; الإسلام اليوم... المرحلة الثالثة دور الاستعباد وآثاره السيئة.. الحلقة الثالثة | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام اليوم... المرحلة الثالثة دور الاستعباد وآثاره السيئة.. الحلقة الثالثة

الكاتب أبو الأعلي المودودي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1977

مشاهدات 70

نشر في العدد 343

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 29-مارس-1977

ولنأخذ الأن المرحلة الثالثة والأوضاع التي مررنا بها في هذه المرحلة. ولسنا بحاجة إلى الدراسة التفصيلية عن هذه المرحلة. إذ إننا لسنا ببعيدي العهد بها بل قد اجتزناها قبل عشرين سنة فقط. والذين كانوا في ميعة الشباب في تلك الفترة هم شهدوها عيانًا فلا يخفى عليهم ما مر عليه من الأطوار والأحوال. اللهم إلا الذين كانوا في تلك الأيام في سن الطفولة. وهم إن كانوا لا يستذكرون أحداث هذه المرحلة بحكم سنهم غير أنهم قد سمعوا من آبائهم وإخوانهم ما جعلهم في غنى عن الدراسة التفصيلية. إن الاستعمار الغربي بعد تعميق مخالبه في البلاد الإسلامية جعل يصب على المسلمين وابلًا من الظلم والعدوان والبطش والتنكيل، وأنزل بهم ضروبًا من الفتن كقطع الليل المظلم، كما دك حكوماتهم، واحتل أراضيهم الخصبة، وسيطر على أوقافهم، وتلاعب بأنفسهم وأموالهم وأعراضهم. بيد أن جميع هذه الأعمال الإجرامية لا تساوي ظلمًا أرتكبه الاستعمار حين فرض علينا النظام التربوي الحديث الغريب عن معتقداتنا والبعيد عن قيمنا، قسراً، في جانب، وفي الجانب الآخر عطل نظامنا التليد للتعليم والتربية، وحوله إلى حالة العقم، وجعله في وضع يُرْثَى له. وحاول بهذه الطريقة أن ينشئ منا أجيالًا تتنكر لشخصيتها الإسلامية، وتبغض دينها، وتجهل تقاليدها، وتنظر إلى تاريخها الحافل بالأمجاد بنظرة الاستحقار، وتعتبر حضارتها الرائعة شيئًا أكل عليه الدهر، وشرب، وتقتنع بأن ثقافتها تقاوم عليها العهد، وتؤمن بأن نظامها للفكر والعمل لا يصلح للعصر الحاضر، ويترسخ في ذهنها وقلبها أنه إذا كانت هناك معارف فهي التي تدون في الغرب، وإذا كانت هناك أخلاق فهي التي يتخلق بها الغرب، وموجز القول إنه إذا كان هناك شيء يتسم بالمثالية الجديرة بالتأسي، وبالتصور الإنساني الرفيع الحقيق بالتقدير والاعتناء فهو ما عند الغرب كما قال الشاعر: 

إذا قال حزام فصدقوها              فإن القول ما قالت حزام

  هذا هو أعظم ظلم مارسه الاستعمار في حقنا. أما النظام التربوي الذي كان يوجهنا إلى ديننا، ويربطنا بتقاليدنا، ويوطد صلتنا بحضارتنا عاد نظامًا مرفوضًا لا يجد سوقًا رائجة. ولأجل ذلك فإن أي فرد من المسلمين كان يتوق إلى التقدم المادي صار يرغب عنه، وينبذه وراء ظهره، ويتلهث وراء النظام الحديث الخلاب. فكانت لهذا التحول آثار بعيدة الأغوار في مجتمعنا.

وما لبث أن مال إلى هذا النظام التربوي النخبة الممتازة من هذه الأمة، المتمثلة في ذوي الثراء والفطانة والنباهة، وفيمن كانوا يتمتعون بقسط وافر من المواهب والحيوية وقوة العمل والتفكير وقابلية التوجيه. إن جميع تلك العناصر الصالحة اندفعت إلى نظام الاستعمار للتربية والتعليم تحت ضغط منطق الظروف. مع العلم أن هذا النظام لم يكن ليبعدنا عن ديننا وتاريخنا وحضارتنا فحسب، بل ليكون منا أمة تتقزز من تراثها العقائدي وتنفر من قيمها الحضارية.

