العنوان الإسلاميون ومنظمة التحرير الفلسطينية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1985
مشاهدات 73
نشر في العدد 743
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 26-نوفمبر-1985
حرص ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة على زيارة الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين بمصر، في بيته بحي الظاهر.. استغرق اللقاء حوالي ثلث الساعة في منزل الأستاذ التلمساني، وحضره صلاح خلف «أبو إياد» عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح».
عبر ياسر عرفات عن تقديره وتقدير زملائه في المنظمة للأستاذ التلمساني وللإخوان وأبلغه تحياتهم، وقال الأستاذ عمر إن قضية فلسطين قضية إسلامية تهم كل المسلمين وليس العرب فقط. وأشار إلى أهمية وحدة الصف في مواجهة الصلف الإسرائيلي والقرصنة الأمريكية.
وفي نهاية اللقاء أعرب عرفات عن شكره وتمنياته للأستاذ عمر التلمساني بالصحة والعافية.
لكنَّ ثمة سؤالًا يطرح نفسه على هامش هذه الزيارة، وهو: ما موقف الإسلاميين من منظمة التحرير الفلسطينية؟
وعندما نتحدث عن موقف الإسلاميين من منظمة التحرير الفلسطينية يجرنا الحديث إلى الأصل.. وهو موقف الحركة الإسلامية من منظمة فتح، باعتبارها الأسبق في الوجود وباعتبارها العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية .
وإذا كان من المعروف أن الجذور التاريخية لحركة «فتح» تعود إلى مجموعة من الشباب الإسلامي في قطاع غزة شكلوا بعض الخلايا المسلحة لمواجهة العدو.. فإن موقف الحركة الإسلامية من فتح آنذاك- والتي قامت مستهدفة تحرير الأرض المحتلة- هو موقف التأييد بل والمشاركة في الهدف والوسيلة.. ولعل اللقاء على الهدف والوسيلة مع الإسلاميين منذ الفترات الأولى لتأسيس العمل الفدائي هو الذي جعل المخابرات المصرية بقيادة المقدم كامل حسين تطارد رموز فتح أيام عبد الناصر إلى جانب مطاردة المخابرات المصرية للإسلاميين عمومًا.. وكان أن كشفت فتح عام ١٩٥٨ عبر مجلتهم «فلسطيننا... نداء الحياة» عن المعاهدة السرية بين عبد الناصر والإسرائيليين حول فتح الممرات المائية المصرية أمام الملاحة الإسرائيلية.
وأمام قيام حركة جادة تستهدف تحرير الأرض المحتلة لم يقف حكام العرب العلمانيون مكتوفي الأيدي.. فكان أن وضعت الخطط لمحاصرة منظمة فتح وإجهاض قواها وشل حركتها، ومن تلك الخطط:
۱ - محاصرة المخابرات العربية الثورية- ولا سيما مخابرات عبد الناصر- لها واعتقال عناصرها والزج بهم في السجون لمدد طويلة.
۲ - طرح بدائل عن منظمة فتح، حيث أصدر الزعماء العرب في مؤتمر لهم بالإسكندرية قرارًا بإنشاء «منظمة التحرير الفلسطينية» برئاسة أحمد الشقيري، وتكوين جيش التحرير الفلسطيني الذي يأتمر بأمر بعض حكام العرب.
٣- طرح المنافس الأيديولوجي لمنظمة فتح، حيث تم الإيعاز لحركة القوميين العرب بقيادة جورج حبش لإنشاء الجبهة الشعبية. وقد زوده عبد الناصر آنذاك بمليون جنيه مصري لمنافسة فتح واستقطاب الشباب الفلسطيني.
٤- ضرب تجمعات فتح وأنصارها وتشتيتهم وافتعال الحروب مع كتائبها والزج بها في أتون النار.. وقد لاحظت شعوبنا الإسلامية تبادل الأدوار بين بعض الأنظمة العربية في ضرب فتح، واستمرار هذه اللعبة حتى الآن.
وإذا كان هذا هو الواقع الذي تعيشه منظمة فتح اليوم.. فإن الإسلاميين لن يساهموا مطلقًا في مهاجمتها وخذلانها، بقدر ما يأملون أن تعود صياغتها صياغة إسلامية في بنائها وفي منهجها وفي أهدافها.
وإذا كانت هنالك فوارق أساسية بين موقف فتح وموقف الإسلاميين من كثير من القضايا الأساسية، فإن ذلك لا يبرر للإسلاميين الهجوم على فتح لأنها المنظمة الأصلح بين المنظمات الفلسطينية الأخرى.. ولأن محاربتها ستصب في خانة الأعداء، وفي مصلحة المنظمات العلمانية واليسارية والشيوعية التي جيء بها في الأصل لتطرح البديل الثوري العميل والمنهج الأيديولوجي الدخيل، وذلك كما أشرنا بما يتعلق بجورج حبش وجبهته اليسارية العميلة للشيوعية الأممية، ولبعض الأنظمة العربية الثورية التي قتلت كل الآمال التي علقتها شعوبنا المسلمة على العمل الفدائي.
ومما يؤكد أيضًا أن ضرب فتح يأتي في مصلحة جميع الأعداء ما يلي :
- فإسرائيل سعت وما زالت تسعى للقضاء على هذه المنظمة، بينما تبني بعض الجهات الإسرائيلية كالحزب الشيوعي وغيره علاقات وطيدة مع شخصيات فلسطينية ترتبط بالمنظمات الأخرى أو تتعاطف معها.
- والثوريون العرب!! وضعوا نصب أعينهم ضرب قوى فتح .. فبعد عبد الناصر تابع «الثوريون!!» ما أراده، وقاموا بإحداث أبشع المجازر بكل جهة فلسطينية تتعاطف مع فتح.
- واليساريون الفلسطينيون الذين ترعاهم بعض الأنظمة وجهوا كل (نضالهم) ضد فتح، في الوقت الذي أداروا فيه ظهورهم للعدو الإسرائيلي.
- أما الانشقاق الذي رعاه أحد الأنظمة العربية ونفذه العميل «أبو موسى» داخل صفوف فتح، فذلك أيضًا يؤكد تأكيدًا قاطعًا أن رغبة أعداء فلسطين تتلخص في التخلص من فتح.
نعم.. إن كل محاولة للنيل من منظمة فتح سيصب في خانة الأعداء أولًا.. وهذا لا يعني أن الإسلاميين يبررون أخطاء هذه المنظمة وأساليبها وعلائقها، التي تعتقد فتح أنها تحاول من خلالها إيجاد أرضية للاستمرار والعمل وسط ظروف عربية ودولية ليست في صالحها.. وقد تصدر عن بعض قادة فتح بعض التصريحات الغامضة التي تفسر من قبلهم فيما بعد على أوجه عدة من قبيل المناورة السياسية في الوسط العربي والدولي المضطرب.. ومثل هذه التصريحات الغامضة لا يحكم عليها بقدر ما يحكم على التصريح الواضح والإجراء الفعلي.
وفي النهاية لا بد من الإشارة الى أن الإسلاميين يؤيدون بل ويعملون إلى جانب كل جهة تنادي بتحرير فلسطين وتعمل لتحقيق ذلك بإخلاص وجدية.. والإسلاميون أيضًا يقفون ضد كل أطروحات السلام والاستسلام، لأنه لا سلام مع إسرائيل المغتصبة أبدًا.. وإنما الجهاد- الجهاد وليس غير الجهاد- يحرر مقدساتنا وأرضنا المغتصبة.