; الإسلام بين تدبير الخلق ووعد الحق (۲) | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام بين تدبير الخلق ووعد الحق (۲)

الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1986

مشاهدات 64

نشر في العدد 789

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 28-أكتوبر-1986

5- الحكومة الخفية:

لقد قلت في المقال السابق: إن انتشار العلم والمعرفة أدى إلى اكتشاف أن الإسلام هو النظام الذي تنشده الإنسانية في حضارتها المعاصرة، وقد نطقت هذه الحقيقة مؤتمرات دولية فيها من غير المسلمين أكثر مما فيها من المسلمين، مما جعل السياسيين ينظرون إلى الإسلام على أنه الخطر الداهم على الأنظمة القائمة كلها، وعلى العروش القائمة أساس هذه الأنظمة، فاجتمعت الكلمة على وجوب القضاء عليه.

أما كيف اجتمعت كلمة تلك القوى الاستعمارية كلها- على ما بينها من الاختلاف- على القضاء على الإسلام فإن ذلك لم يعد خفيًا بعد أن أصبح معلومًا لدى كل الباحثين السياسيين أن يدًا خفية وضعت تلك القوى في مسار أصبح من الصعب عليها الخروج عنه، ولا أريد أن أفيض في التدليل على ما ادعى، بل أكتفي بإيراد أقوال بعض المسؤولين في تلك القوى.

يقول نابليون الثالث سنة 1859 حينما كان ملكًا لفرنسا: «يجب ألا نخدع أنفسنا، إن الدنيا تدار من قبل المنظمات السرية».

وكتب السياسي الإنجليزي بنيامين إسرائيل عام 1844: «إن الذين يديرون دفة السياسة في العالم ليسوا الذين هم في سدة الحكم ظاهرًا، إنما هم الذين يكمنون وراء الكواليس».

وكتب دزرائيلي في العام نفسه: «يحكم العالم بأشخاص مختلفين اختلافًا شديدًا عمن يتخيلهم الناس الذين لا يعلمون بواطن الأمور».

وإن دزرائيلي إذ يقول الذي يقول، فإنما يقول قولة الخبير لأنه العميل المخلص والخادم الأمين للروتشلديين اليهود باعثي الماسونية الحديثة.

وتصور بسمارك قوى غير مرئية تدير سياسة العالم وسماها «ما لا يسبر غوره»!

وكذلك قرر لامارتين.. وقال مازيني للدكتور بريدنستين: إننا نرغب في قهر كل خطر، بيد أن هنالك خطرًا غير مرئي له وطأته علينا جميعًا من أين يأتي؟ وأين هو؟ لا أحد يعلم، أو على الأقل لا أحد يفصح عنه، إنها مجموعة سرية منظمة، تخفى حتى علينا نحن العريقين في أعمال الجمعيات السرية:

ويوقن من له أدنى تتبع لما يجري أن اليهود وراء كل ما يجري، حيث ينبثق من محفلهم النوراني حركتا ضغط، وتسيرهما الماسونية والصهيونية، ومهمتها الأولى رسم المسار المطلوب، ووضع دولة معينة فيه بشكل لا يستطيع الخروج عنه، ثم رعاية هذا المسار حتى لا تتحطم قضبانه، ومراقبة هذه الدولة حتى لا تخرج هذا المسار، تمامًا كالقطار الذي يكون أسير سكته، لا يخرج عنها.

ولا أدل على ذلك من أن المؤتمر الأمريكاني الماسوني عقد جلسة قرر فيها خمسة من اليهود أعضاء المحفل النوراني (إسحق مويتمر، وسيستر وليفي، وردن، وشيف) خراب روسيا القيصرية، ورصد مليار دولار والتضحية بمليون يهودي لإثارة الثورة في روسيا.

ومن المقطوع به أن الثورتين الإنجليزية والفرنسية، ما قامتا إلا بتدبيرهم، وإن الخلافة العثمانية ما قوضت إلا بتدبيرهم، وإن الناظر المتأمل اليوم يجد كيف أن أميركا وأكثر دول أوروبا حتى دولة الفاتيكان تجر بعجلتهم وتسير في هواهم.

ولما كان اليهود حريصين كل الحرص على بقاء الأنظمة التي صنعوها، والمسارات التي كدوا وأنفقوا لإيجادها.