 

 

تحول قيادي:

وتعميقًا لهذه السياسة قصر الاستعمار جميع مجالات التقدم وفرص الرقي على الذين كانوا يتخرجون من هذا التعليم، لإن الاستعمار قد أَتي بخطة محكمة الدروس ومتقنة الأداء في هذا الصدد كان من نتائجها الطبيعية أن الذي أراد أن ينال في الدنيا عيشًا رغيدًا ووضعًا مزدهرًا، لا بل حتى الذي أراد الحياة فقط لا يتأْتى له ذلك إلا أن يسلم أولاده لنظام التعليم الحديث لينزعهم من دينهم وقيمهم. نفذ الاستعمار هذه الخطة على المدى البعيد، وفي جميع البلدان الإسلامية شرقًا وغربًا، أي حيثما ألقي عصاه لجأ إلى هذه الخطة الممقوتة. وليس الاستعمار الإنكليزي بأوحد في هذا الأمر، بل تلتقي عليه جميع القوى الاستعمارية كالاستعمار الهولندي والبلجيكي والفرنسي والألماني. وعلى كلٍ، فإن كل بلد من البلدان الإسلامية دخلته الشعوب الاستعمارية طبقت فيها نفس المكيدة.

ثم أن السياسة التي اتبعها الاستعمار فعلاً في توظيف المتخرجين من هذا النظام في تسيير دفة الحكومة، وفي المجالات الاقتصادية كانت تملي أنه قدر ما يكون المرء متجرداً من آثار الإسلام قدر ما يتقلد أرقى المناصب. ولا شك أن هذه السياسة الإجرامية لم تدون ولم تطبق في شكل القانون، ولم يكن الأمر يحتاج الى صياغتها وإدراجها في لوائح الموظفين. بيد أن الوضع السائد والتخطيط الإداري كانا يتجهان، جملة وتفصيلًا، إلى أن الموظف كلما ينسلخ في حياته العملية من الصبغة الإسلامية، وينطبع بطابع الحياة الغربية كلما يجد الفرص مواتية والحظوظ حليفة في إحراز التقدم. وهكذا تجد المستعمرين يستدرجون الأمر حتى يتربع على المناصب الرئيسية الحكومية «المسلمون» الذين وإن كانوا يحملون أسماء إسلامية، ولكنهم لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه. وسرعان ما رأينا نتيجة لذلك أن جميع المناصب الرئيسية تحولت إلى هذا الضرب من المسلمين، وجميع القطاعات الاقتصادية «أي العصب الحساس» لا تفتح أبوابها إلا على وجههم. وشوهدت هذه السياسة نفسها متبعة في جميع البلدان الإسلامية. وأينما توجهت في البلدان الإسلامية، تفاجئك هذه السياسة بعضها وقضيضها وويلاتها وثبورها.

الحركات التحريرية: 

ولما أطلت الحركات التحريرية برأسها في البلدان الإسلامية، وبدأت في قلوب الناس تلهب جذوة تحرير الوطن بعد أن درسوا المؤلفات الغربية وتاريخ الشعوب الغربية، وتفطنوا لوضعهم المزري اقتضى منطق الأوضاع أن يتولى قيادة هذه الحركات الزعماء الذين كانوا يعرفون لغة الشعب الغازي. وكانوا يدركون طبائعه وطرائقه، وكانوا يفهمون منافذ الدخول إليه.

هذا النمط من القيادة إنما فرضها منطق الأوضاع على الشعوب الإسلامية الطامحة للتحرير، ولم يكن لها بد من التسليم لها والاعتراف بها. أما خريجو المعاهد الدينية -والأصح خريجو النظام القديم للتعليم- فلم يكونوا يصلحون لقيادة المسلمين بل لم يكن باستطاعتهم أن يتحملوا عبء قيادة الشعوب وخوض غمار المعارك التحريرية، فاتجه الناس في عجز وااضطرار إلى النوع الأول من الزعماء، وألقوا إليهم مقاليد القيادة، وشرعوا الحروب التحريرية ضد الاستعمار تحت إشرافهم وتوجيههم. ولذلك فإنك إذا أجلت نظرك في أي قطر من الأقطار الإسلامية، وفي أية رقعة من الأرض، طيلة هذه المرحلة، وجدت أن الذين يقودون الحركات التحريرية، ويضطلعون بالدور الطليعي فيها في شرق الأرض وغربها هم الزعماء من النوع الأول. كما رأيتهم في خلال المعارك يلجؤون إلى إذكاء عواطف المسلمين الإسلامية ومناشدتها لأنهم ما كانوا يستطيعون تصعيد العمل التحريري دون إثارة هذه الجذوة. أهاب هؤلاء الزعماء بالشعوب الإسلامية باسم الإسلام، في كل أرض إسلامية قامت فيها معارك تحريرية معلنين: إن هذه الحرب إنما هي حرب فاصلة الإسلام والكفر. وعليكم، يا معشر المسلمين، أن لا تألوا جهدًا في التضحية بأنفسكم وأموالكم ومواهبكم وأوقاتكم حتى يتحقق النصر، ويكون الأمر كله لله، وتعود المياه إلى مجاريها، ويعود للإسلام مجده التليد، وتشرق الأرض بنور ربها. 

