العنوان الإسلام اليوم «الحلقة الأخيرة».. الصراع الحديث:
الكاتب أبو الأعلي المودودي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1977
مشاهدات 120
نشر في العدد 344
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 05-أبريل-1977
أما الحالة الراهنة التي نحن عليها اليوم فخلاصتها أن الحكومات تأبى أن تتبع النهج الذي تريد الأمة الإسلامية. والأمة ترفض أن تتبع الوجهة التي تتجه إليها الحكومات. فهناك صراع مستمر عنيف بين الشعوب والحكومات في جميع البلدان الإسلامية. وهذه الحالة تمثل «الإسلام المعاصر»: تبذل الجهود الجبارة ويستنفد آخر ما في الجعبة من السهم في جعل المسلمين غير مسلمين، وتجند لذلك جميع الوسائل والإمكانيات، ويستخدم لذلك مجال التعليم والتربية بصفة خاصة؟ فتوضع مناهج من شأنها أن تقضي على جميع ما يوجد في المسلمين من القيم الإسلامية، وتفسد أخلاقهم وأذواقهم، وتبعدهم عما توارثوه من التقاليد. كما تشجع فيهم ثقافة تدمر كل شيء من البقايا الخلقية، وتروج فيهم العلوم الغربية لتثير فيهم الشبهات حول الإسلام. ولا ينتهي هذا الأمر إلا أن يطرأ الضعف والوهن والخور والانحلال على سلوك المسلمين ويصبحوا قومًا فاقدي الشخصية.
وهذا ليس من المستحيل، وإنما المستحيل أن ينسلخوا عن الإسلام عمدًا ويكونوا لهم دولة لا دينية عن طواعية أنفسهم.
والذي تقاسيه البلدان الإسلامية من وخيم العواقب من هذا الصراع حسبك لمعرفة أبعاده أن تنظر في نسبة الأرقام التي حققتها هذه البلدان في مجال النهضة. هل تنظر أي مجال من مجالات الحياة حصل فيها التقدم. وهاك تركيا التي تعيش كدولة مستقلة ذات كيان وسيادة من عام ١٩٢٤م، إلى أي مدى أنعشت فيها الصناعة؟
وكم جاوزت من الأشواط في باب التجارة؟ بينما اليابان التي من لدات تركيا في الاستقلال قد بلغت من النهضة المادية شأوها البعيد. والسبب في ذلك ليس بخاف على أولي الألباب. إن تركيا تنكبت الصراط السوي، وتحولت إلى حلبة الصراع الداخلي: حاولت الحكومات المتعاقبة إظهار الشعب التركي في مظهر الشعب غير المسلم وأبى الشعب التركي أن يتحول شعبًا غير مسلم، بل يود أن يولي وجهه شطر الإسلام. مما أثار بين الحكومة والشعب صراعًا مستعرًا فكيف لتركيا بعد ذلك أن تخطو نحو الأمام وتحرز التقدم المادي. وبلغ الأمر ذروته في الفترة الأخيرة حين تسرب التصدع إلى الجيش أيضًا.
فأقصى منه حتى اليوم ستة آلاف ضابط. والذي يقال عن تركيا يقال عن البلدان الإسلامية الأخرى، وتأكدوا، أيها الإخوان! أنه حيثما يحدث التعارض، بل التناحر بين ضمير الشعب وسياسة الحكومة، ينشب الركود أظفاره ولا يدع الشعب يتخطى نحو الأمام ولا شبرًا واحدًا، ولا تأخذ حوافز التقدم سبيلها إليه. ولا يمكن لأية حكومة أن توفر لنفسها القوة والمنعة إلا إذا حصل التناسق والتلاحم بين ضمير الشعب وسياسة الحكومة بحيث أن كل ما تضع الحكومة من سياسة تباركها أحاسيس الشعب ومشاعره وإذا وضعت هذه السياسة موضع التنفيذ يستميت الشعب في إنجاحها. هذا هو الطريق الوحيد لجعل الشعب شعبًا ناهضًا متطلعًا. أما إذا ظل الأمر عكس ذلك وظل الشعب في واد والحكومة في واد، فلا يتأتى له أي تقدم للأبد. ولنفترض أن الشعب على رغم عدم محاربة الحكومة لرغباته، لا يعلن الخروج عليها. ولكن عدم مناصرة الشعب للحكومة ومساندته إياها يكفي لسوق البلاد إلى الدمار المحقق، إذ أن عدم ارتياح الشعب لحكومته هو أمر خطير ووضع رهيب في حد ذاته.