ولما كان الإسلام يشكل خطرًا داهمًا على هذه الأنظمة وهذه المسارات، فإن همساتهم الخفية في أذن المسؤولين عن هذه الأنظمة وأبواق أجهزة إعلامهم- وهم يسيطرون على أكبر شبكة إعلام في العالم- أخذت تصيح بالمسؤولين عن هذه الأنظمة بوجوب التحرك للقضاء على الإسلام وإلا..

ومن هنا جاء اتفاق جميع القوى العظمى على وجوب القضاء على الإسلام، ورغم ما بينها من الخلاف الشديد.

وإني ماأزال اذكر يوم كنت طالبًا في جامعة دمشق حين استبد المرض بالمجاهد الجزائري «محيي الدين القليبي» وقرر لفيف من طلاب الجامعة عيادته، وكنت أنا من بين هؤلاء الطلاب، وكان آنذاك قد بدأ الحديث عن تحول بعض الدول العربية من المعسكر الغربي إلى المعسكر الشرقي، فسأله بعض الطلاب عن رأيه في هذا التحول؟ فقال رحمه الله: «اسمعوا يا أبنائي؛ إنكم ما زلتم صغارًا على ذلك، ومازالت تجربتكم قليلة، وإني أريد أن تعرفوا أن قتل هؤلاء- يعني الشرق والغرب- كمثل رجل اشترى قطعة لحم وأتى بها داره فاختلف أهل البيت في شأنها فبعضهم يريدها مشوية، وبعضهم يريدها مسلوقة، وبعضهم يريدها مطبوخة من الخضار.. إنهم مختلفون فعلًا، ولكنهم مجتمعون على حقيقة واحدة هي أنهم سيأكلونها، وهؤلاء يا أبنائي، لا يغرنكم اختلافهم، فهم متفقون على أكلنا، ولكن كل يريد أن يأكلنا على طريقته»!

6- مخطط القضاء على الإسلام

ليس من السهل على الباحث جمع جميع خيوط المؤامرة العالمية الكبرى على الإسلام لاتساع مساحة البحث، وتعدد الأطراف المشتركة في هذه المؤامرة وإن كان في قناعتي بعضها يغني عن بعض، لأنها كلها تنضح من إناء واحد، وتهدف إلى هدف واحد، ولذلك اكتفي بأحدث مخططين، يلبس أحدهما ثيابًا عربية، ويرتدي الآخر ثوبًا أجنبيًا.

أما المخطط العربي فهو المخطط الذي وضعته اللجنة التي شكلها الرئيس المصري محمد أنور السادات برئاسة حسن الترابي، وعضوية كل من فكري مكرم عبيد، ووزير الداخلية ورئيس المخابرات العامة والأمن القومي ورئيس المخابرات الحربية، وشخصيات أخرى استعانت بهم اللجنة، وكانت هذه الشخصيات هي:

خبير المتابعة بالمباحث العامة ونائب غبطة البابا المسؤول عن التنسيق مع الجمعيات الإسلامية وخبير الشؤون الإسلامية بالسفارة الأميركية، ومساعد بيغن رئيس وزراء إسرائيل للشؤون الإسلامية. وسنشير إليه فيما يلي باسم «حسن التهامي»، وقد نشر هذا المخطط جريدة العرب اللندنية بتاريخ 6/4/1979 ثم «المجتمع» الكويتية بتاريخ 1979/4/23. 

وأما المخطط الثاني فهو مخطط صادر من ريتشارد ب ميتشل إلى رئيس هيئة الخدمة السرية بالمخابرات المركزية الأميركية والذي نشرته مجلة الدعوة المصرية في عددها رقم ٤٠٦ الصادر في يناير سنة ١٩٧٩.

وقد قال التهامي في مقدمة تقريره: وقد رأت اللجنة أن الأسلوب الجديد للمكافحة يجب أن يشمل بندين متداخلين هما:

1- التركيز المستمر لمحو فكرة ارتباط السياسة بالدين.

2- إبادة تدريجية مادية ومعنوية للجيل القائم فعلًا من معتنقي هذه الأفكار أي الأفكار الإسلامية.

وعلى هذا يمكننا تلخيص مخطط القضاء على الإسلام بما يلي:

1- التصفية الجسدية لحاملي الفكر الإسلامي من شباب هذا الجيل الحاضر ولرجال الفكر الإسلامي.

2- تحطيم معنويات رجال الفكر الإسلامي حتى تفل عزائمهم عن عرض هذا الفكر، ومعنويات الشباب المتدين من أبناء هذا الجيل.