إن هذه الظاهرة لم تلعب دورها في بلد واحد فقط بل أي بلد من المسلمين تدرسون تاريخه تجدون نفس الظاهرة تتحكم في الأوضاع.

واضرب لكم مثلًا من الجزائر التي نالت الاستقلال إلى عهد قريب بعد أن خاضت غمار الحروب الدامية. إن نفس الظاهرة لعبت دورها فيها. ولا أقول ذلك جزافاً، بل توصلت إلى هذا الرأي عن الجزائر بعد دراساتي القريبة لأوضاع هذا القطر الإسلامي. إذ كنت متتبعاً لتطور الأحداث فيه، ثم ناقشت في هذا الموضوع، أكثر من مرة، القادة الجزائريين في الوقت الذي كانت الحرب حامية الوطيس فلم يسعهم إلا أن يصدقوا وجهه نظري، ويقولوا بصراحة: إنهم إذا لم يؤكدوا للرجل العادي من الجزائر أن المعركة التحريرية التي ألهبنا نيرانها هي معركة الإسلام والكفر، هي الجهاد في سبيل الله الذي أمرنا به الله ورسوله، ومن استشهد فيه دخل الجنة إذا لم تقل له ذلك لا يستجيب لنا، ويلبي نداءنا، ويتقدم إلى ساحة القتال واضعاً رأسه على راحته. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الشعب الجزائري لم يندفع إلى المعركة التحريرية إلا بإسم الإسلام، امتثالاً لما يأمر به الدين، وينادي به الله ورسوله ثم تعرض لما تعرض من أنواع البطش والتعذيب، وتكبد ما تكبد من الخسائر، وسجل ما سجل من التضحيات والبطولات مما يحير الألباب، ويأخذ بمجامع القلوب، ويجعل الإنسان يستغرب كيف أن شعباً أعزل يستطيع أن يحقق كل ذلك في هذا العصر ضد الاستعمار المدجج بأحدث السلاح وأفتكه.

وخذ لذلك مثلا آخر من تركيا. لما غزا اليونان آسيا الوسطى بعد الحرب العالمية الأولى هب مصطفى كمال يقحم نفسه في الجيوش التركية، وفي يده مصحفاً. وناشدهم بحماس دافق: أيها الأتراك: هل تعلمون ما هذا الكتاب الذي بيدي؟ فيجيبونه: إنه المصحف الشريف. فيقول لهم: إنكم إذا لم تخرجوا معي للحرب مع اليونان فلن يكون لهذا الكتاب بقاء في هذه الأرض. وهكذا فإن مصطفى كمال حرض المسلمين الأتراك على الجهاد، فخرجوا واضعين رؤوسهم على أكفهم، وطردوا اليونان من أرضهم مسجلي التضحيات الجسام على ما كانوا عليه من قلة العتاد الحربي ونقص الإمكانيات المادية إذ كانت اليونان يساندها الحلفاء.وكل بلد إسلامي درست تاریخه تجد نفس هذه الظاهرة تلعب دورها : تجد الذين بيدهم أزمة القيادة والتوجيه بعيدين عن الإسلام، جاهلون به، لا يعرفون عنه شيئا، ولا يجدون في أنفسهم ميلاُ إلى تطبيقه لأنهم تثقفوا ثقافة تبدلت بها مقاييسهم للقيم، وتبدلت بها أذواقهم.

وتبدلت بها خصالهم، وبهرت عيونهم حضارة أخرى غير حضارة الإسلام، وأخذ بمجامع قلوبهم منهاج غير منهاج الإسلام، وكانت الجماهير الإسلامية مضطرة كما قلنا إلى إسناد القيادة إليهم طوعاً أو كرهاً، ثم أن هؤلاء القوم كل ما حققوه من الانتصارات حققوها باستثارة جذوة المسلمين الإسلامية، وما من معركة تحريرية تحقق انتصارها إلا بهذه الطريقة نفسها.

المرحلة الرابعة عهد الاستقلال

وقد انتهت المرحلة الثالثة إلى ما ألمحنا إليه من الأوضاع. وها نحن دخلنا اليوم المرحلة الرابعة من تاريخنا. وهي المرحلة التي قد نالت فيها جميع البلاد الإسلامية الاستقلال في فترات متباعدات. 

المأساة الحديثة:

والذي تعيشه المرحلة الرابعة من أوضاع هي: 

إنه يتولى في كل بلد، وفي كل قطر أزمة الحكم وشؤون الحياة الاقتصادية رجال يخلون من الوعي الإسلامي والتفهم الصحيح للدين. بل ينظرون إلى تقاليد المسلمين المتوارثة بنظرة الازدراء والاستحقار، ويعتقدون أنهم إذا اتبعوا الحياة الإسلامية، وتمسكوا بأهداب القيم والمبادئ الإسلامية تصيبهم الذلة والمهانة في الدنيا، ويسقطون من عيون الدنيا، ولا تقوم لهم فيها قائمة، ويحرمون من التقدم والنهضة ما تصبو إليها أنفسهم. وأنهم إذا أرادوا اللحاق بالركب الحضاري فلن يكون ذلك البتة بدون أن يعتنقوا الأفكار والمبادئ الغربية، ويتبعوها بنصها، وفصها، ويقلدوها بحذافيرها. 

ووجهات النظر هذه ليست عفوية قائمة على المجازفة والاعتباط بل هي وجهات مدروسة نشأ القوم عليها وترعرعوا فيها. وهم الذين اختيروا ليحتلوا مكانة الصدارة في جميع المجالات الحيوية، وما زالوا هم مصدر التوجيه والإرشاد في كل شعبة من شعب الحياة، وفي كل قطر من الأقطار الإسلامية بصورة عامة.

وهل هناك من شيء أغرب من أن تضطرم معركة التحرير باسم الإسلام، ويضرب فيها المسلمون، باسم الإسلام الرقم القياسي في تسجيل البطولات، ثم إذا تحقق لهم ما أرادوا يعود الإسلام أول ضحية من ضحايا قادتهم. يتنكرون له ويلفظونه لفظ النواة.. الإسلام الذي باسمه وببركته وبقوته تحقق اندحار القوي وانتصار الضعيف. وهل هناك من موقف أغرب من هذا؟

وها أمامكم الجزائر أحدث مثال لذلك. وسبق أن قلت إن الجزائريين لم يظفروا بحسناء الاستقلال إلا بعد أن ضحوا في سبيله بأرواح الآلاف المؤلفة من البشر وبعد أن تقدموا بالقرابين المدهشة من براءة الصغير وطراوة الشاب وكهولة الشيخ، ونعومة المرأة تشهد بذلك وديان الجزائر وجبالها ومدنها ودساكرها. ومن يخطب الحسناء يعطي مهرها. ثم إذا رفرفت على البلاد أعلام الاستقلال فإن أول ما بشر به المسلمون فيها: إن الجزائر ستكون «الجمهورية الاشتراكية» ونفس المسرحية أقيمت في تركيا وفي باكستان وفي تونس وفي مصر. ودلوني على بلد إسلامي لم تلعب فيه المهزلة دورها المشئوم. وأضرب لكم مثالاً ثانياً من تونس: تعالت فيه صرخات تحرير الوطن باسم الإسلام. وسارع المسلمون لبذل أرواحهم وأموالهم إلى ساحة الجهاد في سبيل الله. ولما نالت تونس الاستقلال في آخر الأمر على جماجم الشهداء وأشلائهم يأتي زعيمها يطلع الدنيا على أن الصيام في شهر رمضان يسبب انخفاضاً في الإنتاج كأن الأمر الذي يلقيه الشيوعيون في روسيا في روع المسلمين فيها أصبح السيد بورقيبة أيضاً يردده، وينسج على منوالهم، ويأمر الذين يشتغلون في حقول الإنتاج أن لا يصوموا شهر رمضان کیلا تتناقص نسبة الإنتاج. ومن الظاهر أن الذين کبرت بهم السن لا يطيقون الصيام. فهم معذورون بحكم الشريعة، وأما الشباب فما داموا يعملون لزيادة الإنتاج في مصانع بورقيبة فلا صوم عليهم في شريعة بورقيبة. إذن على الركن الثاني من أركان الإسلام الخمسة السلام.
هذا النوع من الرجال يشكلون طبقة مستقلة بذاتها بيدها صلاحيات النقض والإبرام ومقاليد الحكم. وهناك طبقة أخرى توصف بالطبقة الدينية، وهذه الطبقة حقا إنها تضطلع بأحكام الدين، وتعلم ما أمر الله به وما نهى عنه، وتدرك ما هي الحضارة الإسلامية. إلا أن هذه الطبقة لم تتمكن من الحصول على الثقافة المصرية ما يجعلها موضع ثقة المسلمين فيما إذا كانوا قد انتزعوا أزمة الحكم والتوجيه من أيدي الطبقة الأولى الحاكمة، وحولوها إلى الطبقة الأخيرة لتبرهن جدارتها في تسيير دفة الدولة والقيام بالدور القيادي على أفضل منهج وأكمل وجه. وحقا أن الطبقة الثانية أقرب الطبقات إلى أحاسيس المسلمين وأكثرها التحاماً مع مشاعرهم الدينية، وأن المسلمين يضعون فيها ثقتهم فيما إذا ولوها الحكم لا تخرب دينهم، ولا تحطم تقاليدهم، ولا تسلط عليهم أنظمة الكفر والفسوق، ولكنهم لا يتوقعون منها أن تسجل دهاءها وقدرتها في تسيير شئون الدولة العصرية في وجهها الصحيح. أو تثبت كفاءتها في قيادة الشعب في العواصف العاتية من الحضارة الغربية، أو تستطيع تنظيم شئون القضاء والاقتصاد والداخلية والخارجية وما إلى ذلك بموجب مقتضى العصر. إنَّ هذه الأمور لا يرى المسلمون- ورأيهم قائم على الحجة والمنطق- أن تنتظم بصورة مرضية على أيدي الطبقة الثانية. 

