; الإسلام الغازي.. هل جاء دوره؟ | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام الغازي.. هل جاء دوره؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1997

مشاهدات 133

نشر في العدد 1267

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 16-سبتمبر-1997

جاءت حضارات ومضت حضارات وولت في التاريخ كأمس الدابر، ولكن الحضارات التي تستمر، وتبهر، ويكون لها حضور فاعل ومؤثر في النفس الإنسانية والحياة البشرية، شيء نادر ومتفرد، وقد ملكت هذا الإبهارـ وانفردت بذلك الحضور الحضارة الإسلامية.

ويحسن بي أن أضرب المثل في العصر الحديث على هذا في حضارتنا الإسلامية جاء القرن العشرون بازدهار الحضارة الأوروبية في وقت ضعف فيه المسلمون وانكسرت شوكتهم، وظن أعداء الإسلام أنه قد أن الأوان لدفنه بعد تكفينه بحملة من الافتراءات تولاها جيش من الكتاب الحاقدين من اليهود والنصارى على حد سواء، وقد حملوا لواء التحريض بسعار منقطع النظير بغية مواجهة عاجلة بين الغرب والعالم الإسلامي تحت عناوين متعددة، منها: الصراع بين الحضارات والإسلام والغرب، والحصار الغربي للمسلمين، و«انتهزوا الفرصة»، و«ما بعد السلام«.

وقد شارك في هذه الحملة رئيس الولايات المتحدة »نيكسون» بعد أن ترك الرئاسة وكتب كتابه الأول بعنوان انتهزوا الفرصة، وقد ذكر في كتابه هذا، أنه بعد سقوط الشيوعية، لم يعد هناك من خطورة تواجه الحضارة الغربية إلا الإسلام، ولما كان المسلمون اليوم على قدر من التخلف والضعف والتفكك والاعتماد على العالم الغربي في كثير من احتياجاتهم وفي مقدمتها السلاح، فعلى الغرب أن ينتهز هذه الفرصة لطمس الإسلام من عقول وقلوب المسلمين حتى يعيشوا تحت التصورات الغربية، فيسهل على الغرب التفاهم معهم.

وبعد شهور قليلة نشر »نيكسون» كتابه الثاني بعنوان ما بعد السلام، ذكر فيه أن دروس التاريخ قد علمتنا أنه ما من حضارة من الحضارات الإنسانية استطاعت الاستمرار بدون قيم روحية عليا، وضوابط سلوكية، وأخلاقية صحيحة، وأن الحضارة الغربية الراهنة على الرغم من تفوقها العلمي والتقني، ونجاحها الاقتصادي والعمراني، إلا أنها قد أصبحت حضارة تعاني من الخواء الروحي ومن الضياع في القيم والأخلاق السامية، والضوابط السلوكية الصحيحة، وعدد في ذلك ارتفاع معدلات الجريمة، وانفلات الشباب من كل قيم أخلاقية وضوابط سلوكية، وانتشار الزني والانحرافات الجنسية والأمراض المصاحبة لذلك.. وتفشي المخدرات، وارتفاع معدلات الإدمان وارتفاع أعداد الحمل بين المراهقات وأعداد الأمهات غير المتزوجات، وعدم تعرف غالبية طلاب المدارس على أبائهم، وتعرضهم للاعتداءات الجنسية بأعداد كبيرة داخل المدارس وخارجها وانتشار نزعات التمييز العنصري، وغير ذلك من أدوات وأمراض المجتمعات الغربية.

وعلى النقيض من ذلك فإن الحضارة الإسلامية لا تزال- على الرغم من تخلفها العلمي والتقني والعسكري والسياسي والاقتصادي- تحتفظ بقيم روحية عليا، وبضوابط سلوكية صحيحة، وقيم إخلاقية نبيلة.

ومن هنا توصل إلى الاستنتاج بضرورة التكامل بين الحضارتين الإسلامية والغربية من أجل صالح البشرية.