3- التشكيك بصلاحية الإسلام لهذا العصر.

4- استبدال العقيدة الإسلامية بعقيدة أخرى والمبادئ الإسلامية بمبادئ أخرى، والفكر الإسلامي بفكر آخر.

ولنشرع في بيان ذلك:

أولاً: التصفية الجسدية لحاملي الفكر الإسلامي:

أعتقد أن تنفيذ مخطط التصفية الجسدية للمسلمين بعامة لم يعد خافيًا على ذي بصيرة، ابتداء من حركات التصفية التي قام بها جمال عبدالناصر والتي قال فيها جمال عبدالناصر لايفانيز غير معتمد المخابرات الأميركية في مصر: «إذا كانت الطريقة التي أعمل بها لا تعجبكم ولكم عليها مآخذ فالجدير بكم أن ترشدوني إلى طريق آخر أفضل وسأصغي إليكم» ولكن الإدارة الأميركية كانت راضية عن طريقة جمال عبدالناصر حتى قال عن نفسه: «إننا لم نحاول ولو مرة واحدة أن نختبر مدى إخلاص عبدالناصر لنا، لأنه كان يعمل دائمًا بطريقة سليمة لا نظن أن أساليبنا الخاصة أفضل منها».

ومرورًا بحوادث أوغندا عام 1979 حين أخذ الرئيس عيدي أمين يشجع على الإسلام حتى نشرت مجلة الأسبوع العربي في عددها الصادر يوم 1979/2/5 أن الرئيس عيدي أمين أبلغ المسؤولين في الدول الإسلامية أن نسبة المسلمين قد أصبحت 90% من سكان أوغندا، ولذلك كان من الواجب أن يصفى عيدي أمين والداعون إلى الإسلام معه، واتفقت على ذلك الدور المتنافرة روسيا وأميركا وبريطانيا، وحصدت الرؤوس المسلمة، وأوضح عيدي أمين في بيانه الأخير الذي أذاعه من راديو كمبالا حقيقة المعركة فقال: «إن الهدف من الحرب الحالية القضاء على الإسلام وطرد العرب وإعادة العلاقات مع إسرائيل». ومرورًا بالحبشة حيث كانت تجتمع القبائل المسلمة في الغابات ثم تضرم فيها النيران، ومرورًا أيضًا بسواحل البحر الأبيض المتوسط ومنها لبنان- لأن البحر الأبيض المتوسط في نظرهم كان بحيرة صليبية ويجب أن يعود بحيرة صليبية- فالمسلمون يصفون في لبنان، وقد لا يبعد- إن بقي الحال كذلك- أن نرى دولة صليبية في لبنان تكون رأس جسر لتدفق الصليبيين إلى بلاد الشام، وإذا كانت الصهيونية في إسرائيل تفتقر إلى السكان فإن الصليبية في لبنان لن تفتقر إلى ما افتقرت إليه الصهيونية.

ومرورًا بالهند حيث المذابح المتلاحقة التي يخرج المسلمون من كل مذبحة منها بمئات القتلى، ومرورًا بالفلبين وما جرى فيها من تقتيل للمسلمين في عهد ماركوس وانتهاء بأفغانستان، حيث تدمر القرى المسلمة تدميرًا كاملًا وتنصب المجازر الجماعية للمسلمين.

ولا يجوز أن ننسى أن بعض الدول الإسلامية تجري فيها هذه التصفيات الجسدية لحاملي الفكر الإسلامي بشكل دوري، على تعاقب الأجيال، كلما شب جيل يحمل فكرًا إسلاميًا جرت تصفيته حتى يكون الفارق بين كل تصفية وأخرى من أربع عشرة سنة إلى سبع عشرة سنة، فكانت الكارثة أكبر، والوضع أشد شؤمًا وإيلامًا، وهل من شؤم أكبر من أن يقتل المسلم بيد المسلم، ويأسر المسلم المسلم فيفعل به ما لا يفعله بالأسير الكافر، وأرجو ألا يكون هذا ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله قال: «إن الله زوى- أي: جمع لي الأرض- فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وسألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليها عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من أقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا  ويستبيح بعضهم بعضًا». 

وأرجو ألا يكون هذا ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أخاف عليكم الأئمة- أي الحكام- المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة».

(يتبع في العدد القادم)

الرابط المختصر :