 

 

العقدة الرئيسية:

إنَّ عامة المسلمين يقفون حيارى مشدوهين أمام هاتين الطبقتين. وصحيح قد يسودهم الجهل، وربما فسدت عاداتهم، وتفككت أخلاقهم. 

ولكننا، كما ألمحنا إليه سابقًا، أن القوة الهائلة التي كانت تملكها الحركة الإسلامية الأولى لم يستطع أحد محو آثارها الخالدة من كيان الأمة الإسلامية، ولأجل ذلك فإن أي فرد من عامة المسلمين مهما بلغ من الفساد قمته إذا سألته عما إذا كان الخمر حلالًا أم حرامًا لا يقول أبدًا بإنه حلال. وكذلك إذا استوضحت رأيه عن الزنا أو عن القمار: هل هما حلال في الإسلام أم حرام فلن يقول بحلهما. سله عن جميع المنكرات والسيئات تجده يستقبحها لماذا؟ لأن القيم الإسلامية التي يؤمن بها ما تبدلت لديه إلى هذه الدرجة، ولا يزال ينظر إليها نظرة الإجلال والتقديس، ويشعر بسموها وجلالتها على رغم ما طرأ على عاداته وسلوكه من التفسخ والفساد، لأن هذه القيم غدي بها من لبان أمه، وتجري في نفسه مجرى الدم. وكذلك إذا سألت أحدًا من المسلمين عما إذا كان من مظاهر الحضارة الإسلامية أن ترقص فتاة شبه عارية على المسرح؟

