العنوان الإسلاميون والغرب: تقارب أم حرب باردة جديدة؟
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998
مشاهدات 2
نشر في العدد 1286
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 27-يناير-1998
مايكل سلا يحدد طبيعة السياسة الغربية في التعامل مع الحركات الإسلامية:
بنهاية الحرب الباردة ظهرت نظريتان اكتسبتا شهرة واسعة وأثارتا جدلًا يحتد إلى الآن نظرية فرانسيس فوكوياما عن نهاية التاريخ، ونظرية صموئيل هنتنجتون عن صراع الحضارات الأولى تكلمت عن انتهاء الحرب الباردة بهزيمة الاتحاد السوفيتي والأيديولوجية الماركسية وانتصار العالم الغربي (سيما الولايات المتحدة) والرأسمالية الليبرالية، وهو ما كان يعنيه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش حين تحدث عن بروز النظام العالمي الجديد، والثانية تكلمت عن صراع مستقبلي يقوم لا بين الدول وإنما بين الحضارات المختلفة ومن بينها الحضارة الإسلامية ونظيرتها الغربية، ومن هنا فالأولى تتحدث عن نهاية سلمية للتاريخ لصالح الغلبة الليبرالية والثانية تحذر من بروز حرب باردة» أو «حرب حارة أخرى تعيد التاريخ من جديد، وأيًا ما كان الأمر فالنظريتان تريدان لفت اهتمام صناع القرار في الغرب لكيفية التعامل مع التحديات الأيديولوجية القادمة، والسؤال المطروح هو: ما احتمالات تبني نظرية فوكوياما أو هنتنجتون وكيف سيكون أثر هذا التبني في صياغة السياسة الغربية تجاه الإسلام والإسلاميين؟ يثير مايكل سالا من الجامعة الأمريكية بواشنطن هذا السؤال المهم في مقالته الإسلام السياسي والغرب تقارب أم حرب باردة أخرى؟ في العدد الأخير من حولية Third World Quarterly الأمريكية، حيث يتناول سالا مستقبل علاقة السياسة الخارجية بالإسلام والحركات الإسلامية متسائلًا: هل ستكون عدائية كما كانت الليبرالية والرأسمالية مع الشيوعية؟ أم ستكون تقاربية تصالحية مرجحًا بأنها ستكون عدائية برغم ما يقوله السياسيون الغربيون عن تعددية الظاهرة الإسلامية والتفريق بين التيار المتشدد والمعتدل، مضيفًا أن انتهاء الحرب الباردة لصالح النظرية الليبرالية سيمنح الغرب ثقة وقناعة راسخين لتكرار الاستراتيجية الاحتوائية مع الشيوعية للتعامل مع التحدي الإسلامي، ما دامت قد أثبتت جدواها، ويقول أيضًا بأنه على الرغم من وجود تيار غربي معتدل يدعو للتفاهم بين الغرب والإسلام في مقابل التيار الإقصائي، إلا أنه من المرجح أن تجد النظريات الإقصائية آذانًا مُصغية لدى السياسيين الغربيين.
بين مدرسة التفاهم والإقصاء:
يعرض سالا في بداية مقالته لموقف المدرستين الأساسيتين من الإسلاميين وهما المدرسة الإقصائية أو الاستشراقية ويتزعمها أمثال برنارد لويس ودانيال بايبس ومارتين إنديك وصموئيل هنتنجتون والمدرسة التفاهمية التقاربية ويتزعمها أمثال جون إسبوزيتو وإدوارد سعيد وجيمس بسكتوري، الأولى وغالبية مفكريها من اليهود أو الصهاينة تحبط الغرب من محاولة التفاهم مع الإسلاميين لأن جميعهم لديه نفس الهدف: معاداة النموذج الغربي وتحكيم الشريعة، وبالتالي فلا يوجد شيء اسمه تيار متشدد، وآخر معتدل فهذه تقسيمات خرافية أو تكتيكية حول الأساليب وليس الأهداف، والحوار مع هذه التيارات مضيعة للوقت وغير مجد ولن يعطي لهؤلاء سوى الشرعية والاهتمام والحل هو تهميش هذه الحركات قدر الإمكان ولو عبر أساليب غير ديموقراطية أو ليبرالية كدعم الأنظمة الديكتاتورية لقمعهم، وتدلل هذه المدرسة - التي تقتات من ترويج هذا الخطاب التخويفي - على قناعاتها بالنموذج الجزائري والنموذج الأفغاني والنموذج التركي بوصول أربكان وعمليات عنف الجماعة الإسلامية في مصر.
