العنوان الإسلام بين تدبير الخلق ووعد الحق.. تنصير المسلمين
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1986
مشاهدات 56
نشر في العدد 792
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 18-نوفمبر-1986
- المنصرون يكتفون في غالب الأحيان بترك المسلم لدينه ولا يشترطون دخوله في النصرانية
أ - الإجبار على النصرانية:
لقد اتبع رجال النصرانية المخلصون في فترة من فترات تاريخها القديم والأوسط أسلوب القهر والإجبار على دخول الناس في النصرانية، وكان كثيرًا ما يحدث هذا الإدخال في النصرانية بشكل جماعي دون أن يستشار الداخلون، وكان نصيب من يرفض الدخول منهم في النصرانية القتل، ويذكر التاريخ أن الملك شارلمان -وهو أكبر الشخصيات في تاريخ الكنيسة النصرانية- ذبح في يوم واحد أربعة آلاف وخمسمائة من السكسون لأنهم رفضوا الدخول في النصرانية، وأنه أصدر قانونًا يقضي بأن كل سكسوني لا يدخل النصرانية أو يحاول التهرب منها يقتل، وإن نسينا فإننا لا ننسى ما جرى في الأندلس بعد أن دخلها النصارى، وإكراههم المسلمين على النصرانية، وقتل من رفض منهم، وتشكيلهم محاكم التفتيش العاتية الظالمة لتحقيق هذه الغاية.
ورغم أن هذا الأسلوب -التنصير بالإكراه أو بغير مشورة- أصبح مرفوضًا كل الرفض في العصر الحديث إلا أننا ما زلنا نجد له صورًا في عالمنا المعاصر ففي لبنان مثلا نجد قرى كاملة يدين أهلها بالإسلام قد سجلت في سجلات الدولة نصرانية، وقد رأيت في بطاقة أحدهم: الاسم محمد، اسم الأب: محمود الديانة: نصراني فقلت له كيف هذا؟ قال: لا ندري، قلت: فلماذا لم تصححوا البطاقات، قال: إن الحكومة رفضت تصحيحها.
وقد حدث في هذا الميدان غرائب، فهل سمعتم أن تنصير كذا إنسان يساق مهرًا لعروس؟! نعم لقد حدث هذا للقائد العسكري الجرماني كلوفيس، لقد كان وثنيًا فأحب أميرة نصرانية هي «كلوتيلدا» فتنصر ونصر ثلاثة آلاف من جنوده وعمدهم دون أن يكون لهم رأي في ذلك.
ب- نفقات التنصير:
إن ما ينفق على تنصير المسلمين من المال أمر يفوق التصور، ويكفي أن نعلم أن مؤتمر كلورادوا المنعقد عام ۱۹۷۸ قد قدر رصد مبلغ ألف مليون دولار لتنفق على التنصير، إضافة إلى إنشاء معهد لتخريج رجال مختصين بتنصير المسلمين سمي بمعهد زويمر، إضافة إلى أشياء أخرى وقد اتخذ اتحاد جمعيات الإنجيل قرارًا بترجمة الإنجيل إلى ألف وخمسمائة لغة ولهجة أفريقية ليوزع في كافة القارة الأفريقية، ونظرًا لوجود الكثير ممن لا يجيد القراءة في هذه القارة، فقد اتخذ قرار بتسجيله على كاسيتات ليوزع مع آلات تسجيل تعمل على الطاقة الشمسية، وقد تمت ترجمة الإنجيل فعلا إلى أربع مائة وثمان وتسعين لغة ولهجة أفريقية.
ولك أن تتصور ما يتطلبه ذلك من مال.
وأنفقت الجمعية الكاثوليكية في إندونيسيا وحدها عام ۱۹۷۰ مبلغ أربعين مليون جنيه إسترليني ثمن أغذية وأدوية فقط عدا عما أنفقه البروتستانت، وأنفقوا في العام نفسه على التنصير مبلغ مائتين وعشرة ملايين دولار وأسست الحركات التنصيرية في إندونيسيا شبكة من الخطوط الجوية تعمل لصالحها، ومطارات حتى بلغت مطاراتهم في إندونيسيا أكثر من خمسين مطارًا.
ولو ذهبنا نحصي ما ينفق على التنصير في العالم لأذهلتنا الأرقام.