يأبى ذلك دون ما تأمل، بل لن يخطر بباله كون هذا النشاط يمت إلى الإسلام بصلة. وحقًا أنه يجهل الإسلام، وحقًا أنه لا يفهم القرآن، وحقًا أنه لا يلم بما في كتب السنة ولكن كيف للتصورات التي توارثها كابرًا عن كابر عن الحضارة الإسلامية أن تندثر من مخيلته وتروح من سليقته؟ بل هو على رغم قلة معرفته بالإسلام يستعرض كل ما يتعرض له من الأوضاع والقضايا في ضوء تقاليده وقيمه الإسلامية، ولا يقرر رأيا إلا في حدود إطارهما. وكل مسلم من عامة المسلمين يكون في ذهنه تصورًا إجماليًا عن الإسلام ونظامه ومقتضياته. ولك أن تجول في أكناف العالم الإسلامي، لن تجد الجمهور من المسلمين إلا على نفس ما أشرت إليه من عواطف وأحاسيس. لا يختلف في ذلك المسلمون في باكستان عن المسلمين في تركيا، ولا مسلمو إيران عن مسلمي مصر، ولا مسلمو الجزائر عن مسلمي شقيقاتها، حيثما توجهت رأيتهم لا يؤمنون إلا بنفس القيم الإسلامية، ولا يجلون إلا إياها، ولا يحنون إلا إليها، وليس في مقدور أحد أن يقنعهم. إنَّ «القيم الإسلامية» هي تلك التي جاءتنا من الغرب، ووجدنا عليها سادتنا الغربيين!!
والأمر الثاني أن المسلم العادي، وإن كان لا يعلم عن الإسلام إلا علمًا مبسطاً إلا أنه يحبه حب الولهان. وإنك لشاهد بعينيك في التاريخ الحاضر كيف استحثه قادته باسم الإسلام خلال الحروب التحريرية، ثم كيف كتب صفحات ذهبية من بذل النفس والنفيس. ولا يمكن استثارته إلا باسم الإسلام، ولا يمكن أن يرحب بالموت، ويقارعه إلا بعد أن يتأكد من أنه ينال بذلك الشهادة في سبيل الله، ويكرمه الله تعالى بجنته. وإذا يعوزه هذا المستوى من اليقين والقناعة فلا تجد أحدا من الناس أجبن منه في مواجهة الموت، ولا تنتظر منه معه أبدا أن يريق دمه، أو يقدم على ذات الشوكة، أو يسلك طريقاً محفوفاً بالمكاره. هذا ما عليه المسلم العادي.

ولكن الويل كل الويل في الطبقة التي تملك أزمة التوجيه والحكم في معظم الأقطار الإسلامية.
هذه الطبقة لا تزال تحاول دفع قطار الحياة القومية إلى جهة تعاكس جهة الإسلام، وتخالف آمال الأمة وأحلامها وعواطفها وأحاسيسها.
وهي حينًا تنادي باللادينية علنًا، وعلي رؤوس الأشهاد كما شوهد في تركيا الكمالية، وحينًا آخر تستغل الإسلام لتحقيق مطامعها، وتتستر وراءه، ولكن بعد تشويه حقيقته ومسخ ديباجته؛ كأن تحتضن الحضارة الغربية بما تحويه من شرور وآلام ثم تغلفها بغلاف الإسلام. هذا ما نشاهده اليوم، كل بلد يضج بالشعارات المستوردة والمبادئ الهدامة التي تبعد عن الإسلام بعد السماء عن الأرض. ولكن عامة المسلمين ليسوا على هذه الدرجة من الحمق والبلاهة حتى يسلموا بهذا الزيف. وهذه الكارثة لا تخص باكستان بل تعم أرجاء العالم الإسلامي. إذ في كل ناحية من نواحيه تتكرر هذه الطبقة، وتتشابه قلوبها، وتتجانس معالمها وتتوحد نوازعها. هذه الطبقة انهزمت أمام الغرب، وتتربع على كرسي الحكم في بلادنا، وتملك مقاليد حياتنا الاقتصادية، وترغم الأمة الإسلامية قسرًا على اتباع النظام الغربي للحياة. بينما الأمة تأبى هذا التحويل، وترفض هذا الطريق المنحرف.
من الواقع أننا لا نستطيع أن نتصور كمْ الاستخدام من الوسائل الجهنمية لجعل المسلمين غير مسلمين في تركيا وروسيا. إذ إن في تركيا وحدها قد أريقت فيها دماء الآلاف من المسلمين لا ذنب لهم إلا أنهم عارضوا استبدال القبعة بالطربوش كان هذا الأمر أيضًا من الإصلاحات الجذرية التي ما كانت لتتم إلا به. ومن الطريف في الأمر أن قادة الإصلاح المزعومين لما لم يجدوا الكمية الوافرة من القبعات الأوروبية استوردوا من أوروبا أكوامًا من القبعات المعدمة لإستيفاء حاجة الشعب التركي إلى القبعات. وكان هذا الإصلاح من الأهمية بمكان في نظر القادة حتى لجأوا لتطبيقه إلى وسائل الحديد والنار، وإلى إعلان الحكم العربي في البلاد. ولكن مع كل ذلك ظل الأتراك على نفس ما كانوا عليه من حبهم للإسلام، ومن تحمسهم له. لم يطرأ عليه أي شيء من التغيير والتحوير. إذن من الواضح جلياً أن هذه الطبقة لا تستطيع أن تحول الشعب الإسلامي عن الإسلام، ولا تستطيع أن تسوغ له الكفر مهما أقامت الدنيا وأقعدتها.


البقية العدد القادم.

الرابط المختصر :