وبعد نشر الكتاب الثاني تعرض نيكسون لحملة إعلامية كبيرة للتعارض بين الكتابين، لأن الكتاب الأول كان يدعو إلى القضاء على الإسلام والكتاب الثاني يدعو إلى التعاون معه ويمدح الإسلام، ويبين مافيه من مميزات وقيم نبيلة تحتاجها الحضارة الحديثة.

وقد دفعه هذا إلى عقد مؤتمر صحفي يبرر فيه الإختلاف بين الكتابين، ثم أخذ يشرح فكرة الكتاب الأول، فقال: لقد فكرت أن أكتب عن المسلمين والإسلام، وأثر ذلك على الغرب، وطلبت من المخابرات الأمريكية تزويدي بملف كامل عن الإسلام وعن العالم الإسلامي المعاصر، وبعد مدة قليلة زودتني بملف تحمله سيارة شحن، فأحلت ذلك الملف إلى أحد مستشاري في رئاستي للجمهورية وكنت أثق فيه لعلمه وتخصصه، وسعة اطلاعه على الحضارات والخطط السياسية الخاصة بالأمم، واسمه دكتور روبرت كرين وقد ظللت استعين به- حتى بعد مد خروجي- من رئاسة الجمهورية، وطلبت من الدكتور روبرت كرين تلخيص هذا الملف حتى أستطيع الكتابة في هذا الموضوع المهم، ولما طال عمل الدكتور كرين في عملية التلخيص تلك اضطررت إلى كتابة كتابي الأول متأثرًا بالمفهوم العام للمؤسسة السياسية الأمريكية وتوجهها نحو الإسلام والمسلمين، وبعد نشر الكتاب المتحامل على المسلمين جامعي الدكتور كرين وبالملخص المطلوب، وعاتبني عتابًا مرًا على كتابتي لهذا الكتاب وتحاملي على الإسلام والمسلمين دون انتظار وصول الملخص الذي عهدت إليه به، نظرًا لمخالفة استنتاجي عن كتابه بعد قراءتي للملف المذكور وعن المعلومات الثابتة الموجودة في الدراسات عن الإسلام والمسلمين، ثم شكرني الدكتور كرين، لإحالتي هذا الملف عليه للدراسة، لأنه لم يكد يتم قراءته حتى أعلن إسلامه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ومنذ ذلك التاريخ يكتب الدكتور كرين مقالًا ثابتًا في دورية أمريكية مرموقة ربع سنوية أسمها عن إمكانية استفادة New Perspec Tives الحضارة الغربية من القيم الروحية العليا، والضوابط،  الأخلاقيةـ، والسلوكية النبيلة التي جاء بها الإسلام العظيم.

نعم فالإسلام بطاقاته وحيويته وتعاليمه السامية، ومناهجه الغازية وروحانيته الباهرة قادر بذاته على الغزو والجهاد والفتح والتمكين إذا وجد دعاة، وحمله رجال وبشرت به عقول ناهضة، ووجد الفرصة المواتية والأجواء الصافية، والرعاية الحانية.

لكن إذا حارب الإسلام أهله، وجهله بنوه وعمل على تجفيف ينابيعه أتباعه، واستعد لاستئصاله قادته وسلطاته، فأظن أنه سيظل حبيسًا يقف على سجنه كثير من الجهلة وينتظره في ظلمات اعتقاله شياطين الإنس والجن، وإن كان في بعض الأوقات وفي برهات من الزمن يتسلل منه شعاع يضيئ الظلام هنا أو هناك، ويبهر بعض العقول في الغرب أو الشرق حتى يأذن الله بالفتح المبين والنصر العظيم، فتأتي مواكب النور ترتل الأهازيج، وتنظم الترانيم، وترفع الشعار الحبيب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (سورةالبقرة آية 208 )، ويفرح المؤمنون بنصر الله..

الرابط المختصر :