وإصرار هؤلاء القوم على هذا الاتجاه المعاكس لیس مبعثه غير أنانيتهم وأثرتهم واتباعهم لسلطان الأهواء مع أنهم لا يجهلون ما يريد شعبهم، كما أن تجاربهم الماضية خير شاهد على أن هذا الشعب لم ينتفض ولم يسجل دوره البطولي في المعارك التحريرية إلا باسم الإسلام. وأن انتفاضته المنبثقة من الإسلام قد أوصلتهم إلى شاطئ الحرية وإلى منصة الحكم ولذلك فإن هؤلاء الناس لا يجهلون أبدًا صلة شعبهم الوثيقة الأكيدة بالإسلام. وبما أنهم ربطوا مصيرهم ومصير أولادهم بالغرب وحضارته وسرابه وانغمسوا في الحضارة الغربية وطبعوا عاداتهم وأذواقهم بطابعها، لا يريدون اتباع طریق الإسلام. وتحول أنانيتهم دون أي عمل إسلامي.
والمنطق الذي يستندون إليه في ذلك هو: «أنهم هم الذين كتب لهم أن يحكموا شعوبهم البائسة التعيسة على كل حال، ولا يروقهم الإسلام: دين هذه الشعوب. إذن على الشعوب أن تتخلى عن دينها الإسلام». هذه هي القاعدة الكلية التي اتخذوها أساسًا لجميع نشاطاتهم واتجاهاتهم.
هذا هو «الإسلام اليوم». والآن أوجز لكم القول عما ينبغي أن يكون عليه «الإسلام في المستقبل».
مستقبل العالم الإسلامي:
إن مستقبل العالم الإسلامي يتوقف على ما سيختاره العالم الإسلامي من السلوك نحو الإسلام. أما إذا استمر العالم الإسلامي فيما هو عليه اليوم من موقف مبني على النفاق والتمويه والازدواج. وواصل سلوكه المعادي للإسلام أخشى أن لا تتمكن الشعوب الإسلامية من المحافظة على استقلالها وصونه من الضياع. بل ستنكب -ولا سمح الله- بأغلال الاستعباد ثانيا وتصير إلى حالة أسوء مما عاشت فيما سبق من عهد الاستعباد. نعم، إذا عاد إلى القادة الذين يملكون أزمة الحكم في العالم الإسلامي رشدهم قبل فوات الأوان، وعملوا لاستعادة الحياة الديمقراطية النزيهة فيه، ورجع أمر انتخاب أهل الحكم إلى الجماهير لتنتخب من تشاء وتلقي مقاليد الحكم إلى من تحب بإرادتها الحرة، ووضعت أنظمة السياسة والاقتصاد والتعليم منسجمة مع مبادئ الإسلام وأهدافه وحضارته فإني على مثل اليقين أن الشعوب الإسلامية سرعان ما تتحول إلى قوة كبيرة في العالم، بل تملك ميزان القوة في المجالات الأممية وتكون لها الكلمة الحاسمة. إن وجود كتلة الشعوب الإسلامية ليس بأمر يستهان به، إن الكتلة التي تتسع أطرافها من إندونيسيا شرقًا إلى المغرب الأقصى غربًا وتملك من الوسائل والإمكانيات ما لا حصر له، وتتمتع بالقدر الهائل من الطاقات العددية إذا انتفضت هذه الكتلة تتبع مبادئ الإسلام وتتضامن على أسسه فهل لقوة في الدنيا غربية كانت أم شرقية أن تصمد في وجهها؟
مدى قابلية الإسلام لقيادة العصر الحاضر:
وأتناول الآن السؤال الثاني الذي أثرته في مفتتح الحديث وأرد عليه بكلمات موجزة. وهذا السؤال هو: هل بإمكان الإسلام أن يسود الدنيا في هذا العصر أم لا؟ وهل من المحتمل أن ترجع إليه الأمم العالمية؟ وإذا يترجح احتمال رجوعها إليه فكيف يكون ذلك؟ وهل الإسلام قابل للتطبيق في العصر الحديث؟ هذه هي عدة نواح من السؤال الذي يكثر عنه الحديث في هذه الأيام.