وفي المقابل تدعو المدرسة الثانية الغرب للتعقل في التعامل مع الظاهرة الإسلامية لأنها ظاهرة متعددة ومتنوعة ونابعة من أصل الثقافة العربية والإسلامية، ولأن محاربتها لا تخدم المصالح الغربية، على العكس تقوضها وتهددها في مهدها، وتؤكد أيضًا بأن في داخل التيار الإسلامي من لا يرفض جميع مظاهر النموذج الغربي وإنما يعتبرها آليات مفيدة وإيجابية للترويج لأهدافه ومراميه التي لا تهدد بالضرورة الوجود الغربي، بل هناك مظاهر إسلامية غربية مشتركة يمكن للطرفين التعاون في ترويجها كحرية التفكير وحقوق الإنسان وحرية التعبير ضمن الديموقراطية أو الشورى.
لكن رغم عقلانية خطاب المدرسة التفاهمية، فإن مايكل سالا يرجح أن يجد خطاب المدرسة الإقصائية الأذن المُصغية من صناع القرار الغربي، لأن الغرب السياسي بات مقتنعًا بأن المواجهة مع الشيوعية عبر سياسة الاحتواء هي التي أنهت الحرب الباردة في ۱۹۹۱م لصالح الغرب، وبالتالي ستظل هذه هي الطريقة المثلى لمواجهة الإسلام، وقد بدأت الولايات المتحدة في تطبيق سياسة الاحتواء منذ عام ١٩٤٧م وحتى سقوط الاتحاد السوفيتي وتطبقها الآن مع إيران عبر الاحتواء المزدوج، والسودان عبر الحصار السياسي والدبلوماسي، وستظل تطبقها مع أي عدوه محتمل لأنها ببساطة اعتادت عليها ولا تعرف غيرها، وهناك أصوات غربية متعقلة تدعو الولايات المتحدة للتفكير بعقلية جديدة غير عقلية الحرب الباردة والاحتواء لأن الظروف التي استدعتها قد انتهت ولكن واشنطن لاتزال تجد جاذبية تجاه تلك السياسة القديمة لأنها نجحت مرة فلم لا تنجح مرات؟ ويقول سالا: إن هناك دروسًا تعلمها السياسيون الغربيون من الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي ومن الراجح أن يطبقوها على الخطر الإسلامي، أبرزها:
أولًا: أحادية الخطر الإسلامي مثل أحادية الخطر الشيوعي بمعنى أن نجاح سياسة الاحتواء التي طبقتها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي يعود لأحادية الأيديولوجية الشيوعية وغياب تعدديتها، هذه الأحادية سهلت عملية الاحتواء سواء كانت في أفغانستان أو بولندا، في الصين أو في تشيكوسلوفاكيا وهكذا، وجورج كانن هو مهندس فكرة الاحتواء التي تبناها الرئيس الأمريكي هاري ترومان في إطار مبدأ ترومان المعروف، ثم طبقها الرئيس أيزنهاور من خلال طرح فكرة حلف الناتو، ثم نيكسون في فيتنام وكارتر في الصين وكامب ديفيد ثم ريجان من خلال سباق التسلح وحرب النجوم، وبالتالي يمكن عبر مؤسسات أخرى جديدة احتواء الخطر الإسلامي الأحادي الأبعاد، فكما يقول دانيال بايبس الذي يعمل بمركز بيجين - السادات الاستراتيجي: الأصولية الإسلامية حركة طوباوية متطرفة تماثل في طبيعتها الحركات المتطرفة الأخرى كالشيوعية والفاشية أكثر منها حركة دينية مسالمة، فهي بطبيعتها تناهض الديموقراطية والسامية (بمعنى اليهودية) والغربية - يرى أي ممثل للحركة الإسلامية أنه يقف على الند من الحضارة الغربية متحديًا إياها للهيمنة على العالم ويكتب لويس هينتنجتون عن الحضارة الإسلامية بنفس الروح، مما يعمق الانطباع لدى الغرب السياسي بإمكانية تكرار سيناريو الحرب الباردة مع الحركات الإسلامية ما دامت جميعها متشابهة وأحادية.
حروب «ساخنة» واستنزاف اقتصادي:
ثانيًا: إن الولايات المتحدة دخلت في حروب ساخنة» مع الاتحاد السوفيتي على حلبة طرف ثالث كفيتنام مثلًا وكوريا، ورغم الخسائر في الأرواح الأمريكية إلا أن هذه الحروب الساخنة آتت ثمارها في إنهاء الحرب الباردة بين القوتين العظميين لصالح الولايات المتحدة، من هنا فالغرب مطالب في حربه الباردة مع الإسلاميين بالدخول في مغامرات ساخنة ضده على أرضيات مختلفة، من دون تورط أمريكي مباشر هذه المرة، ولكن عبر استراتيجيات أخرى مثل الحصار الاقتصادي وتأييد القوى القمعية في المنطقة، مثال على الاستراتيجية الأولى هي السياسة الأمريكية تجاه إيران الممثل الشرعي للحركات الإسلامية بالنسبة للغرب والسودان، وتأييد فرنسا لما تقوم به الحكومة في حق الإسلاميين مثالًا للاستراتيجية الثانية، يقول بايبس مرة أخرى:
«الحكومات التي تقمع الحركات الإسلامية تحتاج لدعم الولايات المتحدة، لأنه يتوجب علينا الوقوف بجانب القوى غير الأصولية حتى لو كان ذلك يعني القبول بأساليب القمع التي تتبعها هذه الدول مثل مصر وقمعها العسكري والجزائر وإلغائها الانتخابات وإسرائيل وتهجيرها للفلسطينيين»، فيما يرى إسبوزيتو بأن تأييد الغرب للسلطات القمعية يضعف ثقة المعارضة والإسلاميين بالديموقراطية وبالتالي رفضهم الإقصائي المتطرف للنموذج الغربي برمته، والمفترض هو تشجيع نمو الثقافة الديموقراطية في العالم العربي والإسلامي لأنها وإن أنت بالإسلاميين أولا فإنها قد تأتي بالعلمانيين لاحقًا، لكن الراجح - على حد توقعات سالا - هو أن يدعم الغرب الحكومات القمعية اقتصاديًا وعسكريًا لضرب الإسلاميين بدلًا من الضغط على تلك الحكومات لإجراء انتخابات نزيهة أو مراعاة حقوق الإنسان.
جوهر النموذج الليبرالي الديموقراطي:
كان جورج كانن الذي اقترح فكرة الاحتواء ضد الاتحاد السوفيتي يقول في عام ١٩٣١م بأنه لا يمكن الوصول لحل وسط بين النموذج الشيوعي الماركسي والنموذج الليبرالي الديموقراطي لأن كليهما على طرفي نقيض، وكلاهما يعتبر نفسه «منهجًا للحياة، مستقلًا بنفسه عن الآخر بل يريد تقويض هذا الآخر، ونفس النظرة الاحتوائية توجه اليوم للإسلام باعتباره نموذجًا مستقلًا تمامًا عن النموذج الغربي بحيث لا يمكن التفاوض معه أو التحاور، ويرى سالا أن هذه النظرة الغربية خاطئة لأنها تتغافل عن بعض السمات المشتركة بين الغرب والإسلام في أمور كثيرة تتعلق بدور الدولة في بناء المرافق مثلًا، وعدم سيطرتها على جميع موارد المال على عكس النموذج الشيوعي، وتقدير الكسب الشخصي بل وتشجيعه، إلخ، وفي السياسة هناك الشورى وهي جوهريًا مع بعض الاختلافات الفنية - تماثل الديموقراطية من ناحية كونها تحترم الرأي والرأي الآخر، ومع هذا فمن المرجح أن يسمع الغرب السياسي لصوت النشاز الذي يروجه بايبس وأمثاله من كون الإسلام يختلف تمامًا عن الغرب بل ويعاديه، وبالتالي إمكانية صياغة سياسة خارجية غربية تتعامل مع الإسلاميين بغير هوادة تمامًا كما كانت تتعامل مع الشيوعية.
ويختتم سالا مقالته بالقول بأنه على الرغم من هذه الصفحة السوداوية لمستقبل العلاقة بين الغرب والإسلام إلا أن هناك أملًا لإمكانية التقارب بين الاثنين، كما حدث تقارب في الماضي بين الغرب والشيوعية حول بعض النقاط، مضيفًا بأن الإسلام قادر على إثارة أسئلة وتوجيه انتقادات بناءة للفكر الليبرالي والديموقراطي تفيد الغرب أكثر مما تضره وعندئذ سيكون الخطاب الإسلامي فرصة لإعادة فتح نهاية التاريخ، بدلًا من إغلاقه كما يريد فرانسيس فوكوياما.
المدرسة الإقصائية تقود الغرب للمواجهة السافرة مع الإسلام والتعامل مع الإسلاميين بلا هوادة ودعم الحكومات التي تقمع الحركات الإسلامية.