وهذه الأموال لا يمكن أن تجمع من تبرعات الأفراد، لأنها أكبر من ذلك بكثير، فهي بالتأكيد تأتي من ورائها دول، وهذه الدول تدعي العلمانية، بل إن أكثر الدول ادعاء للعلمانية أكثرها مشاركة في تمويل حركة التنصير، وهذا يؤكد أن التنصير مطلب يهودي نصراني مشترك.
جـ - التنصير مطلب يهودي نصراني مشترك:
عندما أتم التهامي وضع تقريره الذي تضمن خطته للقضاء على الإسلام عرضه على مساعد الرئيس بيغن للشؤون الإسلامية -وبيغن كما هو معروف هو رئيس دولة إسرائيل العدوة- فوافق عليه، ولكنه -وهو اليهودي- أضاف إليه فقرات من شأنها التمكين للنصارى من مصر وهذه الفقرات هي:
1 - الاستعانة بالعناصر القبطية النصرانية في الأماكن الحساسة التي يمكن تسرب المعلومات منها، أو التعاطف الديني على ألا يكون العنصر القبطي هو الظاهر، بل يكون له مساعد تنفيذي مسلم.
۲ - تدريب شباب الأقباط على مكافحة الشغب وتسليحهم لأنه في حالة أي انفجار غير متوقع من المتطرفين المسلمين، فإن ميليشيا قبطية شعبية يجب أن تساعد قوات الحكومة النظامية التي قد يصيبها أو تؤثر فيها دعاية المتطرفين على أنها تحارب إخوتها في العقيدة.
3 - إعداد جهاز، غبطة بابا مصر بمطبعة مناسبة وبوسائل اتصال حديثة توصله رأسًا برئيس جهاز الأمن القومي ورئيس اللجنة، كما فعل هذا من قبل مع رئاسة الجمهورية.
٤ - وضع طائرة هليكوبتر تحت امر غبطة الباب -بابا مصر-
5- الاستعانة بأعضاء نوادي الروتاري واللاينز وإعطائهم مزيدًا من التسهيلات والرعاية، حيث أهم مبادئهم: الدين لله والوطن للجميع «ونوادي الروتاري واللاينز هي نوادي ماسونية».
ثم عرض الخطة والإضافة التي أضافها عليه مساعد الرئيس بيغن على خبير الشؤون الإسلامية بالسفارة الأمريكية وهو المندوب المقيم في مصر للهيئة المسماة بلجنة مكافحة التطرف الإسلامي التابعة لوكالة الأمن القومي الأمريكي، فوافق على ما جاء في التقرير وعلى ما ذكرناه من إضافة مساعد الرئيس بيغن رئيس دولة العدو الصهيوني.
وفي الاجتماع التاريخي الذي تم في فبراير عام ١٩٥٤ وضم رئيس دولة العدو ابن غوريون ووزير خارجيته موشى شاريت مع لافون وموشي ديان اتخذ القرار التالي وأرسل في اليوم نفسه إلى الخارجية الإسرائيلية.
«علينا العمل بكل الوسائل لإحداث تغيير جذري في لبنان» وهذا التغيير الجذري في لبنان هو إقامة دولة نصرانية فيها، ولا يتم ذلك إلا بالقضاء على الإسلام في لبنان، وقد أفصح عن هذا ابن غوريون في مذكراته بتاريخ 24/٥/1948 فكتب: «من الضروري إقامة دولة مسيحية يشكل نهر الليطاني حدودها الشمالية».
وقد يبدو مفهومًا ومعقولًا أن يدعو النصارى للتمكين للنصرانية في قطر معين، ولكن الذي يعسر فهمه أن يدعو اليهود للتمكين للنصرانية في قطر معين، ولكن الدارس لطبيعة الديانة النصرانية يدرك سر دعوة اليهود للتمكين للنصرانية في الأرض.