وأقول: لم يعلن الدهر من تلقاء نفسه في أي عصر من عصور التاريخ بأنه مستعد للاستمساك بالإسلام، وأكبر برهان على ذلك هو عصر النبي صلى الله عليه وسلم نفسه فإنه لما أعلن صلى الله عليه وسلم دعوته في المجتمع العربي الجاهلي فمتى كان الدهر قام مستجيبًا لدعوته ملبيا لندائه قائلًا: «رضيت بك، یا محمد، رسولًا وبالله ربًا». بل الأمر يقتصر على قوة الداعية وصموده وبسالته وإبائه، الذي يقول للدهر: أيها الدهر إذا لم تبتغ السير معي طائعًا فأنا أرغمك على السير معي «..أين الشيوعية من الإسلام، بينهما ما بين الأرض والسماء. إلا أني أقول لكم، على سبيل المناقشة، انظروا إلى الانتصارات التي حققتها الشيوعية، بينما الإسلام لا يريد انقلابا متطرفًا يقلب الأمر من الأساس، كما فعلت الشيوعية التي حاربت الفطرة البشرية، فألغت الملكية الفردية نهائيًا وجعلت الحكومة تسيطر على أموال الناس وأنفسهم وأعراضهم واستجمعت الثروة القومية برمتها في يد واحدة هذه الثورة إنما هي تطرف وهدم وتدمير يتحاشاه الإسلام ويقلب وجهها معكوسا. إن الإسلام دعوة تتجاوب مع فطرة الإنسان الذي يتوخى البناء والإصلاح. وكل دعوة إذا لم تجد العزائم الماضية والجهود المضنية والنيات الحسنة تبوء بالفشل. وقد نجحت دعوة الإسلام لما قام جماعة من الناس يعقدون العزائم على تغليبها فكان لهم ما أرادوا وأصبح الدهر ينساق وراءهم.
وكذلك السؤال عن قابلية الإسلام للتطبيق اليوم فهو من لغو القول إن الإسلام صالح لكل زمان ومکان، أثبت قابليته في الماضي، ويحظى بنفس القابلية اليوم، وسيظل كذلك إلى أبد الدهر. وإنما الأمر يتوقف على وجود شعب في الدنيا ينهض للأخذ به كاملًا غير منقوص.
وكما قلت في مطلع الحديث إن تاريخنا ابتدأ باستعداد الأمة العربية لأن تقيم بناء نظامها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والحضاري على دعائم الإسلام وأن تصهر حياة الناس الفردية وأوضاعهم الجماعية في قالب الإسلام، فآلت هذه الأمة على نفسها أن تخرج إلى الدنيا رافعة لواء الإسلام مبلغة دعوته في أقاصي العالم، ولا تحيا إلا لأجله ولا تموت إلا في سبيله.
ولما تهيأت في الدنيا أمة كهذه رأيتم كيف تفجرت، بطاقاتها وحيويتها وأصالتها، على العالم انفجار القنبلة، وكيف رسمت على وجه المعمورة آثارها التي لا تزال خالدة باقية حتى اليوم. نعم، إذا خرجت اليوم أمة بهذه السمات تأخذ بالإسلام، وتسير وفقه نظام حياتها، وتقرر حياتها ومماتها لله رب العالمين فليس من المستبعد أن تجد الدنيا نفسها مستعدة للاستمساك بالإسلام والاستظلال بظله الوارف والاستنارة بهديه الكريم. وليس من المعقول أن يرى الناس الإسلام متمثلًا نابضًا في الواقع البشري ثم يتلعثمون في قبوله. غير أنكم إذا ما جاوزتم نشر الإسلام بالمواعظ والكتب والمحاضرات فمهما انهمكتم في هذا «العمل الشريف» إلى قيام الساعة لا تكاد الدنيا تقتنع بقابلية الإسلام وصلاحه لقيادة الحياة الإنسانية العملية.
وفي الختام أريد أن أعرب لكم عما في نفسي من أمل. بما أن الله تعالى خلقني في هذا الشعب أي الشعب الباكستاني المسلم لذلك أود أن يكون هذا الشعب هو الشعب المنتظر الذي يعيد إلى الإسلام مجده وبهاءه. وإذا كانت لي سياسة فهذا الأمل منطلقها وإذا كان لي دين فهذا مطلبه.
إن جميع مجهوداتي تتركز على أن شعبي الذي خلقني الله فيه وجعلني أحد أفراده، يشعر بمسئوليته نحو الإسلام، ويرفع لواءه، ويمثل الإسلام في واقعه الحي الملموس. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل