلق وإنما الكمال الإنساني المحدود بحدود السلوك وقواعد الإسلام وأخلاقه وواجباته، وحين تنطبع تصرفات الفرد وسلوكه بطابع المسؤولية والالتزام بالإسلام، وتتأصل في أعماقه هذه الواجبات يحقق معنى إسلامه، ويستطيع أن يطلق على نفسه صفة الإسلام، وتنقلب هذه المعاني المجردة إلى صورتها المتحركة الإيجابية الفاعلة، التي تصنع المجتمع المسلم الكامل، بعمل وفكر وجهاد وخلق، وتضع له ميزانًا دقيقًا يحميه من أي نقص أو انهيار.
فإذا تحققت المقدمة المنطقية على أرض الواقع الإنساني ضمن الشروط التي يفرضها الإسلام على أبنائه نصل إلى النتيجة - عملًا وحقيقة - إذن نحن كاملون - فهذه النتيجة - كما رأينا - مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوضعنا نحن - كمسلمين - قبل أن تكون مرتبطة بالمقدمة الأولى؛ لأن الإسلام كامل مهما كان وضع المسلمين، وكمالنا لا يتحقق إلا بجهادنا والتزامنا قولًا وعملًا في كل أعمالنا وشؤوننا.
([1]) يقصد بها دولة الموحدين في المغرب العربي.
([2]) انظر كتاب وجهة العالم الإسلامي- مالك بن نبي.