فالنصرانية ديانة لاهوتية، أعني: إنها قاصرة على تنظيم علاقة المخلوق بالخالق، وعلى نشر التسامح المفرط الموصل إلى قبول الذل والاستكانة إلى الظلم بين الناس المتمثل بقول المسيح -كما يزعمون- «من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الآخر أيضًا، ومن سخرك ميلًا فسر معه ميلين ومن أخذ رداءك فاترك له الإزار أيضًا»، وأن أي دولة تقوم على أساس النصرانية ستكون مفتقرة إلى القوانين التنظيمية التي تحكمها وتنظم تصرفات الأفراد وعلاقاتهم ببعضهم فيها، سواء كان ذلك في المجال السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو.... ودولة هذا شأنها من السهل على الفكر اليهودي أن يتسلل إليها في الظلام ليضعها في مسار لا تستطيع الخروج عنه فيما بعد، سواء كان في الاقتصاد أم في غيره، ونحن نرى كيف أن الفكر اليهودي والسيطرة اليهودية قد تسللت عبر الاقتصاد عندما اعتمد الاقتصاد على القوانين الوضعية، وقطع صلته بالأديان، فساد الربا والاحتكارات العالمية حتى صارت بنوك الدنيا كلها تصب في بنوك لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة يملكها كلها اليهود، وحتى صارت جميع شركات التأمين في الدنيا تصب في أربع شركات تأمين يملكها اليهود.
أما الدولة الإسلامية فمن الصعب على الفكر اليهودي أن يتسلل إليها، لأن الإسلام دين شامل والدولة الإسلامية دولة مكتفية ذاتيًا من الناحية القانونية.
قد يقول البعض: لماذا يبذل اليهود كل هذا الجهد من أجل سيادة النصرانية، ولا يبذلونه من أجل سيادة الديانة اليهودية؟!!
والجواب على ذلك، إن اليهود يعتقدون أنهم شعب الله المختار، وأنه أنزل إليهم الديانة اليهودية وهي ديانة الصفوة، وغيرهم غير مؤهل بالخلقة لحملها، ولذلك فإنهم لا يدعون لها، ويقبلون من أحد الدخول فيها.
د - أهداف التنصير:
قد يبدو للبعض أن هدف التنصير هو إدخال الناس في النصرانية، وتكثير رعايا الكنيسة، ولكن المدقق يجد أن إدخال الناس في النصرانية، ما هو إلا وسيلة لهدف أكبر منه ألا وهو الاستعمار بأي لون من ألوانه السياسي والفكري والاقتصادي، ولعل تصريح ايوجين روستو رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية ومستشار الرئيس الأمريكي جونسون للشرق الأوسط يفصح عن ذلك أي إفصاح حيث يقول:
«إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا هي جزء مكمل للعالم الغربي، بفلسفته وعقيدته ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للشرق الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها».
وفي ذلك يقول بعض الأفارقة: إن المستعمرين جاءوا إلينا ومعهم الإنجيل فأخذوا منا الأرض وأعطونا الإنجيل».
ويقول الشاعر النيجيري «دونيس اوساد باي»: «أنا لا أملك بندقية، ولا أملك قنبلة، أنا لا أصلح للحرب، جلبت لي صليبك ثم قذفت بي، لقد أصبح قلبي مليئًا بالمرارة، أخبرتني أن أغمض عيني وأصلي، ولكنك كنت تسرق مالي»، ولعل من أوضح ما عبر عن هذا الهدف قول السيدة كرو «إنها لحقيقة جغرافية أن التوسع الاستعماري كان الإشارة لبدء العمل التبشيري وقول القس لويس سكدر «الاين الواقع أن هناك ارتباطًا بين الإرساليات المسيحية والمؤسسات الاستعمارية».
ولذلك يكتفي المنصرون أن يترك المسلم دينه فحسب، ولا يشترطون دخوله في النصرانية، لأن تركه لدينه كفيل بإعانتهم على تحقيق أهدافهم الفكرية والاجتماعية والسياسية، ولو كان هدفهم التنصير لما اكتفوا بغير دخوله النصرانية وتعميده، وفي ذلك يقول شيخ المنصرين القس زويمر: «نحن لا نريد أن يدخل المسلم في النصرانية، ولكن أن يخرج المسلم من الإسلام».
وهذا ما أفصح عنه ستيفن بروز رئيس الجامعة الأمريكية التنصيرية في بيروت في كتاب له اسمه «حتى تكون لهم حياة» فقد قال:
«وعندما يلزم الإنسان نفسه -مع أو بدون التغيير الحاصل في انتسابه الديني- يتأكد المنصر أن قوة قد بدأت، وستفعل المعجزات في عالم هذا الإنسان في محيطه الشخصي والمدني، والمجتمعي، وميدان العلاقات السياسية، وهذه خميرة مخبأة وكل شيء بعدها سيتخمر».
وإلى اللقاء في المقال القادم الذي سنتحدث فيه عن وسائل المنصرين.